islamaumaroc

قصائد حب عربية: منتخبات من شعر نزار قباني (مقدمة كتاب-) (تر.م.ع.المساري)

  دعوة الحق

87 العدد

تقـــديم:
اصدر المعهد الاسباني-العربي للثقافة بمدريد، ضمن سلسلة مطبوعاته في الأدب العربي كتابا جديدا بالاسبانية بعنوان (قصائد حب عربية) يقع في 145 صفحة.
وهو عبارة عن مختارات من شعر الأستاذ نزار قباني، وقي ترجمها إلى اللغة الاسبانية السنيور (بيدور مارتينيت مونتا بيت) العضو بالمعهد، وقدم لها بنبذة مستفيضة عن تاريخ حياة الشاعر وتحليل شعره، والمؤثرات التي أدت إلى تكثيف إنتاجه، مع الإشارة إلى نزوع الشاعر نزوع التجديد في نظمه، غير متقيد بالأوزان والقوافي التقليدية التي لازمت الشعر العربي خلال أطواره المختلفة.
ويسرنا أن نقدم لقرائنا الكرام مقدمة الكتاب التي عربها الأستاذ محمد العربي المساري.

الرجـــل: 
ولد نزار القباني بدمشق في 21 مارس 1923 مع مولد الربيع في أحضان أسرة ثرية سورية، وكما يقول بنفسه فان منزل عائلته كان دمشقيا واسعا وعتيقا، تكثر فيه المياه والورود، وهذه الارتسامات الأولى هي التي بقيت منقوثة في شعره.
والبورجوازية السورية معروفة برهافة حها وبثقافتها، وفي عائلة الشاعر لم تنعدم سوابق أدبية، فقد كان والده تاجرا مرموقا في حيه وفي نفس الوقت كان وطنيا بارزا-والتجارة والأدب والوطنية كثيرا ما تمتزج في هذا الركن من الأبيض المتوسط، وكان والد الشاعر رجلا دورة عجيبة على التقاط كل ما هو جميل، وكان احد اهتمامه-عبد الجليل القباني- واحدا من رواد الانبعاث المسرحي في سورية والقاهرة، وكان في نفس الوقت شاعرا ومؤلفا مسرحيا وملحنا.
وامتازت طفولة الشاعر بميل غريب إلى اكتشاف الأشياء والتعمق فيها ثم تهشيمها، كان الشاعر طفلا بهيم بالأشكال الجديدة وكان يكسر الأشياء الجميلة التي في متناول يديه ويأخذ في البحث عن أخرى أجمل منها، يمنكن أن يكون هذا هو شان كل الأطفال، أما بالنسبة لشاعرنا فهو ابرز ما فيه، السنا نلمس حتى الآن تلك الطفولة تنبض في شعره، انه لا يزال ذلك الطفل الحنون العاطفي اللامبالي الذي يقيم وزنا للأشياء لا يزال طفلا أنانيا... بل قاسيا في بعض الأحيان.

لقد أحس الطفل في البداية بانجذاب قوي نحو الرسم، ففيها بين الخامسة والثانية عشرة من عمره-وهذه أيضا أقواله- كان يعيش في بحر من الألوان، كان يرسم فوق الأرض وفي الهواء وعلى الجدران، كان يخترع الألوان والأشكال، وسنرى كيف أن الاهتمام باللون سيصبح من الأشياء البارزة لديه، سنرى أبياتا قد تقتصر على ذكر الألوان... الأزرق مثلا أو الأصفر أو الأخضر.
هذه السن من جهة أخرى هي من الدراسة التي تابع فيها الشاعر دروسه بانتظام، وبعد هواية الرسم والخطوط والألوان استبدت به حمى من نوع أخر، هي حب الموسيقى، ولم يستمر ذلك طويلا. كان الأشغال المدرسة أخذت تبتعد به عن تلك الطريق، إلا أن الطفل اخذ يظهر ويؤكد حسه الجمالي وميله إلى الأشياء اللامعة والمضينة.
هذه الفترة من طفولة ومراهقة الشاعر هي فترة الألوان والأصوات ثم جاءت مرحلة أخرى ولنستعمل كلمات اليخاندرو وكاصونا العجيبة، ونستطيع أن نؤكد أن الرسم والموسيقى هما الدرجتان اللتان ارتقاهما إلى دنيا الشعر.
وقد أتته الشاعرية في وسط بيئة جد ملائمة وهاجة ومتجددة إزاء إطار شاسع المدى وغير محدود بالزمن هو البحر، وعلى وجه الدقة البحر الأبيض المتوسط.
أليس من شان هذا أن يوحي لنا بأشياء كثيرة؟ بالفعل ففي سنة 1939 أبحر نحو ايطالية في رحلة دراسية وحينذاك انشد قصيدته الأولى التي أذيعت من إذاعة روما، وكانت في الحنين إلى دمشق الرأس
وتأتي بعد هذا المرحلة الجامعية ويلحق الشاعر بجامعة دمشق لدراسة الحقوق، ونزار قباني مثل جميع السوريين يبين عن عقلية عملية ومتيقظة وسريعة الانسجام مع عالم القوانين رغم انه-وجوديا- لم يرضخ أبدا لذلك العالم، فقد أغراه شيء أكثر لمعانا هو عالم الدبلوماسية
وفي نفس السنة التي تخرج فيها من الجامعة مجازا في حقوق عين بالخارج في القاهرة، وقبل ذلك بسنة وهو إذ ذاك في 21 من عمره نشر أول ديوان له. ثم في نفس العام الذي أنهى فيه دروسه تزوج.
كان الشاعر قد بدا يفرض وجوده، ومن الجائز أن يكون القباني قد أبدى نوعا من الحذلقة وهو في العاصمة المصرية تلك المدينة المتعددة الأضواء وذات السحر العجيب، خصوصا في فترة سياسية واجتماعية حرجة مفعمة بالتغيرات، كتلك التي كان من نصيب شاعرنا أن يعيشها، وذلك شيء طبيعي فقد كان شابا وشاعرا، والقاهرة عالم لامع لا يوجد له مثيل في الشرق.. كل شيء فيه يلمع ويتلالا، ولكن القاهرة باب على أوربا أو على العالم (الراهن) فهي أكثر تفتحا من دمشق المختبئة وراء جبال لبنان، وهي ذات مجتمع أكثر تحررا، وهناك عاش الشاعر ثلاث سنوات، من 45 إلى 1948.
في سنة 1948 انتقل إلى تركيا حيث عمل في أنقرة وهي عندي من المدن التي لا يماثلها إلا عدد قليل من مدن العالم، وهناك عاش حتى سنة 1950 التي عاد فيها القباني إلى بلده وقضى فيه عامين حتى سنة 1952 وإذ ذاك قفز شديدة الإغراء لأي شرقي معاصر نحو أوربا، بل ارضي أوربية ذات لون خاص هي انجلترا وفي أوربا أكمل الشاعر ثلاثين سنة من عمر، وهي السن التي تمتزج فيها الأفراح والدموع بهدوء، وفي لندن عاش الشاعر ثلاث سنوات، من 1952 إلى 1955 ولم يستطع الضباب أن يوقف تطور شعره ولا تطور حياته، فالضباب ينطوي على شيء عجيب، والضباب متغير وهو إطار جيد لشعر القباني، وهو رجل ثم أن الثقافة الانجليزية ليست غريبة عن الرجل، بالإضافة إلى هذا كانت لندن شيئا صميما ومؤلما بالنسبة لحياته العاطفية.
أتت بعد ذلك إقامة قصيرة للقباني في بلده-وهي فترة لا بد من دراستها- تلتها عدة أسفار دبلوماسية، الأولى إلى بكين التي عاش فيها الشاعر من 58 إلى 1960 في هذه الفترة يذكر الشاعر عيني حبيبته، حبيبة تعني الشيء الكثير بالنسبة للشاعر رغم انه لا يريد البوح بذلك، حبيبة تعني أكثر من الأخريات، غير أن الناقد ليس له أن يخدش هذا العالم الصميمي للشاعر في هذه الفترة كتب القباني مثلا (ثلاث بطاقات من آسيا) و (اكبر من الكلمات) اللتين نشرهما القباني في آخر دواوينه حتى ألان (حبيبتي)
بعد ذلك عاد الشاعر إلى الشرق العربي، وعاش في بيروت سنتي 60 و 1961، ثم أتت القفزة الدبلوماسية الأخيرة.. نحو عالم يشتهيه أي شاعر عربي.. هو اسبانيا.. وفي اسبانيا ينبعث من الماضي عالم رحب.. له أثره على النفس في المجال التاريخي والعاطفي والأدبي، في اسبانيا يتولد الحنين إلى ماضي محبوب ويتم اكتشاف حاضر مجهول تماما أو مبلغ عنه بطريقة مزيفة أحيانا، في اسبانيا اكتشف شاعرنا بلاد الأندلس، لقد كان مسقط رأسه بمدينة أسطورية قديمة، وفي الأندلس تتلقاه مدن أسطورية قديمة أمثال قرطبة واشبيلية وغرناطة غنية هي الأخرى بالماء والورود، ويتلقى الشاعر من الأندلس رائحتها وضوءها ولونها وحزنها المكبوت، فهل كان لذلك كله تأثير ما في شعر القباني...؟ انه من السابق لأوانه أن نجيب على هذا السؤال.
آثــــاره:
نشر القباني حتى الآن ستة دواوين وبحثا نثريا نذكرها فيما يلي مرتبة حسب تاريخ الصدور:
- قالت لي السمراء الطبعة الأولى في دمشق 1944، وطبعات أخرى في بيروت 58/60/1961.
- طفولة نهد الطبعة الأولى في القاهرة 1948، وطبعات أخرى في بيروت 55/60/1961.
- أنت لي. الطبعة الأولى في دمشق 1950، وطبعات أخرى في بيروت 58/60/1961.
- سامبا. الطبعة الأولى في بيروت 1949، وطبعات أخرى في بيروت 58/1960.
- قصائد الطبعة الأولى في بيروت 1956، وطبعات أخرى في بيروت 57/58/60/1961.
- حبيبتي الطبعة الأولى في 1961، وطبعة أخرى في بيروت 1961.
- الشعر قنديل اخضر (بحت) الطبعة الأولى في بيروت 1963.
نستطيع أن نستنتج من مراجعة هذه اللائحة عدة ملاحظات هامة، إذا أردنا أن تقوم بدراسة كاملة لظروف وتطور شعر القباني وقيمته الجمالية.
من ذلك مثلا أن شهرة الشاعر وانتشار ءاثاره تبدأ في سنة 1955 تقريبا، في نفس الوقت الذي صدر له ديوان (حبيبتي)، ولا يبقى مجال للشك في هذا إذا ما اعتبرنا انه فيما بين سنتي 56 و61 هناك 17 طبعة معادة لدواوينه بينما لم تبلغ في الاثنتي عشرة سنة السابقة لذلك إلا خمس طبعات. وعلى هذا فديوان (قصائد) هو الذي يتوج شاعرنا وهو ديوان كتب عن أخره في أوربا.
لقد أصبح القباني شاعرا جماهيريا.. وأنا أؤكد انه حقق جماهيرية كبيرة في أوساط الشباب ذلك أن جزءا كبيرا من الشبيبة العربية قد عاشت في السنين الأخيرة متأثرة في المثال أكثر مما في الواقع للوقت الذي اتخذه القباني من الحب، فقد كان القباني يقدم للشبيبة العربية نوعا جديدا من الحب تتزاوج فيه العقلية الشرقية بالغربية، فشعر القباني شعر في مكنة أي عربي.. وبالأخص أي شاب عربي، وهو في نفس الوقت ملطف ومعطر بالعطر الأوربي، انه شعر مكتوب بلغة الشارع، لغة المثقفين العرب القريبة جدا إلى اللغة التي كان شاعرنا «بيكه» يكتب بها، وهو شاعر يحبه القباني كثيرا، وقريبة في نفس الوقت إلى لغة (خوان رامون خيمنيث)، أن قصائده هي أناشيد أو أغاني أكثر مما هو شعر، ومن ذلك قصيدة (أيظن)، ومن أسهل ما تمتزج الموسيقى والشعر في الشرق-هذا الشرق الذي يعلمنا كثيرا من الأشياء ويطلعنا على كثير من الاكتشافات- وهي أشياء صعبة وشاقة علينا نحن.
وقد بلغت شهرة القباني شأوا بعيدا إلى حد إخراج طبعتين في سنة واحدة من ديوان (حبيبتي) الذي هو بالنسبة لي أفضل دواوينه، ومن المناسب أن نعلم أن ما طبع من هذا الديوان هو 25 ألفا نسخة، وهذا ما لا نحلم به هنا حيث يتعذر بيع كل هذا الرقم المرتفع من كتاب شعري، وإذا افترضنا أن توزيع الكتاب العربي هو أحسن تنظيما من الكتاب الاسباني فيجب أن نراجع ءاراءنا في الشعوب (المثقفة) والشعوب (المختلفة).
ويحسن بنا أن ننبه إلى أن القباني شاعر صنعه بيروت مثل كثير من الشعراء العرب الشبان المعاصرين، وفي بيروت يلتقي الشرق والغرب، وهو البلد الذي نشأت فيه ميتولوجيا الحب والشباب والجمال .

شعـره:
أنا اعتقد أن الشعر غير قابل للتفسير، ففي أمكننا أن نكشف عن هيكل قصيدة ما وان نبين ونفضل العناصر المكونة لها وان نحدد مميزات الشاعر الموضوعية، واللغوية والتقنية أو مميزاته العاطفية، لكن، حلف هذا كله يبقى هنالك (شيء) اسمه الشعر على حد تعبير البيت الرائع الذي كتبه (ليون فيليبي).
الشاعر قلعة صخرية صعبة المثال، يمكن أن ترى ويمكن أن تصل إليها بصعوبة، ولكن لا يمكن أن نغزوها، أن غابة كثيفة تحيط بالشاعر، لا يتأتى فيها سوى البحث عن ممرات جانبية، وهذا ما سنحاوله مع القباني: سنبحث عن طرق للتوغل في عالمه، لكي يتاح لكل منا أن يتمشى فيها بحرية، حتى يصل إلى حيث يمكن الشعر.
الشاعر يتطور وسط بيئة، ويتلقى تقاليد معينة، وعن القباني يمكننا أن نقول انه شاعر عربي من عصرنا، وبهذا نكون قد قلنا ببساطة كل شيء، غير أن الأشياء البسيطة فيما يبدو هي تلك التي تتطلب المزيد من الشرح، وهذا ما سنحاوله.
فلان القباني شاعر عربي، هذا معناه انه تلقى تقاليد شعرية مضبوطة، تقاليد مجيدة عمرها خمسة عشر قرنا، تحددت منذ البداية مبادئها الشعرية التي بقيت تقريبا بدون تغيير، وتحددت بها أيضا إبعاد في الشكل وفي العمق، أي أن الشعر العربي ظل يولد وهو مخلوق كامل ناضج، وكانت للشعر العربي قيمته الثابتة بشروط غير قابلة للتجاوز، دون التخلص طبعا من عبقرية اللغة العربية وعطاؤها في النغم، والقافية والاستعارة والصور الشاعرية.
وللشعر العربي مفهوم ليست له أية علاقة بمفهومنا نحن عن (الشعر) فما يعبر عنه في اللغة العربية بكلمتين اثنتين (نظم) و (شعر) لا علاقة له بالخلق.
فالشاعر في هذه الحالة يكون هو ذلك الفرد الذي يجتاز تجربة معينة ثم هو يعرف كيف يعبر عنها بطريقة منظمة وأنيقة، ويعبر القباني عن هذا بان موضوعات القصيدة العربية تعرض كما لو كانت (منتجات صيدلية).
ففي الشعر العربي الكلاسيكي نعثر إلا بصعوبة على (الإشعار) إذ (القصيدة) العربية بتركيبها المحدد بقوافيها، ورنينها الذي لا بد منه، هي بمثابة عمارة تتركب من عدة طوابق لا علاقة بينها.. أنها معرض لقطع متباينة. ولهذا فان انجح الترجمات التي نقلت الشعر العربي إلى اللغات الأوربية هي تلك النماذج المجتزئة، وعلى هذا فان أحلى المهام التي على الشعار العربي أن يقوم بها هي أن يرقع من هذه الاقطع ثوبا موحدا، وكان على الشاعر العربي الحديث أن يجتاز من (القصيدة) إلى (الشعر)، إلى شعر يبدو كأي كائن حي متمتعا بأطراف منسجمة عضوية، شيئا موحدا، وحدة حقيقية وداخلية وليس وحدة ظاهرية وسطحية.
وعلى هذا فان الشاعر العربي الحديث عليه أن يكون شاعرا مجددا، والتجديد يمكن أن يتم على عدة أشكال، والحقيقة أن أشكال التجديد يمكن أن تكون بعدد الشعراء الموجودين، أما في الأساس فالتجديد يتم عن نحوين: تجديد ثوري يكسر القوالب ويهدم السدود وبخلق أشكالا جديدة للتعبير ذات جذور غريبة عن الروح الغنائية التي يراد أن تخضع لها تلك الجذور بصورة طبيعية، مع أنها قد تبدو باستمرار غير قابلة للانسجام مع طبيعة لغة الشعر (الغنائي) وهناك تيار تجديدي أخر يخضع القوالب ويجرب مختلف الصبغ، ويحاول أن يوجد الانسجام بين الرصيد المكتسب وبين التغييرات التي لا بد من إدخالها، وقد اخذ بالطريقة الأولى شعراء (رومانسيون) بينما اخذ بالطريقة الثانية شعراء (كلاسيكيون جدد) ومن المجموعة الأولى بعض الشعراء العراقيين الكبار المعاصرين أمثال (بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي) أما شاعرنا نزار قباني فقد اختار الطريقة الثانية ذلك الشعر العربي الرائع إلى ما زال يتوفر على الحيوية القادرة هي خلق صراع بين (القدامى) و (المحدثين) وعلى خلق حلول (كلاسيكية جديدة) تنطوي على الإنفاذ المحقق.
وهذا هو نزار قباني المجدد الذي غير الشكل والمحتوي، وغير الشكل والعمق، ليستعمل المصطلحات الدارجة على الألسن، وليقدم على مزج التفعيلات العروضية الجامدة، وليصنع من ذلك صيغا مقبولة، وثمينة ومعبرة، بل أكثر من هذا أن نزار قباني قد اخترع موسيقاه الخاصة وجريه الخاص، وهذا ما يجسم صعوبة ترجمة شعره، ذلك أن موسيقاه الخاصة الفريدة من نوعها نابعة من القصيدة ذاتها وممتزجة معها بطريقة عضوية غير قابلة للانفصال عنها.
أن الدواوين الأولى لنزار قباني تبين لنا عن شاعر يكاد يكون تقليديا رغم ميله إلى أن يبدو عصريا فكان خاضعا لسيطرة الوزن والقافية الموحدة غير أن الوزن والقافية قد أخذا يندرجان في الفراغ ليضمحلا أخيرا ويحل محلهما اهتمام عارم بالإيقاع لكن دون أن يختفيا نهائيا، إذ انه اخذ يبحث عن أوزان جديدة، بواسطة مزج تفعيلات لم يسبق مزجها من قبل في الشعر العربي وذلك حينما اخذ يبسط نفوذه على الكلمة ويمتلكها ويحتويها إلى أن وصل إلى خلق أبيات شعرية هي ليست شيئا أخر سوى: كلمات خالصة، كلمات بسيطة جدا ودارجة على الألسن.
كما انه حول أيضا موسيقى القصيدة التي أصبحت موسيقى اوركسترالية سمضونية دخلها الهاوموني والنصف والربع مقام، بعد أن كانت القصيدة العربية ذات موسيقى صادقة عن ءالة وحيدة الوتر، لقد أصبحت القصيدة عند نزار تعبر حتى بالصمت وما أفصحه.
ويكاد يكون القباني شاعر موضوع واحد هو الحب، وأقول (يكاد) لأنه تناول في بعض الأحيان-قليلة على أي حال وبتوفيق اقل- الموضوعات الوطنية والسياسية والقومية، بل انه يتناول حتى الموضوعات الاجتماعية التي أصبح تناولها سائدا اليوم في كل الآداب والتي لا يمكن الانعزال عنها.
أما الشخصيات التي تدور حولها قصائد القباني فهي مختصرة جدا، فليس هناك سوى (الشاعر والحبيبة)، وليست هناك حبيبة واحدة حقيقية اوحت بقصائد القباني بل أنهن كثيرات، وهذا أمر من السهل ملاحظته فيما اعتقد، ففي شعر القياني ليست هناك ءاثار (العيون) أو (الصوت) أو (شعر الحبيبة) بل إننا لن نجد إلا عيون وصوت وشعر حبيبات كثيرات، وعلى أي حال ففي رأيي أن للحبيبة، واحدة معينة بعدا اكبر-واعني حبيبته المرحلة قبل الأخيرة التي سبقت ديوان (قصائد) وهذا البعد ي بوضوح أكثر في ديوانه الأخير الذي يحمل عنوانا معبرا هو (حبيبتي) وقد سبق أن قلت أن هذه اللحظات المعقدة من الحياة هي التي يأتي دورها الآن في التنقيب عنها، ذلك أن العينين اللتين لا ترافقان الشاعر في مشاهداته (بهونغ كونغ)-واقراوا بطاقاته الثلاث من ءاسيا- تينك العينين اللتين وجه إليها وسائل الغرام هما اللتان مارستا اكبر التأثير على وجدان الشاعر- تينك العينين البعيدتين.
ويقدم لنا قباني وجها أخر للازدواجية، فهو في كثير من القصائد يتحدث باسم المرأة مثل (شؤون صغيرة) أو (كلمات) الأمر الذي يحير القارئ الغربي، غير أن شرح لك يجب إلا نبحث عنه في الأسباب غير العادية.

ثم أن قباني قد اختار عالمه منذ البداية وهو عالم الأقمار والنجوم والجواهر، القماش فيه من حرير، والروائح والعطور، والأحجار والجواهر، عالم ليس فيه مكان للحزن كما يقول الشاعر بنفسه.
هذه تقريبا هي الحقيقة لكنها ليست الحقيقة كلها، لان هذا العالم اللامع، الربيعي، الفتي المرح اخذ في التغير، فقد بدأت تطرقة قرقعة الحزن، والتعاسة، ومن جهة أخرى... أليس الشباب حزينا تعسا ومرحا في نفس الوقت؟
وهذه الإشارة إلى الحزن في نظري ظاهرة بوضوح في قصائد معينة توجد في أسمى مكان من أثار وحياة نزار قباني هو الذي أعطيه أوفر نصيب من الاهتمام لأنه هو الذي هداني إلى الشاعر حين قرأت له (أغنية إلى مسافرة) وهي القصيدة التي سميتها ذات مرة (أغنية إلى الحبيبة البعيدة) كما أن تلك الإشارة موجودة أيضا في (نهر الأحزان) وفي (الطائر الأخضر)
فلعل الشاعر قد بدا خريفه وما أكثر من يعدنا به الخريف من ثمار.

لقد قال (لويس ماسينيون) عن (الزمن عند المفكرين المسلمين) أن العربي هو رجل اللحظة لا الاستمرار، وهذا مهم جدا لنشرح بعض قصائد قباني فالأشياء تهمه في لحظتها الآتية، وحينما تنتهي اللحظة تنتهي إلى الأبد، فشعر قباني مفتقر تمامنا إلى البعد الزمني كما نراه عند (انطونيو ماستادو) أو (ديلان توماس)، وهذا في غالب الأحيان بالنسبة إلى الذوق الغربي على الخصوص ابرز ضعف فيس شعره، وهذا ما يجعل ذلك الشعر في بعض الأحيان، فارغا وغير مسئول، غير انه لا يمكن أن نطلب من شاعر عربي مسلم لن يهتم بالزمن.
والحب بسبب ذلك مثل كثير من الأشياء الأخرى في الحياة-كالحياة نفسها- لا يمكن أن يستمر، الحب شيء نحسه لكن لا يمكن أن نعرفه، الحب شيء أخر غير العادة، والعادة تقتل الحب.

أخشى أن يحكم القارئ الاسباني على هذا الشعر بأنه شعر (حب الذات) فهذا غلط في رأيي، انه شعر مختلف عن ذلك الذي تعودنا قراءته على الرغم من انه يشبه إلى حد بعيد، وهذا أهم ما فيه، انه شعر في منتصف الطريق نحو الشعر الغربي.
وأخيرا فهو شعر واقعي، يتحدث فقط عن الأشياء التي في متناول اليد والعين : الجرائد والهاتف والدفتر والتبغ واللحاف، من الجهة، وأيضا من جهة أخرى الجواهر، والعطور والطيور والورود.
واكرر... انه شعر مستخلص من الواقع، لا يتجاوز أبدا عنه الاستعارة حدود الموجود، فالشعر العربي كما يقول (غرمية غوميث) يتحدث عن كل شيء لمجرد انه موجود، وهذا منطق واقعي مخالف لمنطقنا.
وشعر قباني.. هو شعر شعبي، يصدر في طبعات فخمة تصل إلى 25 ألف نسخة، وتذيعه كل محطات الإذاعة في العالم العربي، شعر كلماته بسيطة يمكن أن يفهمها رجل الشارع، شعر لا يحتقر المصطلح الدارجي أو كلام المثقفين، شعر شعبي يكسر الأشكال والقوالب الجرسية، والأوزان التقليدية، شعر شعبي يعاد خلقه على طريقة (بيكير) :
وهو شعر أساسه الكلمة، فقط السحر الذي تنطوي عليه الكلمة، حتى أن البيت في بعض الأحيان ليس سوى (كلمة.....)

                                                


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here