islamaumaroc

مع الأستاذ عبد المجيد بن جلون: دفاعا عن التراث

  دعوة الحق

87 العدد

غمرني شعور بالغبطة لأحد له وأنا أتصفح العدد الماضي من هذه المجلة الحبيبة، واقرأ في غير قليلا من صفحاتها أكثر من مقال عن الحضارة المغربية ولم يكن باعث هذا الشعور أن الموضوع لم يطرق من قبل كما قد يتوهم، فما كتب فيه من أبحاث ومقالات يعتبر ذخيرة لها قيمتها، وإنما لأنه موضوع الإنسان المغربي في ماضيه وحاضره ومستقبله، بكل طاقاته وإمكانياته ومشاعره، لا يبعث على الملل مهما يبدو فيه من تكرار، ومهما تظهر على ملامحه من آثار البلى وتقادم الزمن والحق أن كل ما يقال فيه جديد علينا أو في حكم الجديد، لأننا جاهلون به أو في حكم الجاهلين، ما دمنا لا نتمثل تراثنا، ومال دمنا-حتى حين نفعل- لا نقيمه ولا نعيه ولا نومن به، وما دمنا بالتالي في حاجة ماسة إلى من يذكرنا به ويلح في التذكير، لا سيما وأننا ننسى أو نتناسى أن في العالم المجاور لنا والبعيد ألوانا أخرى من الثقافة والحضارة تزحف علينا بالصالح والفاسد من مظاهرها في غزو منظم، وان نسبة لا يستهان بها من مواطنينا تستسلم لهذا الغزو بل تتحمس له وترحب به وترى فيه السلم إلى درجات التقدم والرقي.
وإزاء هذا الشعور بالغبطة غمرني شعور ءاخر مناقض جعلني أحس بشيء من الأسف والأسى كان في جزء منه حافزا لي إلى هذه الكتابة فقد ساءني أمران : احدهما يتعلق بمقال الدكتور شكري فيصل عن «رسالة المغرب الحضارية-من يضطلع بها وكيف؟»، والثاني بمقال الأستاذ عبد المجيد بنجلون :«في الحضارة المغربية.
ساءني في الأول ما هو كامن خلفه من فحوى معبر عن حال الإهمال الذي صرنا إليه، واعني إهمالنا لأنفسنا وتراثنا وعدم إيماننا وتقديرنا للرسالة التيس يمكن أن نؤديها بهذا التراث-وبه وحده- لدرجة أصبحنا في وضع يرثى له الوافدون علينا، وتضطرهم خطورته إلى أن ينبهونا ويذكرونا ويهيبوا بنا لنأخذ مكاننا اللائق ونلعب دورنا الفعال ونؤدي الرسالة التي انيطت بنا على مر حقب التاريخ، واني إذ اشد على يد كاتب المقال في الحرارة وخجل معا، أشاركه الرأي بان تخصص هذه المجلة المومنة برسالتها عددا لهذا الموضوع الحيوي الخطير-وقد سبق لي أن تحدثت في ذلك مع الأستاذ رئيس التحرير- واترجو في إلحاح كبير أن ينهض المسؤولون-واقصد المسؤولين عن الثقافة- لتدارسه في إطاره التاريخي وفي جدية وصدق حتى نصل إلى إدراك ماهية هذه الرسالة ومقوماتها وإمكانياتها وأهدافها، وليس من شك في انه متى توفر لدينا التقدير للتراث والثقة بالنفس والإيمان بالرسالة، فإننا لا محالة واصلون ومؤدوها خير أداء.
وساءني في مقال الأستاذ عبد المجيد بنجلون ميله إلى التقليل من شان التراث، وإلى الدعوة-وان في غير صراحة- للأخذ من حضارة الغرب بأكبر قدر ممكن وبأكثر مما ينفعنا منها في تطوير هذا التراث. وليسمح لي الأستاذ أن استعمل هنا كلمة «تراث» فهي تعني مختلف الموروثات التي وصلتنا على مر العصور والأزمان، والتي لا تزال ماثلة في حياتنا متمثلة في العادات والتقاليد والفنون وما إليها من المأثورات والقيم التي لا زلنا نمارسها ونمدها بالحياة، بالإضافة إلى جانب أخر لا يهمنا في هذا الصدد، يضم الذخائر المعطلة في المتاحف والخزائن والتي لا تحيا إلا بقدر ما نبعث فيها من روح وسيلاحظ الأستاذ كذلك أني سأستعمل كلمة (ثقافة) بدلا من (حضارة) التي عبر بها في مقاله عن كل مظاهر النشاط الإنساني. فوقع في خلط بين ما هو حضاري وما هو ثقافي كما سنبين فيما بعد
بدا الكاتب حديثه بتقرير حقيقة لا جدال فيها هي إننا «نعيش في عصر تلتقي فيه حضارتان: حضارة مغربية صرف بتقاليدها الجميلة وعراقتها وفنونها وموسيقاها ورقصها وءادابها ومعمارها ونظرتها إلى الحياة مع الحضارة الغربية بوسائلها السريعة وتقاليدها وفنونها وموسيقاها ورقصها ومعمارها ونظرتها إلى الحياة هي أيضا» ثم وضع السؤال-وكان طبيعيا أن يضعه- «فكيف يجب أن تلتقي الحضارتان؟» ولم يترك القارئ ينتظر وأجاب على الفور:«هناك من يرى الارتماء في أحضان الحضارة الغربية بكل ما فيها من خير وشر لأنها أصبحت حضارة العصر وغيرها تخلف. وهناك من يرى ضرورة المحافظة على الحضارة المغربية بطابعها القديم مع الاكتفاء بالاستفادة من سائل الحضارة الغربية ما نفعنا ذلك، والرأيان معا مبالغ فيهما.
وواضح أن الكاتب في هذا الرد لم يكشف عن وجهة نظره حتى حين ألغى الرأيين باعتبار ما فيهما من مبالغة، وكأنه تركها للقارئ يستنتجها من الأمثلة المختلفة التي ساقها بقية المقال، ولا أريد أن أتعجل استنتاجها-ولعلي في غير حاجة إلى ذلك- وساترك القارئ بدوري يتتبع مناقشة الأمثلة، وبالتالي مناقشة وجهة نظره من خلالها.
يقول الكاتب في أول مثال له أن «طريقة تناول الطعام منسجمة مع اللباس، فإذا ارتدى المرء الزي الأوروبي بدا غريبا وغير مستريح وهو جالس على الحشية إلى المائدة الصغيرة ذات الأرجل القصيرة» ويعلل ذلك بان» الحضارة المغربية حضارة مترابطة ذات عقلية وذوق». وأود في الأول أن أشير إلى شيء قد يوافقني عليه، وهو أن الزي الذي كان ولا يزال يوصف بأنه أوربي لم يعد كذلك، وإنما أصبح زيا عالميا يرتديه الناس في جميع أنحاء العالم. ولعل أحدا لا يستطيع أن يميز بين الإنسان الأوروبي وغيره من مجرد اللباس ولا أريد أن أنكر أن هذا الزي غريب علينا، ولكنه على غرابته واضح النفع سهل القبول سريع الانتشار شانه في هذا شان كل المظاهر الحضارية، واعني المظاهر المادية التي لا تلبث أن تظهر في بلد حتى يعم استعمالها مختلف البلدان، وليست السيارة والراديو والتلفزيون والترنزستور غير أمثلة حية على ذلك.
ولو كان لهذا الحقيقة أن تنطبق على طريقة تناول الطعام، لامكن انتشار استعمال الكراسي والمائدة الكبيرة ذات الأرجل الطويلة، ولكن هذه الطريقة حين تقاس بالطريقة الوطنية تبدو غير عملية وباهظة التكاليف، فهي تحتاج على غرفة خاصة لا يمكن استعمالها لغير الأكل، وإلى كراسي بعدد الآكلين، وإلى أواني مختلفة ومتنوعة بعدد الأكلات وعدد الآكلين، في حين أن الطريقة الوطنية لا تتطلب غير مائدة واءانية كبيرة أو أكثر من ءانية أن تعددت الأكلات أما المكان فقد يكون خاصا بالأكل لمن تسير له ذلك، وإلا فهو غرفة من الغرف تصلح للأكل كما تصلح للنوم أو الجلوس، وحتى الحشية فهي غير ضرورية حيث يجلس الآكلون أحيانا على الأرض كما لا يخفى.
وإذن فليس في إمكان الفرد العادي-ماديا- أن يبدل هذه بتلك، ولو كان في إمكانه لما انتظر من أي واحد أن يرشده إليها، فمثل هذه المظاهر تتسرب إلى المجتمع فيمتصها ويتكيف معها تلقائيا وفي غير جهد ومن غير أن يدعوه إليها احد هذا من جهة، ومن جهة أخرى فلست أرى في الطريقة الوطنية ما يشد عن الذوق أو يبعث على التعب أو يدعو إلى الغرابة، بل أراها على العكس من ذلك مريحة لا تخلو من رونق وجمال قد لا يحسهما كل الناس، ولكن لا بد أن يحسها من جرب الطريقتين ومع ذلك فلا مانع من أن ندخل بعض التحسينات على طريقتنا نستمدها من الطريقة الأخرى، على أن لا نمس جوهرها أو نفقدها طابعها الوطني.
وكما أحس الكاتب بالغرابة وعدم الراحة في تناول الطعام على الطريقة الوطنية، فكذلك أحس عند استماعه إلى الموسيقى الأندلسية بالألم والجنون والرتابة فقد ذكر انه دعي مرة إلى حفلة أقامها صديق له يقيم في بيت حديث، فلم تكد تنطلق فرقة الموسيقى الأندلسية حتى شعر «بانزعاج مؤلم»، فهو يقول :«ولا ادري كيف كان شعور الجيران، أما شعوري الخاص فقد ضفت درعا بكل شيء بل خيل إلي في بعض الأحيان أن الجدران ليست فقط مهددة بان تميل إلى السقوط بل خيل إلي أيضا أن الجد أن والأبواب والنوافذ مهددة بالانفجار لان حشد كل هذا الصخب في شقة صغيرة أمر يدعو إلى الجنون «وتطرق من ذلك إلى إننا نعيش في عصر السرعة وإلى انه «كن في استطاعة المغاربة في الماضي أن يختلفوا راجلين إلى هذه الحفلة أو تلك ويقضوا فيها الساعات الطويلة وهم يتبادلون الأحاديث المختلفة والموسيقى الأندلسية ماضية في أنغامها خلال معظم الساعات، وكان قدماء المغاربة لا ينعتون في أحاديثهم إلى هذه الموسيقى وإنما يستأنسون بها في أحاديثهم ولذلك لم يكونوا يملون رتابتها ولا طولها أما اليوم فان طابع السرعة قد افقد هذه الموسيقى جمالها فباتت في حاجة بذلك إلى إعادة النظر فيها».
ولسيت أنكر على الكاتب شعوره في ذلك الجو بالانزعاج والضيق، ولعله كان شعور كل الحاضرين، لا سيما من كان منهم مثله مرهف الحس رقيق الشعور، وإنما أنكر عليه أن يربط بين إحساسه بالألم وبين الموسيقى الأندلسية، فيعزوه إلى ما فيها من صخب فقد يكون الصخب طابع هذه الموسيقى كما قد يكون طابع أي لون من ألوان الموسيقى في العالم، ولكن من غير أن يعتبر عيبا، وما أظن الكاتب ينكر أن الصخب-والصخب القوي الحاد- من أهم خصائص الموسيقى الغربية الحديثة وإذن فليس العيب في الموسيقى وإنما العيب في عدم انسجام الإطار معها، ولو أحضرت فرقة موسيقية من احدث الفرق الموسيقية إلى دار كتلك التي حضر الكاتب فيها الحفل، وعزفت احدث المقطوعات لشعر بنفيس الإحساس، ولا يخفى أن مثل هذه الحفلات الصاخبة حين تقام في البلاد التي لها نصيب من الرقي والذوق يستأذن الجيران في إقامتها وتخبر سلطات المنطقة بذلك، ومن حق الجيران إذا ما فوجؤوا بحفلة من هذا النوع أن يستغيثوا بالشرطة ويستنجدوا بها، ولا أخال القوانين المدينة في مختلف أنحاء العالم إلا ناصة على ذلك.
أما كون العصر عصر سرعة من جهة، وكون الموسيقى الأندلسية طويلة من جهة أخرى، فشيئان متباينان لا أرى بينهما أي تعارض والسبب أن الموسيقى ألوان مختلفة باختلاف الأهواء والأمزجة والأوقات، فيها الخفيف والدسم، وفيها المخزن والمبهج، وفيها القصير والطويل، وما إلى هذه من الألوان التي لا عد لها ولا حصر والموسيقى الأندلسية دسمة كبيرة ما في ذلك شك، ومن طبيعة الأشياء الدسمة الكبيرة أن تبدو طويلة ورتيبة ومملة لمن لا يتذوقها، شانها في هذا شان الموسيقى الكلاسيكية الغربية، لا يتقبلها أي جمهور ولا يستسيغها كل الناس.
ويبدو لي أن التغلب على الطول في هذه الموسيقى ليس بالأمر الصعب، خاصة وان القطعة الواحدة تتكون من أجزاء قصيرة يمكن عزفها منفردة، فهي تشمل على المثالية وتعتبر مقدمة، ثم على التواشي وهي مجموعة  قطع بدون كلمات، يأتي بعدها الميزان مقسما إلى عدة صنائع لكل منها اسم خاص. وقد سمعت أكثر من واحد يعزو الملل في الموسيقى الأندلسية إلى عدم وضوح الكلمات، قد يكون في هذا التعليل بعض الصحة، ولكن الحقيقة التي ربما يجهلها الكثيرون هي أن الكلمات في هذه الموسيقى ثانوية لم يلجا إليها إلا لتداول اللحن وحفظه من الضياع فالموسيقى هي الأساس وليس الكلام، بدليل ضياع كثير منن التواشي، وبدليل أنها تسمى الموسيقى كما تسمى الدالة، وهذا بخلاف الطرب الملحون الذي تعتبر الكلمات أساسه.
ولو كانت للأقدمين طريقة لتدوين الموسيقى لما لجاوا إلى الشعر يحفظونها في كلماته، بل أن العلماء الموسيقيين لم يتوصلوا حتى اليوم إلى طريقة كتابة هذه الموسيقى والموسيقى الشرقية عامة، من غير أن يفقدوها جمالها وطابعها، فدرجاتها وهي غير محددة تختلف عن درجات الموسيقى الغربية، مما يجعل تدوينها بالطريقة الغربية المألوفة يفقدها كثيرا من سمتها ولا اعني بهذا أن لا تطور موسيقانا، فالتطوير واجب وضروري في كل مظهر علماء موسيقيين تكون لهم خبرة واسعة بالتراث، واليوم يهيئ المغرب مثل هؤلاء الفنانين الخبراء، يومئذ ستتطور هذه الموسيقى وترتاح لهذا التطوير، أما ونحن لم نكون الرجال بعد، فكل محاولة للتجديد سيكون معناها المسخ  والتشويق وسيكون مالها الفشل لا ريب. وقد سبق للمغاربة أن جددوا في هذه الموسيقى حين أضافوا إلى الميازين الأندلسية المعروفة (البسيط-القايم ونصف-البطايحي-القدام) ميزان الدرج، وحين أضافوا إلى النوبات المعروفة نوبة الاستهلال التي وضعها الحاج علال البطلة، وكان معاصرا للدولتين المرينية والسعدية
وانتقل الكاتب من الموسيقى إلى الحديث عن طابع الحضارة عامة، فرأى انه طابع راحة بالنسبة للحواس الخمس والجسم كله، يدعو إلى الاستمتاع بالحياة وإشارة إلى أن المغاربة «لا يعرفونه بالأمس حتى في دور أعمالهم ودكاكينهم ومكاتبهم» وإنما هم يقضون يومهم مستلقين متكئين، واستدل على هذه الظاهرة بحكمة سائح انجليزي زار المغرب في القرن الماضي لاحظ على تاجر انه يبيع من غير أن يتحرك من مكانه واستخلص من هذه الحكاية أن «الميل إلى الراحة شنشنة مغربية قديمة ما يزال أسلوب هذه الحضارة يعبر عنها إلى الآن، ولكن التقاء الحضارة الغربية بالحضارة في بلادنا سلبته وسوف تزيد في سلب كثير من أسباب هذه الراحة».
أما أن المغاربة لا يعرفون الجلوس في منازلهم، فمن المعروف أن المنازل جعلت للراحة من عناء العمل اليومي، لا سيما وان اغلب الأعمال التي كان يزاولها المغاربة حتى عهد قريب أعمال يدوية مضنية، فهم في البوادي زراع، وفي المدن تجار أو صناع، بل كان من سكان المدن من يعمل في البساتين المجاورة، ولم تكن الإدارة المغربية متسعة ومتعبة كما هي عليه الآن، ولم تكن الوظيفة المكتبية بما يطبعها من خمول جسمي وفكري تسلب أهواء الناس وتستنفد طاقتهم وتقتل مواهبهم كما هو الحال اليوم، فقد كان مجال العمل في «المخزن» محدودا، وكذلك كان عدد الموظفين، ثم أن الإنسان في كل المجتمعات يسعى إلى أن وفر في بيته اكبر قدر ممكن من الراحة، ولعله من حسن حظ المغاربة أن تكون بيوتهم كذلك، وليس من شك في أن دافع الكاتب إلى هذه الملاحظة هو نوع الفرش الذي يفرش به المغاربة بيوتهم، والحقيقة انه ليس أكثر راحة من «المتكات» التي يؤثث بها الغربيون .
وأما ما لحظه السائح الأوروبي، فقد يكون صحيحا ولكنه لا يصلح ولا يكفي للدلالة على أن طبيعة المغاربة ميالة إلى الخمول والراحة، ولو حاول احد أن يجري إحصاء لحصر مثل هذا النوع من التجار لما ظفر بنسبة تذكر، ولعله يكفي أن يقوم بجولة قصيرة في إحدى الأسواق ليتبين له أن من طبيعه التاجر المغربي أن يقف في مكانه طالما أن حركة البيع قائمة، ولست أرى ميزة في أن تسلب الحضارة المغربية أسباب الراحة كما يرى الكاتب، وعندي أن البيوت المغربية في حاجة إلى أن تكون مريحة أكثر مما هي عليه وفي حاجة إلى أن تتوفر فيها وسائل تقنع أصحابها-بدلا من الخروج إلى الأزقة والمقاهي- أن يجلسوا فيها للقراءة وتربية الأبناء والاستماع إلى الراديو ومشاهدة التلفزيون وما إلى ذلك مما قد ينصع الأسرة والبيت. وهذا مما يدل على أن المغاربة قل أن يستقروا في بيوتهم، فالبيت عند اغلبهم مكان للأكل والشرب والنوم بل أن بعض أصحاب الدكاكين-كما لا زلنا نرى اليوم- لا ينصرفون إلى بيوتهم إلا للنوم، ومثل هذا كثير وشائع في البوادي حيث يقضي الفلاحون معظم يومهم في الحقول، والواقع إننا إذا كنا في حاجة إلى شيء فليس إلى سبل وسائل الراحة، وإنما إلى سلب وسائل الميع والانحلال التي أخذت تتفنى في مختلف الأوساط وبشكل يدعو للدهشة والذهول.
ويبدو الكاتب بعد هذا في حيرة من أمره فيقول :«وإذا لم يعد في استطاعتنا أن نظل سجناء الحضارة المغربية بعد أن تأثرت بوسائل الحضارة الغربية وإذا لم يكن في استطاعتنا أن نتخلص من حضارتنا لأنها جزء لا يتجزأ منها ولها تأثير على عقليتنا لا جدال فيه، فلماذا يجب أن نعمل؟» وواضح انه هنا يفترض أشياء إلا تستند على منطق أو واقع،ـ فإذا كنا لا نستطيع حقا أن تتخلص من حضاراتنا فإننا نستطيع-وهذا ما يصبو إليه في تطوير حضارتنا- أن نعيش في ظلها متأثرة بما ينفعها من وسائل الحضارة الغربية، دون أن نعتبر نفسنا سجناء أو مقدين وما أخال الكاتب بهذا الكلام إلا مؤكدا ما سبق أن ذكره في أول المقال حين اعتبر الرأي القائل بضرورة «المحافظة على الحضارة المغربية بطابعها القديم مع الاكتفاء بالاستفادة من وسائل الحضارة الغربية ما نفعنا ذلك» رأيا مبالغا فيه. 
وإذا كان الكاتب لم يكشف عن وجهة نظره في كيفية التقاء الحضارتين، فهو في ردة على السؤال الذي وضع ليخرج من حيرته يبين عنها حيث يقول :«انه أجزاء من هذه الحضارة مهددة بالزوال فكثير من أصناف الأكل لا يمكن أن تبقى وخصوصا تلك الأصناف التي يتطلب تجهيزها وقتا طويلا لان المرأة المغربية الحديثة شقت طريقها إلى العمل إلى جانب الرجل ولم يعد لها مجال لقضاء الساعات الطويلة في المطبخ، والطباخات والخدمات سائرات إلى الزوال بسبب انتشار التعليم وستحل الأصناف التي لا تتطلب وقتا طويلا محل هذه الأصناف المغربية الشهية» ويقول بعد ذلك :«أن طبيعة الأشياء تأبى علينا أن لا نساير الزمن والأوضاع الجديدة وإلا فان الزمن سوف يجزف كثيرا من مظاهر هذه الحضارة أن لم يجرفها جميعا»
والحقيقة انه إذا كانت أجزاء من حضارتنا مهددة بالزوال، فليس لأنها غير صالحة أو غير قابلة للتطوير، وإنما لأننا لا نريد لها أن تبقى ولا تسعى إلى أن نحتفظ بها ولا نعمل على تغييرها وتجديدها لتلائم العصر ومن الخطأ الفادح أن يجزم احد بان أصنافا من الأكل لا يمكن اغن تبقى لمجرد ما ذكر من أسباب، فإذا كانت المرأة العاملة لا يتسع وقتها لبعض أنواع الطبخ، فهناك سيدات لا يشتغلن، وهناك الطباخات والطباخون المحترفون، والأسف شديد أن يرى لعض مفكرينا بمثل هذا المنظار القاتم اليائس في الوقت الذي علينا أن ندعو إلى تأسيس مدارس للطبخ تقتن طرقه وتطور ألوانه وتجدد في أنواعه، وفي الوقت الذي علينا أن ننشر أصناف هذا الطبخ في مطاعمنا-لا سيما والكاتب يعترف بأنها شهية- ونقدمها في حفلاتنا-سواء في الداخل والخارج- وفي الوقت الذي علينا أن نحاول إنشاء مطاعم مغربية في مختلف أنحاء العالم على غرار المطاعم الصينية والايطالية المنتشرة في كل البلاد.
ويرى الكاتب بعد هذا أن الفن المعماري قد استطاع أن ينجو من الموت «فأصبحنا نرى دورا حديثة على الطراز المغربي الرائع، وبذلك حقق هذا الفن اللحاق بالزمن» ثم ينتقل من هذا المظهر المادي إلى مظهر اءخر غير مادي فيقول :«وهذا ما يجب إن يحدث في سائر مظاهر هذه الحضارة، وخصوصا فيما يتعلق بفن الرقص والغناء... فليس من المعقول أن تطرب إلى الأبد بأغاني رددها أجدادنا وان يطرب أحفادنا إلى الأبد بنفس هذه الأغاني».
ولود هنا أن افرق بين نوعين من مظاهر النشاط الإنساني، احدهما مادي هو ما يسمي بالحضارة، والأخر لا مادي أو ما يسمى بالثقافة وقد تشمل الثقافة كلا النوعين باعتبارها تمثل المعرفة الإنسانية بما فيها من علوم وفنون وءاداب وصناعات وقوانين وأخلاق وقيم وعادات وتقاليد ومعتقدات، وكل التجارب التي يكتسبها الإنسان في الحياة، ويطلق على النوع الأول في هذا الحال ثقافة مادية، وعلى الثاني ثقافة غير مادية ومهما ريكن، فلن الجانب اللامادي في التراث الإنساني-ومنه الرقص والغناء- يدخل في نطاق الثقافة ومن المعروف كما سبق أن ذكرت في بداية هذا الحديث وكما قرر علماء الاجتماع والمغنون بالتراث الإنساني أن التغيير يكون سريعا في الحضارة بطيئا في الثقافة، والسبب أن نجد صعوبة في الحكم على الظواهر الثقافية والاقتناع بتغييرها أو تخلي عنها لأنها تداخل حياتنا ولأنها نتاج تفاعل أجيال وأجيال، في حين لا نجد صعوبة في الحكم على الظواهر الحضارية وإدراك فائدتها، مما يترتب عليه سرعة انتشارها في مختلف الأوساط فمن الممكن مثلا أن ينتقل الإنسان من مسكن قديم إلى أخر جديد أو أن يستبدل ركوب الفرس بالسيارة ولكن من الصعب عليه أن يغير فنا من فنونه الوطنية أو يتخلى عنه مهما كان مستوى هذا الفن يقول أو جبرن Ogburn أستاذ هلم الاجتماع الأمريكي:«إن الحضارة في أي مجتمع تتغير بسرعة فائقة ي حين تظل ثقافة هذا المجتمع بدون تغير أو بتغير قليل، ويرى غيره من علماء الاجتماع أن من خصائص العادات أنها تميل إلى البقاء كوحدات أساسية في سلوك المجتمع وطبيعي أن يثير مثل هذا الواقع في المجتمع قلائل واضطرابات، وطبيعي كذلك أن يخلق نوعا من التفكك والانهيار يفقد المجتمع توازنه، وهو ما يصطلح عليه علماء الاجتماع بالتخلف الثقافي، يصيب المجتمعات التي تتغير بسرعة كما هو حال المغرب وغيره من الدول النامية.
وليس معنى هذا أن نستسلم للواقع الاجتماعي ونقبل فنوننا كما هي، فمثل هذه الحقيقة لا تحول ولا يمكن أن تحول دون تطوير تراثنا الفني وتهذيبه وهنا أجدني متفقا مع الكاتب حين يقول : وكأني به قد أحس انه اندفع في الأول فخفف من حدة كلامه بعض الشيء :«ويقال في الرقص التقليدي أيضا ما يقال في الغناء إذ يجب تهذيبه وترقيته حتى يصبح في مستوى المسرح واستخدام ءالات موسيقية حديثة يتابعها  الراقصون والراقصات» فالتهذيب ضروري، وهو يحتاج إلى دراسات يقوم بها خبراء متخصصون عارفون بالتراث، والتهذيب لا ينبغي أن يمس الرقص فقط وان مختلف مظاهر الحضارة والثقافة ولكن دون أن يسلبها طابعها الوطني، نحن نريد أن نجعل فنوننا الشعبية تستفيد من وسائل المسرح الحديثة مع ما يقتضيه من فنية وثقافة، ولكن من غير أن يفقدها عرافتها وأصالتها، كإعادة تصميم الرقصات مع الاحتفاظ لها بتلقائيتها، إذ الرقص الشعبي ككل فن تلقائي إلا يخضع لقواعد وقوانين ومثله الموسيقى الشعبية فهي بسيطة في تلحينها وأدائها وءالاتها بخلاف الموسيقى المثقفة، فهي معقدة تخضع في ذلك لقواعد علمية وليس من شك في أن الفنون الشعبية إذا ما قدمت كما هي محتفظة بتلقائيتها كانت أكثر تعبيرا عن سلوك الشعب ونفسيته وتقاليده، وليس من شك كذلك في أن إعادة التصميم يفقد الفنون غير قليل من هذا التغير، وهو في نفس الوقت يفقدها بعض الرقابة وينقلها من طور البساطة والسذاجة إلى طور اقرب إلى التقنية والعلم والواقع أن بعض البلاد التي تعني بالفنون الشعبية ترى أن تحتفظ لهذه الفنون بطابعها التقليدي وتقدمها على المسرح كما هي، وتلاقي بذلك نجاحا عظيما، في حين أن بلادا أخرى تطور هذه الفنون وتخضعها للأساليب الحديثة، وهي بدورها تلاقي مثل هذا النجاح.
ومهما يكن فنحن في حاجة ملحة على أن نرسل بعثات لتكوين خبراء في الفنون الشعبية وان ننشئ معاهد تدرس فيها هذه الفنون سواء منها الرقص أو الغناء أو الموسيقى أو الآلات، ليس فقط لحصر مختلف هذه الألوان أو تنظيمها وصيانتها في المتاحف والخزائن، وإنما لنشرها على أوسع نطاق ودراستها في أبحاث علمية تستهدف تحديد خصائصها وتوضيح ملامح الشخصية المغربية من خلالها، وبالتالي تطوير الصالح منها واستحياء إضافات تساعدننا على خلق ألوان جديدة من الأدب والفن وقد يبدو جانب الآلات في هذا الموضوع دون أية فائدة في حين انه لا يقل أهمية عن غيره، لان معرفة الإله وخصائصها وطاقاتها ومدى اتصالها بالحركة وقدرتها على التغيير يفسح المجال للتوسع في استعمالها وجعلها قادرة على أداء اكبر واشمل وأكثر تعبيرا وقد شاهدت كثيرا من الفرق الشعبية العالمية الناجحة كفرق العين وبعض بلاد أوربا الشرقية و مثلا فوجدتها لا تستخدم الآلات الحديثة إلا في النادر وقد تستغني عنها، والسبب أنها درست ءالاتها وطورتها، ولكن من غير أن تفقدها خصائصها المميزة.
ويختم الكاتب حديثه فيقول :«وقد غرست فينا العقلية السياحية تقديسا لكلمة (تقليدي) ونحن لا نقلل من أهمية السياحة وإذا كانت الفنون التقليدية تجلب السواح فان الإبداع يجلبهم أيضا ذلك أن ملايين السواح الذين يزورون باريز أو روما أو مدريد لا ينصرف اهتمامهم فقط إلى المتاحف والآثار كما لا احتاج أن أقول» ثم يستفهم في إنكار:«بأي مبرر يكون اهتمامنا بالقدم أكثر من اهتمامنا بالتطور والاستمرار؟»
وأورد هنا أن الفت نظر الكاتب-وهو يتحدث كان التقاليد لا تصلح إلا للساحة- إلى أن العقلية السياحية لم تغرس فينا أي شيء، وأننا نقدس تقاليدنا ويجب أن نقدسها بغض النظر عن أهمية السياحة أو عدم أهميتها، وأود كذلك أن اذكره بما سبق أن نشرت في صفحات هذه المجلة (1)مبينا عوامل الاهتمام بالتراث الشعبي وأزدها دراسته في هذه النطاق :
أولا : الاتجاه الديمقراطي الذي رفع من شان الشعب وقيمه ولغته وعاداته، وجعله شيئا فشيئا يأخذ مكانة الأسياد والنبلاء الذين كانوا يسخرونه في احتقار وعنف مقابل الفتات والفضلات
ثانيا : الخوف على مظاهر حياة الشعب التقليدية من الزوال والرغبة في المحافظة عليها بعد أن أخذت تضيع نتيجة لهذا التطور الجدري في حياته، خاصة بعد أن ألف ممارسة أساليب العيش الجديدة.
ثالثا : الكفاح من اجل التحرير والاستقلال وما نشا عنه من ثورات كانت حافزا للشعوب أن تلتفت نحو ذاتيتها وشخصيتها وان تحتفظ في حماس على مظاهر حضارتها ومقومات ثقافتها مهما كانت بسيطة أو بدائية.
رابعا : توسع الاستعمار واتصاله بالشعوب وتراثها وعاداتها وتقاليدها ومحاولته بالبحث والدراسة والترجمة أن يكشف النقاب عن خصائصها للتوصل بها إلى بسط نفوذه وتحقيق سيطرته.
خامسا : الرغبة الإبداع الفني واستنفاد الطاقات القديمة وما نتج عنها من تحول نظر الأدباء والموسيقيين وغيرهم من رجال الفن إلى حياة الشعب وآثاره عسى أن يجدوا فيها ما يستوحون منه مادة إنتاجهم.
أما قول الكاتب بان الإبداع يجلب السواح، فحقيقة لا مجال لإنكارها، ولكن ليس أي إبداع وإنما الإبداع الذي يفيد من القديم ويعيد خلقه في إطار جديد من غير أن يفقده أصالته وعراقته وأما أن السواح لا ينصرفون فقط إلى المتاحف والآثار، فحقيقة ثانية لا مجال لإنكارها كذلك، ولكنا حين نقدم لهم فنوننا الشعبية-حتى وهي في إطارها البالي القديم- لا نعتبر نفسنا صرفناهم إلى مجال المتاحف والآثار، لان هذه الفنون لم تمت بعد حتى تدخل هذا المجال.
وعلى الرغم من ذلك، وعلى الرغم من إهمالنا للفن الشعبي وتراثنا عامة، يوجد من بين مفكرينا من يتهمنا-إذا صح التعبير- بأننا نهتم بالقديم أكثر من اهتمامنا بالتطور والاستمرار في الوقت الذي يوجد في أكثر البلاد تقدما من يدعو إلى العودة للماضي سعيا إلى رفع مستوى الثقافة والسلوك ففي تقرير للجنة القومية للإنسانيات في الولايات المتحدة الأمريكية ورد بان دراسة ما تحقق في الماضي من أعمال مجيدة ستساعد مساعدة فعالة على رفع هذا المستوى وقد جاء فيه انه» حتى الفرد الموهوب سواء أكان شاعرا أو عالم طبيعة لن يساهم إسهامنا حقيقيا له قيمته في عصره إلا إذا التهب خياله بأعمال من سبقوه ولذا تقع على علماء الإنسانيات مسؤولية نقل تراث الماضي إلى هؤلاء الأفراد، إننا في حاجة ماسة الآن إلى خلق مستوى أعلى من الثقافة القومية تعكس أرقى مستويات أعمال الإنسان وءاماله على مر العصور، لقد تخيلنا عن تراث أجدادنا وتحكم فينا العلم وكان يجب أن يحدث عكس ذلك (2).
ومع ذلك، فليتنا كنا كما اتهمنا الكاتب، إذن لاستطعنا أن نحفظ تراثنا ونصوصه ونحييه إيمانا منا انه خلاصة حضارة ونتاج ثقافة أجيال، وانه قوة دافعة وحافز لنا أن نستوحي منه إضافات جديدة ولاستطعنا بالتالي أن نفهم تاريخنا ونقوم حضارتنا ونحفظ كياننا ونحدد الصلة بين حاضرنا وماضينا، ولعرفنا بعد هذا كله الرسالة التي أداها بلدنا على مر حقب التاريخ ولانطلقنا نؤديها عن ثقة وليمان.
وليس هذا بالغريب، فالإنسان بغريزته مدفوع إلى المحافظة على كيانه، والإنسان بغريزته كذلك لا يأخذ من الناس ما عنده ولا يعطيهم ما عندهم وإنما يأخذ مما عندهم ويعطيهم مما عنده، ونحن امة لها تاريخ وتراث، يجب أن نعطي الآخرين ونعطيهم الكثير، ولن يتأتى لنا ذلك ما لم نقتبس من تراثنا ما ينفعنا في حاضرنا ومستقبلنا، وما لم نناقش هذا التراث لنصفيه من النوائب والخرفات ونزيل عنه ءاثار المسخ والتزييف، وما لم نضف إليه ما نهضم ونراه نافعا من حضارة الآخرين وثقافتهم، على أن تطور ما نقتبس ونكيفه مع أوضاعنا وحاجاتنا، حفا إننا لا نريد أن نعيش في عزلة ولكننا لا نريد بحجة ذلك أن تتسرب إلينا أشياء من شانها أن تقضي علينا لنصبح مجرد صلى وأداة في يد الغير أو في يد العصر وطبيعته التي خلقت لنا هذه الأشياء.
أقول هذا لأننا نمر بفترة دقيقة من تاريخنا يجب أن نكون فيها حذرين متيقظين ليس فقط لئلا تطمس معالم شخصيتنا وملامح قوميتنا، وإنما لنكون جيلا متجانسا في تفكيره عارفا بتراثه لا اثر فيه للفروق الثقافية التي نعاني منها كما نعاني من ءاثار كثيرة خلفتها لنا مدرسة الاستعمار، والتي هي أساس ما نحمه من شعور بالقلق والاضطراب.

(1) انظر الحلقة الأولى من بحث الفولكلور العدد 2 السنة 6 نوفمبر 1962.
(2) مجلة الثقافة الأمريكية، العدد2، المجلد2، صيف 1965.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here