islamaumaroc

نهضتنا الأدبية

  دعوة الحق

87 العدد

إن الظواهر الأدبية لدينا في هذه الأيام لا يصح أن ندعوها نهضة أدبية، لأنها ظواهر نغمرها الفوضى ويحوطها الاضطراب ويسيطر عليها الارتجال الذي لا يعمل فيه العقل ولا يتناوله الذهن فكل أديب يسير في سبيل خاصة، وكل شاعر ينتهج نهجا مستقلا، لا يمت بأية صلة إلى نهج زميله في الفن، أو خدينه في الآداب. وبدلا من أن تكون نهضتنا الأدبية مجموعة بتنظيمها أسلوب متشابه، وشكل متقارب، فقد أصبحت ألوانا مختلفة لا تجمعها أصرة ولا توجد بينها رابطة، وهذا هو سبب انقراط العقد وتناثر الحبات، وتشعب الأهداف، وتفرق الغابات، مما اترك هذه النهضة الأدبية غير منتجة وغير ذات اثر بارز.
ولقد درسنا النهضات الأدبية في الأمم المختلفة فوجدناها مسبوقة بحركات ثقافية تبدأ من المدارس وتسير إلى النوادي والمجتمعات والجمعيات حتى يجتمع من هذه الينابيع المختلفة المصادر شعراء وأدباء وفنانون يتشابهون بالميول ويتقاربون بالأمزجة، ثم يجتمعون فيؤلفون لهم مذهبا خاصا، فيه من المذهب السابق بعض الشيء، وفيه من الطريقة الجديدة كل شيء. وهكذا رأينا المدرسة الرومانتيكية في فرنسا، وفي انكلترا، وفي ايطاليا ثم هكذا عرفنا المدرسة البر ناسية، وكذلك المدارس: الرمزية والطبيعية، والواقعية وغيرها التي ضمت كل واحدة منها جماعة كثيرة من الأدباء يمثلون عواطف واحدة وأهواء متشابهة وان كانت لا تخلو من ألوان متباينة في أحيان كثيرة ولكن تباينها هذا لا يؤثر في وحدتها واتساقها الذي سجلته الأذواق ولقرنه الأذهان.
لقد كان الشعر العربي حتى مطلع الحرب العالمية الثانية، شعرا منسقا، سار من بعد شوقي وحافظ ومطران، فتسلمه بشارة الخوري وجبران وبدوي الجبل، ثم آتى بعد هؤلاء على محمود طه، وإبراهيم ناجي، ثم أتى، أبو ريشة وأمين نخلة وأبو شبكة، فكان لكل درجة من هذه الدرجات لون خاص بها، وكان التطور يسير بخطى وئيدة متزنة، حتى اقر الناس انه التطور الصحيح، وحتى وجدنا من وراء هذه الجماعات نهضة أدبية صحيحة، وظاهرة فنية جديدة نقلتنا من عهد شوقي إلى عهد جديد رائع فيه شعر موهوب، وفيه أدب ناضج.
وسبب هذا الاتزان والهدوء والاستقرار في الإنتاج الفني يرجع في الأعم الأغلب إلى الدراسة المنتظمة، والقراءة الدائبة الفاهمة، والعمل الصحيح الصادق، فالشاعر يدرس لفنه أول أمره في المدرسة وفي البيت، ثم تهديه ملكته الفطرية إلى قراءة وحفظ القصائد التي تصادف هوى من نفسه وهي قصائد لا يحدها حصر في الأدب العربي القديم والحديث حتى إذا انتقل في تطوره الثقافي من مرحلة إلى أخرى رأينا ذوقه الأدبي أخذا بالنمو شيئا فشيئا، حتى يخط لنفسه خطة خاصة ينظم شعره تبعا لها ويكتب نثره مستوحيا منها، فإذا هو شاعر أصيل مجدد، أو كاتب جليل متطور. هذه المراحل التي تشبه في مجموعها القاعدة المضردة التي لا يجوز الشذوذ عنها قد خالفها أدباؤنا الجدد أيما مخالفة، ونهجوا على غير غرارها نهجا مليئا بالعثرات، غاصا بالعقبات.
فدراسة اللغة العربية الأولى دراسة مبتسرة عاجلة غير ناضجة لا تشكل ثقافة ولا تؤلف ذوقا أدبيا أو فنيا، وهذا ما يؤثر في إضعاف الملكة الأدبية التي هي الأساس لكل إنتاج أدبي، وإذا ضعفت الثقافة، وهزلت الملكة الفنية ضاع الطريق الواضح، والتبس النهج البين، فيروح الشاعر، أو الكاتب بين اليسار واليمين، أو اليمين واليسار حتى يغيب اتجاهه عن القارئ، وربما سقط في إحدى متاهاته فقضى قبل أن يعرف، وانطفأ قبل أن يضيء.
ونتيجة لهذه الاضطرابات التي لا يجمعها ضابط ولا يواخي بينها ناظم، أصبحت ترى ألوانا مختلفة من النشاط الأدبي، بين شعر ونثر، وكل صاحب لون يدعي انه المجدد الذي طور الأدب وقدم الفن واخذ بيد الإلهام إلى المحجة البيضاء، حتى إذا رجعت إلى هذه الآثار وقعت على شعر ليس بالشعر، ونثر لا يشبه النثر لأنه فقد النكهة العربية، وأضاع الفطرة اللغوية، وحسبك دليلا على هذا ما تقرؤه هذه الأيام من شعر يقال له «الشعر الرمزي» ونثر يسمى «بالنثر الفني» وكلام هو بين هذين اللونين، الشعر والنثر، يسمى بـ «الشعر المنثور»، وكل هذه الأقسام الثلاثة تفتقر إلى الصورة الفنية، واللفظة الشاعرة والموسيقى المنغومة والقافية الطريفة الهادئة الرزينة، وإذا أنت في كل ما تراه من أدب وشعر قد فقدت علالتك الفنية وضيعت سلوتك الأدبية، حتى ترجع إلى الكتب الماضية والأزمنة السالفة فتقلبها وتقرا في صفحاتها شعرا طيبا يعزبك، ونثرا عاقلا يسليك ويغريك.
قرأت منذ زمن قريب مقالا يتعرض كاتبه للشعر الأوربي في فترة ما بعد الحرب الثانية فوجدت أن الداء الأدبي الذي نشكو منه قد اخذ أيضا بتلابيب الفن في كل بلد، فهناك في كل بلد جماعة ممن تثقفوا أدبيا ثقافة ناقصة لم يستطيعوا أكمالها، وقراوا قراءات مستعجلة مشوشة لم يتوصلوا إلى تهدئتها والإفادة منها، وهم، مع ذلك لا يريدون غير التجديد مطلبا، ولا يسالون غير الاختراع الفني هدفا، وقد سعوا إلى هذا عن طريق عجيبة، فقد أهملوا هذه الأرض التي تعيش عليها جميعا احتقارا واشمئزازا منها واستهوانا لأمرها، ونظروا نظرة حاقدة محنقة إلى السماء فروا التمرس والنجوم والكواكب والأقمار فحلقوا بينها يرودون ما فيها من معان عظيمة وصور رائعة، فلم تسعفهم قرائحهم الخابية ولم تعنهم مواهبهم المختصرة فثار ثائرهم واضطرمت أحاسيسهم فاخذوا ينطقون يشعر هو أشبه بالتجديف، وبنثر هو اقرب إلى التجريف، ثم هدتهم ملكاتهم الصغيرة كرة أخرى إلى لون أخر من ألوان الكلام، وهو لون يلفت الناس ولا بطربهم، ويثير انتباههم ولا يعجبهم، انه لون «الجنس» والجنس كما لا يخفى بضاعة رخيصة إلا أنها سائرة حتى حصروا نشاطهم الأدبي في هذه النقطة الهينة التي لا تسمن ولا تغني.
وهكذا فقد بعض الأدباء المتطرفين الأسلوب الشعري الرائع، والمعاني الطريفة والصور الأخاذة والأخيلة البديعة ليلهوا بمعان لا تشبه المعاني والصور وكان داء العصر هذا قد وصل إلى أدبنا العربي فظهر هذا الأدب المبتسر، والشعر الغث الذي تقراه وأنت مرغم، وتخرج منه وكأنك لم تقرا شيئا، لفقره بالمعاني وخلود من كل إحساس يهزك ويرضيك.
نحن نقول لهؤلاء، أن الشعر يستدعي إلى جانب الفطرة، قراءة ودرسا واجتهادا، كغيره من مجالات الفكر والعمل الذهني، ولقد روي عن الفنان الايطالي الأشهر «ميكال أنجلو» انه كان من اعلم الناس بالهندسة وبالتشريح الجسدي، وكذلك ليوناردود اشتن، كما كان المتنبي عندنا من العلماء الأفذاذ في اللغة والشعر، وكذلك أبو العلاء والشريف الرضي.
إلى هؤلاء الشباب نسوق هذه الأمثلة، ليرجعوا إلى أنفسهم فيقراوا ويغذوا ملكاتهم الفنية، أن كانت هنالك ملكات، لان الارتجال الذي يعتمد على الفطرة وحدها، كان وما يزال آفة الأدب العربي.

 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here