islamaumaroc

كيف يجب أن يكتب التاريخ؟

  دعوة الحق

87 العدد

إذا ما قدر لبعض القراء يتصفح ما كتبه المواطنون عن المغرب وتاريخه قد لا تعدو النتيجة النهاية أن يتعرف  المطالع على بعض الجوانب السياسية كفتح البلد الفلاني واسر البطل الفلاني وقتل الآخر وما إلى هذا من مناحي القوة والبطولة التي تتجلى بارزة في أقلام مؤرخي المغرب حتى لا تعود تسمع عدا قعقعة السيوف وعطعطة الأصوات مما يذهب بخيالك عن كتب لاستعراض المعمعة واستشراف ملامحها الدامية-ناسين أو متناسين (أن كان هذا) جوهر العبرة من التاريخ وكيف يجب أن تعرض وقائعه على الناشئين والطلبة وتحليل المسببات لترتب على أسبابها وتربط النتائج بالمقدمات، وتلك نقطة الارتكاز في دراسة التاريخ الحي الذي يكون في النشء وعيا ويقظة ويخلق من  المواطن رجلا صالحا يستطيع الاضطلاع بأعباء رسالته والقدرة على حمل ما يناط به من مسؤوليات عن خبرة ووعي يدعمان كل محاولاته في الحياة.
لذا يجب أن يكتب تاريخنا بما أصبح يكتب به تاريخ الأمم الأخرى ولا نذهب بعيدا فهؤلاء جماعة من علماء الاستشراف كدوكاتري وليفي بروفانسال، وكراس وسواهم من الأجانب الذين حفزهم الولوع التاريخي للكتب عن تاريخنا بطريقة استكشافية توضح ما كان مكنونا في ثنايا الدفاتر ومرت على حجبه بين السطور قرونا وقرون وغدا بعضه يتجلى للعيان كنموذج بدفع اليوم مؤرخينا ليستجلوا الطريقة نفسها ويسخروا أقلامهم للكتب بهذا الروح الفلسفي المنتج مبرزين ما يمكن أن يكمن داخل الماجريات والحوادث والأندية والمجتمعات بين عاديات واجتماعيات تجلو ما غمض بين الفقر والعمومات القارئ ويساعده في نفس الوقت على استساغة المقروء وتلمس روح العظة والتأثر من بين مضامينه الفياضة التي لا تلبث لنا رجالا صالحين همهم الأكبر العمل لفائدة الأمة وخدمة الشعب، انه لنوع جدير بالعناية والاعتبار أغفله كتبة التاريخ وجرى كل من لازم ما كتبوا من مجلدات على تلك الوتيرة التي هي أنى الجفاف والعقم أمس منها بالخصب والإنتاج.
وهذا ما يحفز الكاتب (وهو داخل في الكتلة) ليهيب بمؤرخي المغرب العربي ليتجهوا في أبحاثهم التاريخية اتجاها جديدا يكيف مجرى الأقلام تكييفا روحه التحسيس والتعمق في استبطان الحوادث واسكناه حقائقها التي لا تفتا تلقي أضواء بين يدي الطالب أو المطالع على السواء فيستطيعا الوقوف بيسر على ما يمكن غموضه وصعوبة استكشافه لولا طرافة البحث وجدته ووضعه في أسلوب حي يبعث في نفي القارئ اليقظة والشوق ويربي فيه ملكة البحث والملاحظة وتسليم ما يسلم وتزييف ما عداه.
فبدراسة بيئة الشخص ومحيطه داخلا وخارجا ومعرفة أطواره من الفتاء إلى الكهولة إلى ما شاء الله يستطيع الكاتب المؤرخ أن يصدر حكمه النزيه عليه بعد أن يتذرع بالصدق والأمانة ويؤمن بهما إيمانا روحه الإخلاص دون أن يتأثر لعاطفة أو رحم أو صداقة أن هي إلا الحقيقة المجردة تكتب للأجيال الآتية رغبة في تنشئيها على الحق الصرف البعيد عن كل تزلف وتمويه يؤثران بتدليسهما على النشء الذي من أقدس واجباته علينا أن نلقنه الحقائق جلية سليمة من كل هلهلة وتلبيس؛ يجب أن يكتب التاريخ للتاريخ مجردا عما يشين وقائعه البعيدة عن كل تحيز وهوية، وما دام المؤرخ في الأمة رجلها الأمين ورسولها الصادق الذي وضعت ثقتها فيه وحملته تبليغ ما جرياتها لماعة ناصعة يتلقفها الخلف من أجيال الأتي ءامنا مطمئنا-فواجبه الأقدس العمل جديا على الإخلاص لهذه الثقة وتلك الأمانة الغاليين متحملا كل اضطهاد وتأنيب في سبيلهما يجب أن يشرح المؤرخ حالة الدولة التي يريد أن يتحدث عنها سياسيا واجتماعيا واقتصاديا فاتحا أبحاثه النزيهة عنها برئيس الدولة فمن يليه من مساعدين وكتاب إلى ءاخر جندي وعامل في الحكومة، وطبعا تتصل الأبحاث بباقي الأمة والشعب فيجري القلم شارحا الحالة في تدقيق وتحر بنيران الطريق لكل من يهتم بتاريخ بلاده.
فعلى رجال التاريخ أن يسلكوا في بحوثهم نهج المستشرقين وطريقتهم في التصنيف والتأليف واضعين المسببات إزاء الأسباب والنتائج إزاء مقدماتها ضاربين عرض الحائط بالحواشي والاستطرادات المملة الفارغة والمشوهة وجه التاريخ والملصقة عار الخرافة والهوس بناياته الخالدة كعلم من العلوم تنبني عليه سعادة الأمم أو شقاؤها أحيانا أن لم تعتبر، فنحن إذا أنعمنا النظر فيما بين أيدينا من كتب في الفن نجده خاليا من تصوير الحالة الاجتماعية حيث لا يستطيع المطالع اثر القراءة أن يخرج بفكرة نيرة حول المجتمع الذي عاش فيه الأولون سواء فيه المجتمع الضيق أو الواسع فهذه الأسرة لا تكاد تعرف عن حالتها الاجتماعية لا قليلا ولا كثيرا فإذا سئل المؤرخ كيف كان الأب يجالس أهله وبنيه وكيف كان يوجه إليهم عنايته التربوية ونصائحه العامة وهل كان يدارسهم ما يتلقونه في الكتاب من دروس قرآنية ومحفوظات علمية حسب مستواهم أم كان يلقى الحبل على الغارب، وقد عشنا نحن فترة تمت بصلة إلى هذا الإهمال المسف كما انه إذا قدر لك أن توجه سؤالا لأحد كتبة التاريخ ومن عنوا بضبط وقائعه-كيف كانت تعقد مجالس التسلية وأندية الفكاهة عبر التاريخ وكيف كان الشعب يتلقى هذا النوع الفولكلوري وكيف كان يجد أثره في نفسه.
بلا إذا عن لك أن تطلع على ازياء المتقدمين وما كان يرتديه كل من الرجل والمرأة وصغارهما والغالب في أصل المنسوج هل هو الصوف أو القطن أو الكتان وهل كان البعض يرتدي الحرير وكيف كان ارتداء الملبوس ومقياسه هل رداء وإزار أم كساء وبرنس وينضم إلى نفس السؤال صفة النعال المستعملة أظن انك لا تحظى بجواب مدقق عن هذه الأسئلة التي يستصغرها البعض ويزدريها البعض الأخر وهي ما هي في التعبير عن الحالة المجتمع وأذواقه المختلفة باختلاف مراحل وتعاقب الأمم وتباينها في العادات والتقاليد.
فالناظر بنظار الحقيقة حول ما كتب عن تاريخ المغرب يجد أن التاريخ في مجموعه لم يكتب حتى الآن مع تقديرنا لما أنجز فيه من مجلدات تعد في نظر الباحث الجديد كمصدر تساعد الباحثين على الرجوع إليها والاستقاء من نصوصها الموزعة هنا وهناك-كالالتحاف للمرحوم مولاي عبد الرحمن بن زيدان- والإعلام للمرحوم عباس بن ابراهيم المراكشي، ومعجم الشيوخ أو المدهش للمؤرخ عبد الحفيظ الفاسي وأسفي وماليه للمرحوم محمد العبدي الكانوني، وان كنا في نفس الوقت لا نغمط ما كتب عن تاريخنا بأقلام كشافة لها حظها الطيب من العناية بما يمت بسبب لما جد من بحوث في عالم التاريخ الحي وكتب على النهج الذي يصبو إليه الفكر الجديد ويرتاح له المطالع ككتاب «النبوغ المغربي» للأستاذ عبد الله كنون الذي يعد أول محاولة جديدة حرر على غرارها التاريخ المغربي، وكتاب «الفنون والآداب في العهد الموحدي» للأستاذ الباحث محمد المنوني المكناسي- وتقييده الأخير «مظاهر يقظة المغرب الحديث».
وكتابي «المعسول-وسوس العالمة» للأستاذ المرحوم الحاج محمد المختار السوسي. كتاب «تاريخ تطوان» للأستاذ محمد داود. وكتاب «مظاهر الحضارة» بجزأيه الأول والثاني للأستاذ عبد العزيز بنعبد الله مؤرخون يعتبرهم التاريخ المعاصر من المجددين ببحوثهم وجهودهم الطيبة مما يستحقون عليه كل تقدير.
وان كنا في نفس الوقت لا نقنع بهذه المجلدات فأملنا أوسع واكبر لما وراء ذلك من مجهودات.

                                                         

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here