islamaumaroc

هل المعركة بين القديم والحديث حتمية؟

  دعوة الحق

87 العدد

نشرت «أضواء» هذا المقال القيم الذي صدر بباريس في 15 يناير 1966 أحببنا إدراجه في هذا الباب تعميما للفائدة:

هـل لابـد مـن معركــة؟
هذه المشكلة ليست بالجديدة. فالقديم إذن هو الصفة اللاصقة بها. ولكن الصراع مع ذلك ما فتئ تدور رحاه-وأظن أن الأمر سيستمر وسيطول وسيتردد زمنا غير قليل- ما بين القديم والجديد. وفي كل مرة ينتصر الجديد. ولكن ليس دون صعوبات، وليس دون قتيل وتعمر،ـ وليس دون جهود كان يمكن لها أن تصرف في مجالات أخرى أجدى وانفع.
ولا يقف الأمر عند هذا فقط، بل أن القديم الذي اتخذ موقف المعادي، أو الذي اتخذه الجديد عدوا رغما عنه، كان هو الأخر يغدو ذا يقع وجدوى، لو لم يصرف إمكانياته الكبيرة في حقول وأجواء غريبة عن معنى العطاء.
وأسارع فاستدرك هنا. أن الصراع ليس هو الغريب عن الحياة. فالصراع محرك قاطرة الحياة ووقودها الذي لا ينفد ولا تشيح مصادره وخاماته. ولكن صرف القوى في معاكسة تيار الحياة هو الذي يجعل منها جهدا ضائعا، مؤسفا في الواقع.
وفكرت أكثر من مرة: هل لابد من معركة؟ هل المعركة حتمية أبدا بين القديم والجديد؟ الأمثلة التي في أيدينا، من التاريخ ومن حولنا، لا تتردد في إعطاء الرد الايجابي للجديد.
ولكن إلا يمكن أن ينتصر مرة لكي يبقى جديدا أبدا، دون أن يتلبس مسوح القديم، ودون الحاجة إلى مصاولة منازل جديد ومحاولة استنزاف قواه في ميدان فرعي؟..
ورأيت أن الأمر لا يتعدى مفهوم القديم عند حملته والمدافعين عنه والذين ينزلونه منزلة التقديس ولا يرون فيه إلا الخير المطلق، ويجمدون هند مدلول قيمه، وشروطه الأساسية والشكلية معا.
وكذلك يتوقف الأمر على مفهوم الجديد عند معتنقيه وحاملي لوائه والمبشرين به والزاحفين على هديه وإرشاده كي يحتلوا كل مواقع سلفه.
المفهومان في الميزان
تردد على ذاكرتي هذا البيت، وأنا أعالج موضوع القديم والجديد:
إن هـذا القديـم كـان جديــدا
                   وسيغـدو هـذا الجديــد قديمــا
ونحن، وان كان بطربنا الشعر ونهتز له ونحله من نفوسنا محلا خاصا، وان كنا لا ننكر ما فيه من جمال وحكمة ومن نظرة صائبة أحيانا كثيرا، فلا بد لنا أن نناقش هذا التقرير الذي جائنا بع الشاعر هل صحيح إن القديم الذي يصل إلينا كان بالضرورة جديدا. وان جديدنا، هذا الذي سندعو إليه سيغدو قديما. إذا كان الشاعر يقصد بالقديم الشيء الذي تمر عليه السنون فقد نوافقه على ما ذهب إليه. ولكن إذا كان للقديم والجديد مفاهيم أخرى فالأحرى بنا أن نعالج الموضوع على ضوء هذه المفاهيم اعتقد، بالنسبة للقيم الاجتماعية والثقافية، أن على القديم أن يتخذ معنى التراث الذي يصل إلينا عبر القرون، محملا بكل حكمتها وتجاربها وبكل خبرة الأسلاف، ضحلة وغنية، ولكن هذا التراث لم يتجمع هكذا كتلة جامدة في عهد من العهود، ثم تدحرج حتى وصل إلينا. انه عملية تطور بطيئة أحيانا ثائرة أحيانا أخرى. انه عملية خلق مستمرة، وما دام كذلك فهو في تطور دائم. وهو في حركته ومرونته واستمراره لا يترك فجوات هائلة يتردد السائر والعابر في قطعها من الأمس إلى اليوم إلى الغد. أن عملية الخلق والإبداع المستمرة في داخله، ومن داخله، وكذلك طموحه إلى الكمال في سبيل نشر الجمال والسعادة وتعميمها في المجتمع، كل ذلك وغيره يؤلف هذا الصراع الحياتي الذي يغني الجديد الوليد ويبعث فيه القوة ويجعله يشعر بأنه يستند إلى أساس متين، الشيء الذي يسهل عملية البناء الجديدة ويجعلها ارسخ، ويمكن مهندسي الغد من أن يرفعوا على هذه الأساس أبنية جديدة، متعددة الأشكال الهندسية، ومتنوعة المحتوى الجمالي أيضا.
وبذلك لا يكون ثمة حاجة بنا إلى معركة حياة أو موت. أننا نسلم بأننا نبحث عن الحياة دوما، عن أغناء مشكلها ومحتواها، ونحن في سبيل ذلك لا نجمد عند شكل ومحتوى. أننا مخلوقون لجيل غير جيل الماضي-وهي كلمة مأثورة عميقة من تاريخنا ومن تراثنا- ولا يمكن أن نقسر أنفسنا وعقولنا وابدأننا على أن تأخذ بكل ما رسمه الجيل أو الأجيال الماضية لأبنائها. انه لا بد لنا أن نقف بقوة ضد كل مفهوم يريد أن يجمد بنا، ويريد أن يجردنا من القدرة على العطاء لكي يحرمنا بذلك من إنسانيتنا، إننا ندافع عن إنسانيتنا ولهذا ندافع عن إمكانية العطاء والخلق والإبداع، ولكننا لا ننكر على القديم انه أعطى وخلق وأبدع ضمن ظروفه الموضوعية المتميزة حتما عن ظروفنا.
انفصال أم استمرار في التطور
نحن إذن أعداء الانفصال عن القديم بمعناه الخير. إننا بالأحرى مؤمنون بان هناك استمرار في التطور-الكمي والكيفي- لا تنفصم عراه ولا يقف عند حد مرسوم له. انه تطور يواكب الحياة. وما دام احدهما موجودا، فالأخر موجود.
انه ليسعدنا ويرضي اعتزازنا أن تكون شجرة تراثنا ذاهبة الجذور عميقا وقويا في التاريخ، ولكننا نجيز لأنفسنا أن ننوع الإثمار والأوراق والألوان وتغنيها، وفي الوقت نفسه نرضي متطلبات التطور، متطلبات العصر وكل عصر يريد أن يكون له طابعه وإسهامه في الحضارة. أن تاريخ الفنون جميعا، وتاريخ الإنسانية عموما، يشهد بضرورة هذا التطور، بضرورة التجديد. صحيح أن حركات التجديد لا يمكن أن تكون كلها في سبيل الجمال والسعادة، وصحيح أن هناك «جديدا» إذا اجزنا لأنفسنا إلصاق صفة الجديد به-يطمح إلى الانفصال. انه شيء بشبه جدا-من حيث النتائج المؤذية- ذلك «القديم» الذي يطمح إلى الجمود، ويؤدي ذلك به إلى الانعزال والتقوقع، إلى الانفصال عن الحياة. الأول مولود شاذ في تربة وبيئة تنفثان الموت، والثاني يحمل كفنه وينتظر من يدفنه.

قيـم قديمـة وقيـم جديـدة
من الواضح جدا انه لا يمكن لنا الأخذ بكثير من القيم القديمة. إننا في طموحنا إلى الأفضل، وفي أيماننا بقدرة الجماهير الشعبية المبدعة، وبكل ما فيها من طاقات الخير والبناء، لابد أن نرفض قيما قديمة، تواضعنا عليها، وأخذنا بها، في ظل أنظمة لم تعد تصلح لنا. وإذا ما وضعنا الإنسان، الجماهير الإنسانية، في مركز الاهتمام، واعتبرنا إن كل القيم المادية والروحية إنما هي في سبيلها، ومن اجلها، ما كلن لنا أن تتقيد بحرفية قوالب وضعت لزمن غير زمننا. أننا في رفضنا إيديولوجية الأنظمة البالية نكون نستجيب إلى نداء الصراع التطوري المستمر، إلى نداء الحياة.
موقف اللغـة
واللغة، هذا الكائن الحي المتطور هو الأخر لا يشذ عن قاعدة كل حي. أن حاجات الجماهير وحاجات الثقافة والعلم لابد أن توجد تطويرا مرموقا في اللغة. فثمة عشرات ومئات الألفاظ تموت لتحيا مكانها عشرات ومئات الألفاظ الضرورية. وليس هذا فقط بل أن قوالب التعبير، هذه الأشكال، تتطور أيضا حاملة زخما جديدا، فاتحة ءافاقا لا تحد.

إذا كان أواحـد انعــدام الأخــر!
وتحضرني بهذه المناسبة، صراع القديم والجديد، نادرة لأحد الفلاسفة القدامى، ولعله كان يلقي درسا على تلاميذته، وذكر لهم الموت فأدركهم الهلع من إطلالته المخيفة بمنجله الرهيب، فضحك الأستاذ وقال بهجة الواثق، ولم نخشى شيئا عندما نكون نحن لا يكون هو، وعندما يكون هو لا تكون نحن!
ترى هل تنطبق هذه النظرية على القديم والجديد، فإذا كان احدهما لم يكن الأخر. أن الأمر ليس بمثل هذه البساطة، كما أن قضية الحياة والموت هي الأخرى لا يمكن لنا أن نكتفي بتلخيصها هكذا أو الوقوف عند هذا الحد من شجاعة مفتقدة يفتش عنها الفيلسوف القديم.
أن هناك اتصالا عميقا بين الحياة والموت. يموت القديم البالي الذي استنفذ طاقته، ليحيا أبدا الجديد الذي سيدركه البلى يوما من الأيام وسيتلاشى عندما يفرض الموت وجوده، ولكن الشيء الخالد الحي أبدا هو هذا الطموح دوما إلى الأحسن، وهو هذا التطور المستمر وهو وحده المنتصر، وان شئت قلنا له: الجديد.

 


 
 


 


 
 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here