islamaumaroc

القضية الفلسطينية من خلال موقف اليسار الدولي

  دعوة الحق

87 العدد

المواقف السياسية والفكرية من الأحداث العالمية وأهميتها في توجيه هذه الأحداث بين الأمس واليوم-المواقف المتخذة حول فلسطين وما تفرضه من اختيارات فكرية وأخلاقية حاسمة- استطلاع مواقف اليسار الدولي حول القضية من قبل والتعليلات التي يمكن الإدلاء بها في هذا الشأن-المواقف المتخذة اليوم من قبل الجهات اليسارية الدولية وما يفرضه ذلك من أسئلة هامة- ماذا تعنيه مواقف الاشتراكيين وماذا تعنيه مواقف الشيوعيين سواء داخل إسرائيل أو خارجها- الاعتبارات المذهبية التي لابد أن تفرض نفسها حول ذلك.

كان من نتيجة اتساع الصلة بين الشعوب العالم بعضها ببعض، وخاصة بعد الحرب العالمية الأخيرة مع ما تفتح عن ذلك من ءافاق فكرية وسياسية، وما توفق من صلات مادية وإنسانية، كان من نتيجة ذلك كله أن مختلف المشاكل العالمية العارضة سواء في نطاق سياسي أو ثقافي أو اقتصادي أو غيره قد أصبحت-أكثر من أي وقت مضى- تثير ردود فعل تتبلور في موقف لفظية أو عملية وتتخذها هذه الدولة أو تلك، أو هيئة أو أخرى، أو حتى أفراد بارزون فيعبر هؤلاء جميعا أو بعضهم عن رأي الذي يلتزمون به في النازلة الموجودة، ولو كانت لا تهتم مباشرة، ثم يتمسك هذا الجانب أو الأخر بوجهة الرأي الذي يأخذ به طبقا لما  التزمه من موقف بهذا الصدد، وقد يسير البعض بعيدا في سبيل الالتزام بالموقف الذي يتخذونه إزاء قضية ما ولو أجنبية عنهم، فيوازونها موازرة مباشرة، ويبذلون في سبيل إنجاحها جهودا وإمكانيات، لذا كانوا لها من المناصرين أو يترصدون لها بالعرقلة والمعاركة إذا كانوا يضادونها لسبب من الأسباب التي تبدو لهم وجيهة ومعقولة وتتكتل-على هذا الأساس في كثير من الأحيان- مجموعة ما من الدول التي تتفق في الرأي والاتجاه حول قضية من القضايا المبدئية أو العلمية وذلك لتتمكن من تنسيق سياستها المعادلة والموالية لمثل هذه القضية، والعمل بهذا الشأن طبقا لما يقتضيه الموقف المشترك، وإذا كان الأمر هكذا بالنسبة للدول فهو أيضا بالنسبة للهيئات وحتى الأفراد التي تربط بينهم جملة من المبادئ المشتركة أو توحد موقفهم ظروف فكرية أو غيرها ولو كانوا متباعدين عن بعضهم البعض في شتى إنحاء العالم (الشيوعية مثلا).
وليست الاعتبارات المبدئية هي فقط التي تفرض مثل هذه الأحوال منن اتخاذ موقف تجاه المسالة العارضة ثم البحث عن شركاء يمكنهم اتخاذ نفس الموقف والتضامن معهم في هذا الأمر، فالمصالح السياسية وغيرها لها أيضا دخل كبير في مثل هذه الحالات، فالذين يتخذون موقفا في مسالة من المسائل يبدو أنها لا تمسهم مباشرة من حيث الظاهر-فإنما هم ينجمون- رغم ذلك- مع مصالحهم، في كثير من الأحيان وان كانت صلتهم بهذه المصالح لا تبدو بالصورة الكافية، ذلك أن التشابك بين المصالح الدولية المختلفة، قد أصبح من الدقة والتكاثر بدرجة كبيرة، فكم من حالة سياسية أو اقتصادية أو عسكرية تقع في طرف ما من أنحاء العالم ولكن عددا من الدول أو إلهيات أو الأفراد يحسون بان صلة ما ولو غير مباشرة تربطهم بتطورات هذا الحادث  أو مضاعفات فهم يتوقعون من تطوره شرورا أو يرجون مصالح، وهم أما يرون فيه سابقة حسنة تفتح أمامهم ءافاق أو يعتبرونه بادرة سيئة، قد تصبح لها مضاعفات تمسهم من قريب أو بعيد وعلى أساس هذه الاعتبارات وغيرها تجد هؤلاء أو أولئك يحددون مواقف معينة تجاه هذه المسالة مضادة أو موالية، وتكتسي هذه المواقف طابعا مبدئيا بارزا، ولكن وراء الاعتبارات المبدئية-كما تقدم- الاعتبارات الآتية الأخرى من كل نوع، وهكذا فقد أصبح شيئا مطوفا في مجال السياسة الدولية أن تتخذ الدول والهيئات السياسية والثقافية والدينية وغيرها-كما تقدم- موقفا ما إزاء قضية معينة من القضايا العالمية المختلفة فواء بالنسبة للصراع الدائر في الفيتنام، أو في موضوع الكونغو أو حول مشاكل التفرقة العنصرية في العالم، أو بسبب إحداث الدومينيك أو نتيجة الاضطهاد الديني أو التوسع العدواني في ناحية ما من نواحي المعمور، لا بد أن يثير ذلك ردود فعل على مستوى الحكومات أو الهيئات أو الأفراد، يتراوح بين التحبيذ والمنابذة، والتوسط بين ذلك، ولا يفهم من هذا بالطبع أن هذه الظاهرة هي حديثة جدا ينفرد  بها عالم ما بعد الحرب، فقد كانت الأحداث دائما تخلق ردود فعل تتبلور في مواقف معينة، يتخذها هؤلاء أو أولئك في مختلف أطراف العالم، وقد كان الشأن هكذا قبل نشوب الحرب العالمية الأخيرة وما قبل ذلك بكثير لكن الفرق الموجود بهذا الصدد بين الماضي والحاضر، أن المواقف التي كان يتبناها الرأي العام العالمي غير الرسمي لم تكن بوابه لها في كثير من الحالات-حتى نشوب الحرب العالمية الأخيرة، وبالتالي فان وجودها لم يكن يحدث كبير تأثير على تطورات السياسة الدولية، لان هذه السياسة كانت الدول الكبرى تنفرد تقريبا بتخطيطها، وتنفيذها دون اكثرات بالعوامل الأخرى القائمة في العالم، وإذا قارن المرء بين ردود الفعل العالمية-قبل الحرب- على اثر غزو الحبشة مثلا من جانب ايطاليا الفاشية أو الهجوم الفرنسي على سوريا عقب الحرب العالمية الأولى وتصفية الدولة العربية الأولى في تلك البلاد، أو هجوم اليابان على مناطق الصين (أوائل الثلاثينات) أو غير ذلك-إذا قارن المرء بين تأثير ردود الفعل العالمية على هذه الأحداث حينذاك، وبين التأثير القوي الحاسم الذي أحدثه موقف الرأي العام العالمي-بعد الحرب- نتيجة الهجوم على مصر مثلا (سنة 1956) أو مقتل رئيس الحكومة الكونغولية (سنة 1961) أو شبه  هذه الحوادث، فانه مدرك لا محالة عظم الفارق الموجود بين الحالتين، وهذا الفارق هو الذي يعكس مقدار التطور الذي حصل في هذا المقام، حيث أصبح من المألوف أن تتخذ الحكومات والهيئات مواقف معينة من جملة الحوادث والأوضاع الطارئة على مستوى العالم، واتخاذ المواقف هكذا أصبح له من قوة التأثير على تكييف الأمور في العالم بالشكل الذي يوحي لنا-عند المقارنة- بان الرأي العام العالمي لم يكن له قبل الحرب العالمية الأخيرة- ما يعطيه أي اعتبار جدي وفعال في خلال تلك الفترة من تاريخ العالم، وبالنتيجة لذلك فان المواقف الفكرية والسياسية التي كانت تثيرها الأحداث الجارية، لم يكن يعبا بها كثيرا ولهذا فان المواقف كانت تتخذ في نطاق ضيق، ودون أن تستطيع مطاولة الموقف الحاسم الذي كانت تتبناه الدول الكبرى في هذه القضية، آو تلك من قضايا العالم ومشاكله.

من بدائه القول -ولا شك- النص على أن المسالة الفلسطينية هي من الأهمية الإقليمية والعالمية بحيث يبدو انه من الضروري لكل ذي رأي أو مبدأ أو عقيدة في العالم، أن يحدد حولها موقفا معينا ويلتزم بهذا الموقف التزاما تخذوه الدينامية العقائدية والفعلية، وضرورة الالتزام بموقف هكذا نحو المسالة الفلسطينية يعود إلى اعتبارات عديدة من بينها :

1))  على الصعيد المبدئي : أن القضية هذه-باعتبارها تتعلق بمصير شعب كامل- فان من طبيعتها أن تثير-نقطا عقائدية وفلسفية، لها خطرها في موقف الفكر المعاصر من مصير الإنسان وقضايا الحياة والحرية والاختيار الإنساني كما أن هذه القضية، تضع نقط استفهام مهمة حول مفهوم الحق وحقوق الإنسان بصفة خاصة، وحدود هذا المفهوم ومحمولاته ونتائجه مع ما تفرضه هذه النتائج من معطيات كثيرة سواء على المستوى النظري أو العلمي كذلك.

2)) من الناحية السياسية : تعتبر القضية الفلسطينية مجالا خصبا لنشوء كثير من العقد النفسية والارتجاجات الاجتماعية والمعضلات السياسية والاقتصادية في منطقة كبيرة من العالم، كمنطقة الشرق الأوسط بصورة اخص والمنطقة العربية بوجه عام، وأحوال من هذا النوع تخلق حتميا مجموعة من الاحتمالات الدائمة ضد إمكانية الاستقرار والنمو في المنطقة، بما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من مضاعفات على مستوى السلام العالمي، كما تمثل جلب للملا الدولي خلال أزمة السويس أواخر سنة 1956.

3)) من الناحية الأخلاقية والإنسانية : تضع المسالة الفلسطينية على إنسان اليوم جملة من الأعباء والالتزامات الأخلاقية، التي يمكن اعتبارها- في وجهة من النظر- بمثابة امتحان له على الصعيد الأخلاقي الصرف، وإلا فنجد أنفسنا ملزمين بمراجعة مفاهيمنا عن السلوك ونظرتنا إلى طبيعة الأخلاق، بحيث يمكن أن يؤدي الأمر إلى قلب اعتباراتنا في هذا المجال قلبا واسعا وغير محدود، فإما أن هناك أزمة أخلاقية وإنسانية يثيرها استمرار المعضلة التي تشهدها فلسطين منذ 1948، وأما أن مفاهيمنا عن الأخلاقية والإنسانية يجب أن توضع موضع المراجعة الجدية، وحينذاك ربما لا يوجد داع مبدئي أو أخلاقي يحملنا على المطالبة بحق الحياة والحرية والاستيطان لشعب ما من الشعوب التي تسعى إلى ذلك، وتجد من الجهات الفكرية والعقائدية في العالم كامل المظاهرة والمساندة.
ما هو موقف اليساريين في العالم من موضوع الحق العربي في فلسطين؟ وما هي دواعي هذا الموقف واعتباراته ونتائجه؟ ثم هل سارت اليسارية الدولية فعلا في طريق الاهتمام بالقضية الفلسطينية إلى الحد الذي يحملها-في هذا الشأن- على اتخاذ موقف قار وحاسم، والالتزام بهذا الموقف بما يدعو إلى احترام مقتضياته، والدفاع عنه واعتباره جزاء من إستراتيجية النضال الدولي ضد الامبريالية وذيولها؟
إن هناك -قبل كل شيء- ملاحظة لا باس من إيرادها في الموضوع، وهي أن المشكلة الفلسطينية لم تلق -حين تعقدها ودخولها إلى طور حاسم سنة 1948- لم تلق آنئذ ما كان يجب أن تلقاه من اهتمام حاد وبالغ من جانب الأوساط العقائدية في العالم، بما فيها من وسطية إلى أقصى اليسار، ولا نقصد بذلك أن هذه الأوساط لم تبال مطلقا بالمعضلة الناشئة ولم تدل حولها بالتصريحات والبيانات، فكن هذه المبالاة بالقضية لم تتطور جديا بحيث أصبح من شانها أن تحمل على اتخاذ موقف صحيح وثابت تتميز به نظرية هؤلاء أو أولئك من مختلف الجهات العقائدية الدولية، لقد صاحب قيام إسرائيل ونشوب الحرب العربية اليهودية الناشئة عنها-صاحب كل ذلك نوع من الغموض النسبي في واقف الكثيرة من العقائديين والمبدئيين في داخل النطاق الجغرافي الذي تعيش فيه المشكلة أي الشرق الأدنى والأوسط أو في بقية المناطق الدولية التي توجد فيها حركات عقائدية منظمة وهادفة، وقد يجد المرء بعض المبررات التي يراها وجهة، وجيهة، وتكفي لتعليل هذه الحالة من السلبية النسبية التي ميزت من قبل موقف المتمذهبين في العالم تجاه قضية فلسطين وذاك أثناء حوادث سنة 1948 وفيما قبل ذلك، ومن هذه المبررات : 
1) إن العرب لم يكونوا قد كونوا لذلك الحين علاقات فكرية وتعاونية مهمة، مع العالم اليساري مثل ما هو عليه الأمر اليوم، بل أن الشرق الأوسط كان يبدو إذ ذاك في عمومه كمنطقة نفوذ بريطانية-أمريكية لا غير.
2) إن قطاعا هاما من اليسارية الدولية (وهو قطاع الشيوعيين، سواء منهم المحليون أو الخارجيون، أصبح أمامهم بسبب تعقد القضية الفلسطينية- مجال مهم لتجريب تكتيكاتهم السياسية والنفسية، التي يستخدمونها عادة في خضم الظروف الغامضة المرتبكة، مثل التي كان ينذر بها جو سنة 1948 وذاك من اجل تأكيد ذاتيتهم على الصعيد المحلي واصطناع ظروف ملائمة لإمكانية التدخل الدولي الشيوعي في المنطقة على شكل أو آخر
3) فتح مجال واسع هو الذي يتشخص في إسرائيل يمكنه أن يستوعب إعدادا من المهاجرين اليهود الواردين من شرقي أوربا على منطقة الشرق الأوسط وهؤلاء المهاجرين الذين عاشوا -فترة معينة تحت أنظمة شيوعية متعددة يجوز أن يكون العديد منهم قد تمذهب عميق التمذهب بالماركسية اللينينية، الأمر الذي قد يبيح تشكيل خلايا شيوعية بالشرق الأوسط تتميز بما لها من نشاط ودؤوب، وصرامة في التنظيم ودقة في التكنيك، وهذا ما من شانه أن يضاعف من أهمية هذه الخلايا بحيث أن ثمرة نشاطها يمكن إلا تبقى منحصرة في وقعة كرفعة إسرائيل، بل تطلق من إشعاعها الفكري والإيديولوجي ما يعم ناحية أو أخرى من نواحي الشرق الأوسط ويخلق أوضاعا لا باس بها لتعزيز وضعية العقيدة والعمل العقائدي فيس معظم من ربوع هذه المنطقة المهمة من مناطق العالم.
قد ترد مثل هذه التعليلات على الذهن لإمكانية شرح عوامل الموقف غير الواضح الذي وقفته اليسارية العالمية من حق العرب في فلسطين، قبيل سنة 1948 وأثناءها وما بعدها بقليل، لكنه في إمكان المرء إلا يأخذ بهذه التعليلات على إنها مسلمات يقينية اعكس جوانب الحقيقية كلها أو معظم هذه الجوانب على الأقل، بل يجوز أن يغضي المرء عن وجهات تقدير من هذا القبيل، ويلتمس مسوغات أخرى تشرح الموقف وتبرر بعض عوامله وتقوم في نفس الوقت كأعذار يتعلل بها عند الحاجة، ومن بين هذه المسوغات الممكنة : 
1) إن أحوال العرب وأفكارهم ومطامحهم ونوازعهم ونظرياتهم كل ذلك كان غير معروف بالصورة اللازمة في العالم الخارجي بل إن الإنسان العربي كان في بعض الأحيان شبه مجهول لا يعرف عنه إلا النزر الذي لا يساعد على تكوين فكرة أو تشكيل صورة ذهنية، ولا يعنينا هنا تحديد الأسباب التي جعلت السمعة العربية محدودة هكذا فيما مضى، إلا أن الذي يهمنا تأكيده أن مثل هذه الحالة، لم يكن من شانها أن تبرز الرأي العربي واضحا في المسالة القائمة بالشكل الذي يبلور الحق العربي من خلالها بلورة لا تقبل الشك أو التردد.
2) إن الدول العربية التي كانت مستقلة حال قيام إسرائيل، بدت تصرفاتها والمنطق الذي يعبر عنه سلوكها، كأغرب ما يكون المنطق والتصرف في مثل تلك الحالة فعلاوة على ما بدا من تخاذل وتدهور وسوء تنظيم سياسي وعسكري كانت هناك النزعات التي تصل أحيانا أبي حد الإسفاف، ولم يكن الإسفاف هذا مما يعطي العالم الأجنبي صورة جادة ومعقولة عن موقف العرب وحقهم الثابت إزاء المعضلة القائمة.
3) لم يكن الجو العالمي الذي نعيشه الآن، بما يوده من روح التعاون بين الشعوب السامية وعوامل التعاطف بين الحركات التحريرية وأشياء من هذا القبيل-لم يكن مثل هذا الجو قد تكاملت ملامحه وتعززت جوانبه ءانذاك مثل ما هو عليه الآن، ثم أن العالم كان  لا يزال سنة 1948 حديث عهد بالحرب وعلى عتبة مرحلة انتقل هي التي نلمس نتائجها في الوقت الحاضر، فكان من الطبيعي بحب اعتبارات من هذا القبيل إلا ينفعل الأوساط العقائدية الدولية-حتميا- بوجهة النظر العربية، لان تفهم وجهة نظر هكذا كان يحتم مسبقا وقوع لقاءات وحوارات دولية، مثل ما يفعله العرب ضمن نطاق العالم الثالث، ومن المعلوم أن اليساريين فغي العالم يقيمون اعتبارا كبيرا لما يجري في هذا الجزء النامي من العالم، بصفته قطاعا دوليا عظيما يحتل العرب فيه مكانة لها نصيب من الاعتبار وذلك ما لم يكن حاصلا من قبل، أضف إلى ذلك أن الجو الذي خلقته الحرب كلن-خلال سنة 1948- جوا مشحونا بمخلفات المأساة الحربية العالمية، وكان الشيوعيون، في أوربا وغيرها لا يزالون يجترون نتائج الحرب السياسية والاقتصادية والاجتماعية سواء في نطاق المحلي أو العالي، وكانوا هم أيضا على أبواب تحول كبير في وضعيتهم الدولية، نشا عن جملة الأحداث التي أدت بهم في أوربا إلى قيام الأنظمة الشعبية في شرقي القارة وجنوبها الشرقي، وكان انذهال الاشتراكيين أمام نتائج الحرب اشد وأقوى، الأمر الذي لم يمكنهم من القيام بمبادرات مهمة في مضمار السياسة الدولية على النحو الذي أمكن للشيوعيين أن يقوموا به في أوربا واسيا فيما بعد.
ويجب التمييز في هذا الباب بين الشيوعيين كأحزاب وهيئات سياسية وفكرية ونقابية وبين الشيوعيين المتولين فعلا مقاليد الحكم ضمن دولة أو دول معينة، فالنقط التي اشرنا إليها ءانفا باعتبارها أعذارا تبرر موقف الشيوعيين غير الواضح إزاء التطورات التي أدت سنة 1948 إلى قيام إسرائيل-هذه النقط تتصرف خاصة إلى الشيوعيين غير الحاكمين في أوربا وخارجها، أما الدول الشيوعية بما فيها الاتحاد السوفياتي نفسه، وقد كان لها موقف نحو إسرائيل غداة قيام هذه الدولة وقبل ذلك -والموقف ها لم يكن يتميز بحماس شديد للقضية الصهيونية على الرغم من تصويت المندوب الروسي في الأمم المتحدة سنة 1947 لقرار الأمم المتحدة حول فلسطين، بل أن لهجة الدعاية الشيوعية حينذاك كانت تنم عن النقد للجماعة الصهيونية المتوالية دقة القيادة، بالإضافة إلى حملاتها على البريطانيين والأمريكيين بهذا الشأن ، وقد شارك الحزب الشيوعي الإسرائيلي في ذلك، منددا بالرجعية التي تسيطر على توجيه الحكم الصهيوني في فلسطين، ومع ذلك ففي الإمكان عدم اعتبار مثل هذا التمييز بين الشيوعيين كأحزاب ودول في موضوع فلسطين وتقدير الأمور بهذا الشأن على أساس إن «الكومينفورم» كان هو الذي يتولى توجيه السياسة الشيوعية العامة سواء في نطاق الدول أو الأحزاب.

لعل الخطوات التي قطعها العرب في سبيل اتصالهم ببقية العالم، والالتقاء مع مختلف الشعوب الأخرى بما فيها من نامية ومتقدمة-هو أوسع بكثير مما حققوه -إجماليا-في ميادين التنمية الاقتصادية والتنسيق الاجتماعي وما بسبيله، وذلك طبعا إذا وضعنا الأمر في ميزان تقدير إجمالي لا يخص قطرا عربيا معينا، وإنما يستوعب العالم العربي في مجموعه، ومن ابرز النتائج التي لا بد أن ينتظرها المرء من توسع الصلات الفكرية هكذا بين العرب وبقية العالم أن تتعمق معرفة الشعوب الأخرى بحقائق القضية الفلسطينية ويتخذ على أساس ذلك، الموقف المبدئي الذي يفرضه المنطق الإنساني بهذا الشأن، وقد وقع بالفعل تقدم لا باس به في هذا الميدان بالنسبة لما كان عليه الأمر سنة 1948، ويبدو الفلسطينية حاليا، ومن وجهات النظر المختلفة في العالم التي يمكن للمرء أن يتبينها من خلال وضعية القضية من المناسب أن نستعرض ولو بسرعة بعض الظاهر الراهن حول هذه القضية، ففي منطقة الغرب الأوروبي والأمريكي لا يزال الصهيونيون ينعمون بإمكانيات واسعة للقول والعمل، بيد أن الطرف العربي في النزاع، وان كانت ءاراؤه لا تلقى قبولا يعتد به، فهو لم يعد يتعرض لكل الاستخفاف الذي كان معرضا إليه على نطاق واسع فيما قبل. 
في منطقة الجنوب الأمريكي (أمريكا اللاتينية) يجد الصهيونيون أيضا مجالا واسعا، ولكن الحضور العربي في المنطقة -معززا بالوسائل الاقناعية اللازمة- يمكن أن يحدث بعض التطور في هذه الحالة، وذلك نظرا للتجاذب الذي يحتمل أن يتسع مداه بين جنوب القارة الأمريكية والعالم الثالث -بما فيه العالم العربي بالطبع- وهذا التجاذب ناتج في مبدئه عن الرغبة المشتركة في التعاون من اجل محاربة التخلف، وتوسيع نطاق المبادلات المختلفة، بين الجانبين، وقد طرا أخيرا بعض الفتور على قوة التجاذب هذه، ولكن حالة الفتة أو الحركية في المحيط الدولي لا تعرف استقرارا، وهناك عوامل مختلفة تجعل حالة التعاون بين الدول المختلفة، وشبه المختلفة حتمية أساسية لا محيد عنها، فهل تستطيع بعض الاعتبارات السياسية أن تقاوم حتمية قوية من هذا القبيل وبصورة غير محدودة؟
أما بالنسبة للقارتين إفريقيا واسيا-ويقع الشرق الأوسط العربي في وضع المحور منهما -فقد حققت إسرائيل توسعا تجاريا وفكريا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، غير أن ازدياد الاتصال بين العرب ومختلف الشعوب الإفريقية الأسيوية- ضمن إطار فكرة الحياد ومحاربة التخلف -من شانه أن يساعد -مبدئيا- على التقليص من حجم العلاقات الاسرائلية في ربوع القارتين، ولو بصورة بطيئة جدا، بحيث يبدو أن الأمر قد يستغرق زمنا طويلا قبل أن يصبح حقيقة واقعة.
وفي الشرق الأقصى وجنوب شرقي آسيا يفقد الصهيونيون مراكز حساسة جدا كالصين الشعبية مثلا فإذا تم هذا فأنهم سيفقدون بالتبعية أقطارا عديدة في المنطقة تتأثر بالنفوذ الصيني على بقاع مختلفة.
أما على مستوى العالم الإسلامي فهناك تطورات فكرية لا باس بها، ومحاولات انبعاث وتضامن إذا ما نجحت -متبلورة في حركة منظمة- فان إسرائيل يمكن أن تخسر في أقطار إسلامية عديدة جولات تعتمدها الآن كثيرا.
وفي الاتحاد السوفياتي تلاحظ تطورات مهمة بهذا الصدد، فمنذ أواخر الخمسينات بدا يحدث تغير تدريجي في موقف السوفييت من إسرائيل، بل أن العلاقات الروسية الإسرائيلية قد ساءت في بعض الفترات
لدرجة كبيرة جدا بحيث صارت تشكل صورة أزمة حقيقية.

وما ذا إذن -بعد كل هذا، عن موقف الأحزاب اليسارية غير الحاكمة من إسرائيل بعد التطورات التي عرفتها حركة الالتقاء بين الشعوب والحركات الفكرية في السنين العشر الأخير، وبعد أن تبلورت المواقف في الشرق الأوسط بصورة تكفي لاتخاذ موقف تابث وواضح من المشكلة القائمة بين العرب والصهيونية في المنطقة، لقد يبق لكثير من الأحزاب اليسارية أن تبنت في موضوع القضية الفلسطينية ءاراء ومواقف يمكن للمرء كما تقدم أن يلتمس لها مبررات ترجع إلى طبيعة الوضع العالمي إذ ذاك، ونوع الأحوال السائدة أيضا في الشرق الأوسط، فهناك من أوساط اليسار الأوربي من ابدي نوعا من التأييد المتحمس لقيام إسرائيل، وقليل من اليساريين من أبدى نحو المشكلة نوعا من اللامبالاة التي تعني عدم الحماس للدولة الصهيونية، ولا يظهر انه كان هناك في أوساط اليساريين الأوربيين من اشتراكيين وغيرهم من أبدى تفهما لوجهة النظر العربي أو عطفا عليها، أما في منطقة الشرق نفسها فان الأحزاب الشيوعية المحلية (الحزب الشيوعي السوري مثلا) لم تتردد في مساندة قرار الأمم المتحدة القاضي بالتقسيم (1947) بل أن الحزب الشيوعي الإسرائيلي نفسه، وان دأب على انتقاد سياسة الحزب الحاكم في إسرائيل إلى حد اتهام السلطات الإسرائيلية بالعدوان ضد الدول العربية فان صفوفه قد انبثقت عنها في وقت من الأوقات جماعات تمنح الولاة  لسياسة القوة والمهيمنين على تطبيق هذه السياسة من حزب رئيس الوزراء الإسرائيلية السابقة، أما الأحزاب والمنظمات في الخارج التي تنتسب إلى اليسار الدولي بصفة أو أخرى، أو تعمل على الأقل تحت عناوين يسارية، وان كانت وجهتها العامة لا تنطبق مع روح اليسار وفلسفته دائما، هذه الأحزاب التي تجدها في جملتها لا تقف من الحق العربي في فلسطين الموقف الذي ينتظره المرء إذا ما تمسك بحدود المنطق الذي توحي به فلسفة هذه الأحزاب نفسها، ونظرتها على القضايا العامة سواء من الزاوية النظرية أو العلمية، فما هي سمات إسرائيل وعوامل وجودها إذا وضعنا هذه الدولة أمام المرآة اليسارية وحاولنا أن تتفحصها على ضوء العقلية التي تسود الاتجاه اليساري في العالم؟
1) هل إسرائيل تقوم في جوهرها على قاعدة فكرية تقدمية طبقا لمفهوم التقدمية كما يراه اليساريون وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يعلل أنها تستند في قيامها على حالة من التعصب المنغلق الذي لم يعد له وجود إلا في أهان اشد الناس رجعية في العالم، وأكثرهم اغراة في (الشوفينية) وإلا فما بالك بدولة لا تعتبر مواطنا حقيقية لها إلا من كان يهوديا وهي دائبة على تصيد اليهود من مختلف الجنسيات لصهرهم في قلب النظام الجديد على أساس طائفي متقوقع وان كانت الدبلوماسية الإسرائيلية تحاول دائما التفتح على العالم لأغراض تتعلق بالإستراتيجية السياسية أكثر مما تتصل بروح حقيقية لها فاعلية ما في هذا المقام.
2) هل توجد إسرائيل منفصلة عن ركب الامبريالية والاستعمار الجديد في العالم؟ وهل تتخذ موقف المناوأة ضدهما؟ وإذا كان الأمر هكذا فلما ذا تكاد إسرائيل تحصر مواردها الأساسية في العالم ضمن منطقة معينة هي منطقة الغرب، بحيث أن جهازها الدعائي والمادي ومواردها السياسية والاقتصادية والتقنية وغيرها تتركز في هذه المنطقة أكثر من أي ناحية أخرى في الأرض، ثم أنها لم تتخذ يوما ما موقفا عمليا ضد ساسة الأحلاف الدولية) وان كانت تفتعل عنوانا حياديا تتمسك به تمسكا إستراتيجيا لا غير، وعندما أعلنت بعض المذاهب اللاحيادية في منطقة الشرق الأوسط كمذهب ملء الفراغ في المنطقة الذي عرض على شعوب المنطقة في أعقاب حوادث السويس (1957) ورفضته أغلبية البلدان المعنية بالأمر هناك تمسكت إسرائيل نحوه حينئذ بموقف غامض بل أنها كانت تذهب أحيانا إلى التعريض بالمناوئين له، ونشر البلبلة حول الموضوع بكامله في المنطقة العربية وهذا مثال من أمثلة عدة يعللها أن عددا من القائمين على إسرائيل يمتون بصلة مباشرة وضخمة لأوساط رجال المال والأعمال في الغرب، وترتبط مصالحهم بالتالي بمصالح الأحلاف والكتل اللاحيادية في العالم واللاحيادية تعني إمكانية العمل ولو بصورة غير مباشرة لصالح كتلة دولية أخرى،وإسرائيل مرتبطة عضويا وجوهريا بالمغرب فبسيط تصور الجهة الدولية التي يمكن أن تكون ضدها آو أنها تعمل ضدها فعلا بشكل ملتو وغير مباشر.
3) هل تقف إسرائيل موقفا مواليا لحركات الانبعاث للتحرر في العالم الثالث، وهل تسهم ولو نظريا في التطور العالمي الواقع بهذا الشأن أو تتخذ منه على الأقل موقف سلبيا أو شبه سلبي؟ لكن كيف يمكن تفسير سياسة إسرائيل من التطورات التي أدت حلال الخمسينات وأوائل الستينات إلى استقلال الكثيرة من الأقطار الإفريقية؟ هل ساندت إسرائيل واحدا من هذه الأقطار في عملها النضالي من اجل الاستقلال مساندة حقيقية وعلمية سواء في الميدان الدبلوماسي في مظاهرة المواقف المبدئية والسياسية التي تلتزم بها إفريقيا حول الكونغو واتحاد جنوب إفريقيا وروديسيا ومجموعة مناطق الحكم البرتغالي بالقارة؟ بل هناك موضوع للتساؤل : هل التزمت إسرائيل حتى بموقف سلبي من تطورات العمل التحريري بإفريقيا وغيرها؟ أن الصيغ التي ما انفكت الدعاية الصهيونية تتبناها حول التطورات بالعالم الثالث ثم موقف الدولة الصهيونية من ذلك داخل الأمم المتحدة أيضا، كل هذا لا يمكن المراقب الأجنبي من استبانه خطوط سياسة إسرائيلية، تتسم على الأقل باللامبالاة البريئة إزاء الاستعمار أن لم تمارس مضادته وحده، فقد ذابت إسرائيل على بذل نشاط دعائي قوي ضد المؤتمرات الإفريقية الأسيوية كلما كان هناك مجتمع دولي من هذا القبيل، ولم تكن إسرائيل تبذل أي جهد داخل الأمم المتحدة للأخذ بناصر القضايا الإفريقية والأسيوية التي تعرض على المنضمة ضد الأوضاع الاستعمارية السابقة بالقارتين، حتى إذا ما أسفرت اندفاعه التاريخ الحتمية عند تصفية الامبريالية هنا وهناك في شتى إنحاء العالم الثالث بادر الإسرائيليون إلى إقامة روابط مع الأقطار الحديثة عهد بالاستقلال، والنفوذ عبر ذلك إلى مواردها الاقتصادية الثرية، واكتساب مواطئ القدم السياسية والفكرية فيها، واتخاذ القواعد فيها لمناوءة العالم العربي، ومحاولة تفكيك الصلة النضالية التي تربط بينه وبين العالم الثالث، ضمن حدود الحركة الدولية الحديثة المناوئة للتخلف والتبعية والرجعية.
فهل هذه العوامل التي اشرنا إليها، وهناك الكثير مما لم يستوعبه المجال الضيق المتوافر هنا، هل كل هذا هو ما يحمل اليسار الدولي على مهادنة إسرائيل، واتخاذ موقف اللامبالاة إزاءها، ويحمل جهات كثيرة من هذا اليسار على التحمس للدولة الصهيونية والعطف البالغ عليها، بل وتشديد الحملة أحيانا على الدول العربية من اجلها؟ لسنا نهزل فنقول أن هذه العوامل هي التي تنمي حظوظ الصهيونية عند اليسارية الدولية، إلا أن استبعاد الهزل هنا أو التزام الجد لا يضمن العثور على تفسير كامل لمثل هذه الظاهرة الغربية، فقد اهتبلت الدولية الاشتراكية فرصة انعقاد مؤتمرها الدولي بحيفا (إسرائيل) خلال شهر يونيه 1960 فحولت هذا المؤتمر من جمع إيديولوجي إلى مظاهرة سياسية لتدعيم إسرائيل ضد شعب فلسطين المتشرد، وقبل هذا المؤتمر وبعده ما برحت الأحزاب الاشتراكية بأوربا-عن طريق صحافتها وندواتها ووسائلها المختلفة، تعبر عن وجهات نظر لا تقيم الوزن-في جوهرها- إلا لإسرائيل- وان كانت بعض الجهات الاشتراكية، كالجناح الأكثر يسارية في حزب العمال البريطاني قد عبرت في وقت من الأوقات (سنة 1960) عن تنميات خيالية لحل مفترض يسبقه اتحاد في العمل بين الاشتراكيون اليهود والعرب على أسس تافهة ومغرقة في السطحية، وخارج نطاق التمنيات من هذا القبيل، فإننا نجد أن بعض الأحزاب الاشتراكية في أوربا لم تقتصر على مجرد المساندة النظرية لإسرائيل، بل تكتلت معها، على تنظيم غزو مسلح ضد بقايا الوجود العربي في فلسطين، وإذا كانت الدوافع حينذاك مختلفة بعض الشيء، فان النتيجة-وهي تصفية ءاخر ءاثار الحق العربي في فلسطين، كانت ممكنة جدا لو أمكن للاحتلال الإسرائيلي لمدينة غزة والقطاع الصغير الذي تقع فيه أن يستنم أهدافه ويتركز بصورة نهائية.
ولا يختص الاشتراكيون الأوربيون باتخاذ مثل هذا الموقف، من مسالة النزاع العربي اليهودي في فلسطين بل أن عددا من الأحزاب الاشتراكية في أسيا وإفريقيا لم تتردد في تبني مواقف من هذا النوع أو يماثله بوجه أو بأخر، وتتراوح المواقف هذه، من درجة الحماس المطلق لإسرائيل وحمل لواء العداء السافر للعرب إلى انتهاز مواقف مائعة وغير أصيلة في الموضوع، تتسم بالهروبية الأخلاقية، وعدم وجود قاعدة مبدئية صحيحة، على اللامبالاة بالأمر إطلاقا.
وهناك من الأحزاب الاشتراكية في إفريقيا السوداء من دأب على بذل بعض العناية بأمر فلسطين وإبداء بعض التأييد لقضية الوجود العربي في الأرض التي تسيطر عليها إسرائيل غير أن مثل هذا التأييد المبدئي لا يدعو دائما الآخذين به إلى التزام موقف عملي وصارم في الموضوع، ولذا فان مساندة مبدئية من هذا القبيل، لا يمكن اعتمادها جديا في الوقت الحاضر، وان كان من الممكن التعويل عليها في المستقبل، إذا ما تطورات وأخذت إشكالا التزاميه حقيقية وإذا ما تركنا الاشتراكيين، واستطلعنا جلية الأمر بالنسبة للشيوعيين وموقفهم من فلسطين فإننا سنلاحظ أولا -وكما تقدم- حالات التأرجح التي عرفها المواقف الشيوعية بالنسبة لقضية العرب وإسرائيل منذ ابتداء النزاع بين الجانيين قبل سبع عشرة سنة، وإذا ما أغضينا عن التارجحات السابقة، فسنجد أن الشيوعيين قد باتوا الآن-لأسباب دولية مختلفة- اقرب من غيرهم من القطاعات الدولية اليسارية الأخرى-إلى مجافاة إسرائيل وان كانت العلاقات مع إسرائيل لم تنقطع والأسباب الداعية إلى مشاحنتها ليست دائما أسبابا عربية، وبصورة التزاميه كاملة وموجب هذا القول ينسحب على مختلف الأحزاب الشيوعية في العالم، بما فيها الجماعات الشيوعية في البلاد العربية، وبالأخص منها أقطار الشرق العربي، غير انه للمرء إن يلاحظ بهذا الشأن نشوء مبادرة دولية جديدة حول الموضوع هي التي تتمثل في موقف الأحزاب الشيوعية المدعوة بالمحافظة وفي طليعتها الحزب الشيوعي الصيني، فقد دأب هذا الحزب في الفترة الأخيرة على اتخاذ مواقف ملفتة للنظرية (تصريحات- تجمعات-مقالات- الخ...) تدل في عمومها على مساندة ملحوظة للحق العربي في فلسطين، وان كان من الصعب الآن تقدير درجة هذه المساندة، ومداها النفساني والسياسي تقديرا موضوعيا ومضمون النتائج.
وندع الأحزاب الشيوعية والاشتراكية جانبا لنعود مرة أخرى إلى الحزب الشيوعي القائم بإسرائيل، والذي وان كان يعد من الأحزاب الصغيرة داخل الدولة الصهيونية فانه يبدي نشاطا ملحوظا على الأخص من الناحية الدعائية، وقد تعرض هذا الحزب لكثير من التقلبات العقائدية اضطرته إليها ظروف المشكلة الفلسطينية الشاذة، وفي خضم هذه التقلبات يجاهد الحزب في أن يظهر بالمحافظة على خطة أكثر إنسانية وتحررية في نظره، بالنسبة لمشكلة فلسطين فهو ينتقد سياسة السباق نحو التسلح التي تتهجها الدولة الصهيونية ويشجب حملة سيناء والمغامرة الإسرائيلية ضد مصر (أكتوبر 1956) كما يرفض الادعاء الإسرائيلي بان الحملة تلك، تمت تحت تأثير دوافع مستقلة، وعلى نحو يستبعد التواطؤ في ذلك مع الحكومة الاشتراكية التي كانت قائمة إذ ذاك بفرنسا، بالإضافة إلى حكومة المحافظين الانجليز، ويأخذ الشيوعيون كذلك على إسرائيل ما تتسم به من تشبت بالروح العسكرية، والتزام بمساندة القوى الامبريالية العالمية، هذا إلى سياستها التوسعية، ونزوعها على فرض الصلح على العرب عن طريق الإكراه المباشر، وممارستها الدائمة لطريقة التهديد المكشوف، ويطرح الشيوعيون الإسرائيليون-من جهة أخرى- مشكلة اللاجئين العرب، وينتقدون تصامم إسرائيل عنها، ورفضها المستمر لإيجاد حل لها، وعلى أساس كل ذلك، يقرر الشيوعيون في الموضوع جملة استنتاجات، منها أن إسرائيل-بوضعها الحالي- قد فشلت فشلا ذريعا وان التضامن بين العرب وشعوب أسيا وإفريقيا ليس من شانه أن يجعل مهمة المسؤولين الإسرائيليين مهمة ميسورة، هذا إلى مجموعة من الاستنتاجات الأخرى على هذه الوتيرة، ويعرض الشيوعيون الإسرائيليون مقترحاتهم (الايجابية) لتصفية المعضلة، معضلة النزاع العربي اليهودي، ووضع الأمور-بهذا الصدد- في موضعها (الصحيح الحاسم) يعرضون ذلك فيما يأتي:
1) الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني.
2) السماح للاجئين بالعودة إلى ديارهم، وإعطائهم تعويضات وذلك طبعا بالنسبة لمن يرغب في ذلك منهم.
3) الوقوف بصرامة ضد القوى الامبريالية التي تتدخل في منطقة الشرق الأوسط بقصد تعكير الحالة في المنطقة، واجتلاب المغانم الناشئة عن ذلك.
4) اعتبار وحدة العمل الجماعي ضد التسربات الامبريالية خير بديل عن حالة الصراع الدائر بين الطرفين، والذي هو-في نظر الشيوعيين- صراع عقيم يورث نيرانه حكامهم الرجعيون يشدد الشيوعيون الاسرائليون على مثل هذه المقترحات باعتبارها قادرة على وضع حد نهائي للمشكلة الفلسطينية وتخليص إسرائيل من جو الكراهية الذي يحيط بها في عموم المنطقة العربية، ويغض الطرف عن قدرة هذه المقترحات أو عدم قدرتها على الإيفاء بحل معقول وسليم، وبصرف النظر كذلك عن وجهة النظر العربية في الموضوع، فان الحلول المقترحة هكذا لا تؤدي في النتيجة إلى إقرار أوضاع يرضى عنها الشيوعيون أنفسهم، والأمر في هذا المجال يتعلق بالكيان الإسرائيلي ذاته، فالدولة الصهيونية هي ذات ارتباط عضوي بالاحتكارات الصناعية والتجارية والإعلامية الضخمة في الغرب، وتستمد من هذا الارتباط قوتها في شتى الميادين وبصورة غير محدودة، والقول هكذا ليس من قبيل الاتهامات الجزافية بل انه يعبر عن واقع يلمسه المرء من دراسة القوى الاجتماعية العاملة في محيط الاقتصاد الغربي ويلمسه كذلك من تحليل الاقتصاد الإسرائيلي نفسه، ومن تتبع العوامل المؤثرة في كيان هذا الاقتصاد ثم يرى كل ذلك أيضا من خلال السياسة العامة لإسرائيل، وعلاقتها بأبنائها وبالعالم، فإذا تقرر هذا، والشواهد عليه يمكن أن توخذ من إسرائيل أنفسهم -من خلال إحصائياتهم وتقاريرهم المختلفة- فكيف تستقيم صبغة هذه الدولة المدينة بوجودها الاقتصادي لجهات معينة في العالم -مع ما يمله الشيوعيون لها من تحرر من العقد الامبريالية، وانقلاب في الروح العامة التي تسيطر عليها، أن للعرب رأيا في إسرائيل يبلغ في راديكاليته وشموليته حدا يتناول كيان هذه الدولة من اسأمه ولا ينظر إلى التفاصيل من نوع المعروضة أنفا، غير أن النظرة العلمية للشيوعيين تقتضيهم أن يتبينوا الأمر من كافة وجوهه، ومن خلال كنهه وخصائصه، وتحمل إسرائيل من بين ما تحمل من خصائص، جملة التناقضات الحتمية التي تجعلها دائما أمام اختبارات درامية وحادة، فهي أما أن تبقى على ارتباطها الصميمي بالقوات الاقتصادية والسياسية الموصوفة بالامبريالية وأما أن تفقد سندا أساسيا، يغدو استقلالها وكيانها بعده مجرد احتمال معرض للأنواء، سواء منها الأنواء الداخلية ذات المنشأ الاقتصادي والاجتماعي أو الأنواء الإقليمية الآتية من الجو المحموم الذي تعيش في اتونه داخل المنطقة العربية أو الأنواء الدولية التي يمكن أن تعنف يوما ما، وتصبح مهددة نتيجة التحول البطء ولكنه مستمر الذي يسجله ميزان العلاقات الإسرائيلية في ايفريقيا واسيا، وداخل المعسكر الدولي الشيوعي بقميه السوفياتي والصيني والقوى المرتبطة بهذين القسمين.
إن الشيوعيين الإسرائيليين لا بد أنهم يعيشون حالة مأساوية حقيقية سواء على الصعيد العقائدي أو التكتيكي وذلك نظرا لأنهم يصطدمون باستمرار-في نشاطهم الفكري والسياسي- بكل تنقضات الكيان الإسرائيلي ومفارقاته الحتمية، وذلك من شانه إلا يترك لهم مجال الاختيار إلا في أمرين: أما الالتزام بالعقائدية التي يأخذون بها بكل ما تضعه من اختيارات سياسية على الصعيد المحلي، والدولي والالتزام هكذا لا بد أن يقودهم في نهاية التحليل-إلى إنكار الكيان الإسرائيلي، أو بالأقل الشك في السلامة الأمس التي يقوم عليها هذا الكيان، وأما أن يجاروا التيار الفكري العام الذي يجتاح الكيان الاسررائيلي تحت تأثير التوجيه وفي هذه الحالة فأنهم قد يلمون من الاصطدام بالتناقضات الحتمية الإسرائيلية ولكنهم سيعرضون لحتمية التناقض مع أنفسهم كشيوعيين ومع الخط الفكري والعقائدي والسياسي الذي يقوم عليه وجود أية حركة شيوعية سواء كانت ذات نزعة وحافظة أو مجددة.
ولا يبدو أن الشيوعيين الإسرائيليين مستعدون الآن لتقبل النتائج مراجعة دراماتيكية لمواقفهم على هذا النحو أو ما يماثله، ولكن حدة لتناقضات الفكرية التي يتعرض لها كل من يحاول الخوض في أمر الكيان الإسرائيلي والناتجة عن الاصطدام بين المثاليات النظرية وبين الواقع الذي يعيشه هذا الكيان المقام في فلسطين- أن حدة التناقضات من هذا القبيل التي ينتظر لها أن تزداد استفحالا سوف تترك مجالا للالتزام بما توحي به العقيدة الصلبة الجازمة.


 


 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here