islamaumaroc

ع.ك.التوات [تعقيب]

  دعوة الحق

87 العدد

طالما تساءل المهتمون بشؤون الأدب في بلادنا عن أزمة الأدب، وعن بواعث هذه الأزمة، والواقع أن هذه الضجات لم تكون مفتعلة بقدر ما كانت تنم عن تأملات داخلية، كان يجد أدباؤنا تفسيرها في مثل هذه العبارات التي يمكن أن تتفق مع الواقع ويمكن إلا تتفق، ولكن مع هذا فنحن لا نذهب بعيدا أنزعم أن أدبنا يعيش في أزمة، وإنما نتساءل هل لنا أدب أم لا؟، وإذا كنا متفائلين فإننا نتساءل هل لهذا اللون من الكلام أصالة أدبية أم لا؟ والواقع أن معاني الأدب لم تتضح بعد في عقولنا : فالوعاظ أدباء والذين يكتبون عن الاقتصاد أدباء، ولست ادري ماذا يمكن أن يقال عن كتاب القصة والمسرحية والشعر.
أن الشعر في المغرب لازال يمسك بيده عصا الزمامة، ولهذا فنحن نقرا هذا الشعر ونحاول أن نجد فيه جديدا، أو بالأحرى تطلعا إلى الجدة، فإذا لم تكن هذه الجدة في الموضوع، فأحرى بها أن تكون في الأسلوب، وأجدني هنا مضطرا لاستعمل كلمات قد لا يرضى عنها الناقد مثل (إن هذا الشعر يخلو من الأصالة الأدبية) أو غير ذلك، لأننا خلال عصور طويلة لم نجرؤ على القول بان لنا شعرا، وان كان فلا نستطيع أن نقول: أن لهذا الشعر أصالة أدبية ممتعة إلا في النادر، وفي هذه الملاحظات التي نسجلها لا نستطيع أن نزعم  أن وسائل النقد عندنا قد اكتملت، أو إننا ننتج إنتاجا نسمح فيه لأنفسنا أن نتخذ للنقد منهاجا ما، لان النقد كالإنتاج لا يعتمد على نظريات وضعها آخرون في عصر آخر أو في بيئة أخرى، وإنما ينبع من الجو الذي يحيط بالأدب، فالإنتاج والنقد يجب أن يشملهما محيط واحد، وان كان النقد يلتقي في أشياء عامة، لا يختلف فيها الناقد من بلد إلى آخر، ومن عصر إلى آخر، مثل الأصالة، والاهتزاز... الخ، كما انه لا يجوز أن نقف في وجه النقد، بدعوى أن الناقد يجب أن يضارع المنتج أو على الأقل يسير في طريقه، إننا لا نشترط في النقد لا لنا ولا علينا، إلا القراءة والفهم الصحيح، إنني أقرا، ومن حقي أن أقرا ومن حقي أن الاحظ لأنني اقرأ، ومن
اجب المجلة أن تتقبل الملاحظة، من حقي مثلا أن أقول أن جزاء من عشرين من درهمي قد ضاع في الموضوع الفلاني، ويمكن أن يكون رأيي تعبيرا عن رأي عدد كبير من القراء المستهلكين، وقد يكون الجزء من العشرين متعددا بتعدد الافرد فترتفع قيمة هذه الأجزاء الصغيرة إلى مئات أو آلاف الدراهم، على أي حال نحن نريد أن نبث مشاعرنا للمجلة كما يبث القراء مشاعرهم إلى مجلاتهم في استفتاء ما تقوم به المجلة أو الجريدة، في موضوع إنتاجها أو في موضوع تنظيمها، أو في موضوع موعد صدورها... الخ.
ولقد كان بودنا، أن نجيب لدعوة الأستاذ المحاسني فكيف عن بث هذه الملاحظات، ولكننا لم نعد قادرين على التغافل في وقت أصبحت فيه المجلات كالسبل، بالإضافة إلى إننا متأكدون أنها ستستمر في هذه الوفرة لأسباب يعرفها الصحفيون وحدهم: -دعوة الحق-البحث العلمي-اللسان العربي-أقلام-المسرح-الطريق-... الخ، أن شيئا من الخوف قد بدا يطغى علينا في أن تنتهي هذه المجلات على العناية بالكم أكثر من العناية لا كيف، ونحن أمام تجربة كثيرة، أمام تجارية واسعة النطاق تغزونا من لبنان  وغير لبنان: ترجمة كتاب علمي من أمريكا في عشرة أيام أو اقل، إننا أمام تجربة قد تكون نتيجة للتسامح الذي نقابل به الإنتاج، ولقد سبق الأستاذ المحاسني إلى هذه الدعوة رجل أخر، رجل مرن الأعصاب، ذلك الرجل هو الأستاذ علال الفاسي، لقد ردد الأستاذ علال الفاسي شعار التسامح في موضوع الإنتاج الأدبي على أول عهد الاستقلال، ولكن لم يعد هنا من سبيل.
كما رأينا محاولة هنا وهناك يقوم بها أناس قد نشك في مكانتهم العلمية، وإذا لم يراودنا شك من هذه الناحية فقد يراودنا شك في حسن طويتهم، أن وضع المغرب كدولة لا يفصلها عن أوربا إلا بضع كيلو مترات يجعلها نحاذر خوف أن يصبح المغرب بوضعه الجغرافي أداة تعبير بواسطته الأفكار الرخيصة إلى القارئ العربي لا في المغرب وحدد بل في العالم العربي كله، إذا كانت لبنان تلعب دورها الخطير في هذا المضمار وفيها لغات ثلاث وهي على صفر حجمها فماذا يقول المغرب الذي يكبرها مساحة مرات عديدة، وقد يظهر في المغرب رأسماليون يتخذون من الصحافة وسيلة للإثراء، نظرا لهذا الأسباب كلها لم يبق لنا إلا سلاح واحد هو التمسك بحقنا في استعمال النقد، نقد الشعر، نقد النثر: الكتب الفلسفية والقصة والمسرحية، والترجمة، إننا نشك في أصالة بعض المترجمين في المغرب، كما إنني اعرف رجال الترجمة واعرف أنهم لا يفعلون شيئا، ولهذا فنحن نرفع أصواتنا عالية مطالبين باستخدام حق ما، ونحن مقبلون أيضا على إنتاج لا نرتاح له إلا إذا مر في الميزان ومع هذا فلا ينبغي أن نأخذ في أذهاننا تلكم الصورة القاتمة عن النقد وإنما نهدف لشيء واحد هو حمل أدبائنا على الإلحاح على الأصالة الأدبية حتى لا يختلط الأدب بالأعمال العلمية من فلسفة وغيرها.
إننا مقبلون على ممارسة تجربة ما وان هذه التجربة لن تقف عند حد أو عند شخص بل هي محاولة يمكن أن تكون طويلة، ويمكن أن تكون عابرة، ويمكن أن تكون محتدمة، يمكن أن تكون منا ويمكن أن تكون من غيرنا في جانب إنتاج يصدر عنا.

قراءات في قصيدة الأستاذ عبد الكريم التواتي
ولقد طلعت علينا مجلة دعوة الحق-العدد الأول من السنة التاسعة بقصيدة للأستاذ التواتي بعنوان (لقاء بطلين)، والأستاذ التواتي كما عرفته وكما يعرفه قراء العربية رجل فحل في اللغة العربية وتاريخها، يعرف العربية بقواعدها وربما بشواذها، تسأله عن المفعول فيقول لك قال الناظم الفلاني، وقال الناظم الفلاني، وربما أعطاك فتوى في النحو.
 موضوع القصيدة شائق جدا، وهل الحسن الثاني إلا عمل متواصل، وحركة دائبة يجد فيها الشعراء والمغنون ما يلهمهم ويحفز قرائحهم، ولهذا فالمناقشة لا تشمل الموضوع وإنما تشمل الإجادة في هذا الموضوع أو بالأحرى الاستجابة والتأثر الذي تتركه هذه القصيدة في القارئ من حيث هي عمل أدبي، وربما كان من الأحسن إلا نستعمل كلمات مثل النقد الجمالي، أو الإيديولوجي وإنما نتخذ عبارات يتفق معنا فيها الأستاذ التواتي كان القدماء يستعملونها «المبنى والمعنى».
إن الملاحظة العامة التي يخرج بها القارئ سواء واصل القراءة إلى النهاية أو يقف عند البداية-لا يكاد يشعر انه أمام شاعر مطبوع يقول الشعر عن سليقة وإنما يجد شعرا متكلفا غلبت عليه الصنعة، فجعل صاحبه يرصف الكلمات بجانب بعضها البعض كاللبنات الموضوعة في قالبها لا فرق بين أن تكون هذه الكلمات قد ناسبت المعنى أم لا؟ أو بالأحرى جعلت الفكرة تأخذ نسلسلها في هدوء وثبات، تأخذ الأفكار بعضها برقاب بعض، أن الكلمات التي يفرضها على الأستاذ التواتي ما يسمى «بالميزان»، تجعلني أتخيل الشاعر وقد جلس واضعا كراسته أمامه وكتب بخط عريض في أعلى الورقة:
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعل            فعلن مفاعيلن فعولن مفاعل
ثم تصور الجو الذي يحيط ببحر الطويل من علل، زيادة أو نقصا، وما لهذا الطويل من عروض وضرب وهو يردد مع نفسه:
طويـل لـه دون البحـور فضائـل
                   فعولـن مفاعيلـن فعولـن مفاعــل
وحذف كذا يقضى كذا فتصير فعولن فعو، ثم راح ينظم الشاعر على هاته الطريقة لا تحذوه فكرة معينة يريد التعبير عنها وإنما تقوده القافية والأوزان يأتي بالكلمة التفعلة ردها وجاء بكلمة مكانها تناسب الوزن حتى ليأتي البيت الواحد وفيه كلمات لا يربط بعضها ببعض إلا الوزن فيجيء البيت :
كثـوب ضـم سبعيـن رقعــة
              مشكلــة الألـوان مختلفــات
كهذا البيت :
أجبت نداء الصارخيـن، ورخصـة
                تذبـح تعذيبـا وتقصـى المنافيا
وفي بيت آخر:
أبو رقيبـة الأسمـى ويا حسن إلنـا
                           تسامنيمـا في المكرمـات تساميـا
وفي بيت آخر:
معانـي خيـر كلهـا وتفـاؤل
                   بمستقبـل فبنـان يرسـي التدانيــا
لقد تحكمت القافية والوزن في الأستاذ حتى لم يعد يراعي ما في الكلمات من معان إلا بمقدار ما تجره عليه هاته الكلمات من ربح في الوزن والقافية، وتتحكم فيه القافية حتى ليقول :
تعاهد تمـاه والملائـك حضـر
                 فشعبـا كمـا قـد! ردداه أغانيــا»
فجملة والملائك حضر لم يكن لها من معنى إلا أنها أرضت الأستاذ ليقول فعولن مفاعلن، وكذلك في جملة ردداه أغانيا، وليت شعري ما قيمة العمل إذا عند الأغاني التي تردد، أن كلمة فينان في البيت الذي سقناه قبل هذا لتشكو إلى الله مقامها وتتضرع إلى الله من فعل الخليل بن احمد الذي جنى عليها بوضعه نظام العروض، وهكذا في كل القصيدة أو بالأحرى المنظمة :
يظـل ويسمـي يبتنـي لصروحهـا
                   ويرفـع أعلاما لهـا وروابيــا
وما شان الروابي هنا إلا أنها أشبه بالبيدق الذي جاء ليملا المربع الفارغ:
وأنـت الـذي انشاتهـا وخلقتهـا
             وقلـت لهـا: كونـي فكانـت غواديـا
وتونـس أضحـت في عهودك مو
                 نـل وحصنــا للفتــوة عاليــا
وما فائدة عاليا هنا وهل هو برج للمراقبة، أن كلمة عاليا نيس لها هنا من مبرر إلا أنها جاءت تملا المربع وهكذا في اغلب المنظومة تجد كلمات في اختلاف التناسب بينها، كالأثواب المزركشة التي تختلف فيها الألوان اختلافا كبيرا:
ولاذوا بوهم لم يحل دون طردهم
                 بعيدا حيارى يذرفون السواجيا
إن كلمات بعيدا وحيارى والسواجي تتناطح كلها في هذا البيت، فما أصلح كلمة حيارى والسواجي الأولى في معناها والثانية في حروفها للغزل:
إن الشاعر الذي تستعبده القافية إلى هذا الحد نسميه ناظما
.   .   .   .   إلى الوحدة الكبرى وكان فدائيا
.   .   .   .    نزلت الأغر الهاشمي أماميـا
.   .   .   .    يفل الحديد بالحديد مساويــــا
لقد أفسدت أيها الأستاذ هذا المثل بزيادة كلمة مساويا، وأما المؤكدات بالمصدر فقد كانت إحدى وسائل الترضية لبحر الطويل :

.   .   .   .   .   تساميتما في المكرمات تساميا
.   .   .   .   .   تواصيتما مستبسلين تواصيـــا  
ولقد بلغت القافية من التحكم في الأستاذ أن جعلته يتخذ من بعض الحروف تكأة كما تتخذ العصا للأعرج يستعين بها في سيره، ولقد وقفت عند هذا البيت وأنا لا أتمالك من الضحك :
تعانقتما يا بارك الله فيكما    *    وأولاكما نعماءه والأيادي
تعانقتمـا بابا
فعولن مفاعيلن
لقد طالت وقفة الأستاذ أمام تلك الياء في مفاعيلن بريد أن يقول مفاعلن فيفسد ما بعدها وينتهي به الحال إلى تعقيد عروضي، وقد أعجبته كلمة بارك الله فيكما لم يرد أن يجعل مكانها كلمة أخرى فيعمد إلى معالجة هذه المشكلة بتلك الياء التي لا أجد لها اسما غير أن نطلق عليها مسمار جحا.
ولعل الأستاذ لا ينكر معي أن الحروف في تشابهها رسما أو عروضا أو عدد الحروف أو شكل الحركات-كالشياطين في صورة الملائكة، وكم من حروب قامت ورقاب ضاعت بسبب تبديل حرف مكان آخر، ترى لو انقلب لك هذا المسمار الذي هو «يا» إلى لا وهي مثلها حركة ووزنا وتكاد تكون كذلك شكلا-ترى لو وقع هذا التغيير وكنت في عصر تقبض فيه نفس الشاعر لأقل هفوة يصدرها، ماذا يمكن أن يكون؟ أن هذه المسامير الجحوبة كثيرة وقد نجر القافية صاحبها إلى أشياء قد لا يدري احد عاقبتها:
فقودا                   شعوبينا               إلى الخير إننـا
فعولن                  مفاعيلن

لقد تحكم الوزن في الأستاذ فجره إلى أن يبعثها عنصرية وهو لا يدري انه يفعل ذلك، ولعله أراد أن يقول شعبينا فاختل له الوزن فارضاه، واغضب شعبين كاملين وجعل كلا منهما شعوبا، ثم عمد إلى هاته الشعوب فثناها، ولست ادري في أية لغة من لغات العرب يكون الشيء جمعا ومثنى في آن واحد إلا أن تكون هذه العملية أيضا جحوبة، انك أردت أن تربح بيتا فخسرت شعبين، وجعلت كلا منهما شعوبا، أنها عملية جحوبة، لا شك فيها، لقد فعل جحا مرة مثل هذا إذ جاء راكبا راجلا. إن الكلمة لا تحتمل إلا أن تكون شعوبنا أو شعبينا، ولقد آثر حضرة الناظم شعوبينا ليبقى سعادة الطويل راضيا، وتأتي الكلمات لتفرض نفسها على البيت من هنا وهناك لا يراعي فيها تداعي المعاني بقدر ما يراعي فيها الأوزان
وأما كلمة «أبو رقيبة» فقد جعل منها ناظما عونا وساعدا كبيرا، فلقد كان تناسبها مع الوزن حافزا جعل الأستاذ يقولها وبعيدها مرات عديدة وقد حرص على أن يتخذ منها مفتاحا لبيت جديد، لذلك فهو لا يكاد يذكرها إلا في أول البيت، وان تناسبها مع الوزن جعل شاعرنا ينسى أن خطاب رئيس دولة بمثل هذه الصورة لا يخلو من وقاحة. أن عصرنا الذي نعيش فيه قد علم الناس بما فيهم رجال السياسة أشياء لا تحصى من ضبط الأعصاب إلى تمالك النفس.
إن القافية كادت تقود الأستاذ كما يقود البصير أعمى أو بالأحرى كما يقود أعمى رجلا مثله، أن فكرة الإعجاب بالكم قد سيطرت على الأستاذ فراح يملا الجو كلاما منظوما لا معنى فيه للشعر ولا رائحة أبدا ولعل الأستاذ إنما كان يتقاضى أجرا بعدد الأبيات لا بروعتها وجودتها وأصالتها حتى لكانه يبيع الشعر بالكيلو ويحرص على أن يكون الكم وأقرا وإلا فما معنى هذا الجناس:
أبو رقيبة الأسمى ويا حسن السنا
وإلا لو كان الشعر شعورا ولم يكن كلمات وأوزانا عروضية لما كان هذا البيت وشبهه:
أبو رقيبة الغالي ويا حسن الرضى
(وتلك سجانـا يعرب أن يعربـا)
إن شعر الأستاذ التواتي يرجع بي إلى ذكريات غير بيدة، ذكريات ظهور أغنية «شمس العشي»، كم كنت اسمع هاته الأغنية واستطيب أنغامها، غير أني كنت أقف حائرا عند فقرة من فقراتها، أو بالأحرى جملة من جملها أنها (طأني طنان) لقد كنت أقف عند هذه الجملة لا اعرف معناها حتى شرحها لي يوما صديق كان يغنيها في جمع من الطلاب بأنها مجرد تكملة للوزن لا معنى لها، ولذلك فإننا سواء في شعر الأستاذ التواتي أو في غيره كلما وجدنا كلمات لم يرد بها أصحابها إلا تكملة البيت أو الوزن قلنا أنها من باب (طأني الطنان) ولهذا فلا ينبغي أن يطول عجبنا عند كلمات (وكان فدائيا) و (تواصيا) و(حواريا) و (تساميا) و (مساويا).
سيدي الأستاذ، أن الخليل بن احمد لم يكن يصنع العروض ليضع طريقة التفعيلات لصناعة الشعر حتى يقول الشعر كل من يحفظ التفاعيـل، ذلك أن الكلام قد يكون موزونا مقفى، وليس فيه من رائحة الشعر شيء كما هو الحال في منظومة الألفية ومنظومة ابن عاشر ومنظومات أصحاب الشعر بالكيلو، لقد كان الخليل يريد فقط أن يجعل للشعر العربي شبه مقاييس يحاول بها معرفة اختلاف موسيقاه، واحسب أن الأستاذ يتفق معي في أن صناعة الشعر سبقت علم العروض بزمن طويل فمنذ عصر امرئ القيس والناس يقولون شعرا لا يفقه احد منهم للعروض معنى، وإنما كانت تحذوهم موسيقى طبيعية، ولم يكن يخطر ببال الخليل ابن احمد أن يضع للشعر قانونا وطريقة ما تخول الإنسان أن يقول الشعر بمجرد ما يتوفر على هاته القواعد العروضية.
أن الشعر في المغرب، إلا في اقله، يكاد يكون نظما فالذي يجعل تفاعل العروض بين يديه يريد ترضيتها ناظم ولو صح عنه الوزن، والذي يقول شعرا ثم يحاول إن يقيسه على طريقة الشعر عند العرب شاعر وان اختل عنده الوزن، نحن نريد شعرا أن لم تكن فيه أفكار فعلى الأقل موسيقى:
إن أذواقا استطابت شعر بشارة الخوري:
الصبا والجمال ملك يديك
         نصب الحسن عرشه فسألنا
أي تاج اعز من تاجيك
         من تراها له فدل عليك
 
وشعر علي محمود طه:
 أين من عيني هانيك المجالي
            موكب الغيد وعيد الكر لفال
يا عروس البحر يا حلم الخيال
            وسرى الجندل في عرض القتال

وشعر احمد فتحي:
 حلم لاح لعين الساهر
         حين ألقى الليل للنور وشاحه
وتهادى في خيال عابر
            وشكا الظل إلى الرمل جراحه
 
وشعر نزار قباني في قصيدة تلفون:
صوتـك القـادم من خلـف الغيـوم
              سكـب النـار علـى الجـرح القديـم

إن نفوسا استطابت مثل هذا الشعر وبلغ منها الرقي في الذوق درجة يجعلها تهتز له في الصباح والمساء، تهتز له شعرا يقرا، وإلحانا تغنى بأصوات عذاب-كيف تريد لها أن تهتز لهذا الشعر بل كيف يجوز لهذا الشعر أن يجرؤ لينفذ إلى أعماق نفسها أو بالأحرى ليطرق الأذن مستأذنا يريد الدخول.

وختاما فأنني أريد أن أقول كلمتين:
1) أن اهمس في أذن الأستاذ التواتي قائلا?انك لم تفعل شيئا لا في المبنى ولا في المعنى).
2) أن اصرخ بأعلى صوتي كما يجهر المؤذن للنداء بالصلاة:
(إلا أن الأدب صياغة قبل كل شيء) والسلام.


 
 

 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here