islamaumaroc

منابع الشعر وحقيقة الشاعر-3-

  دعوة الحق

86 العدد

وصلنا الآن في تحليلنا إلى مرحلة بدأت تظهر لنا فيها ضرورة التعبير الشعري، ولعل كلمة الضرورة لا تؤدي تماما وبكل تدقيق المعنى الذي نريد، فهو بالطبع ليس ضرورة بالنسبة للحاجيات الأولى للإنسان ولكنه ضرورة بالنسبة للطموح الحضاري الذي حمل معه الإنسان منذ بداية التاريخ. فلقد خرج الإنسان إلى الوجود وهو يحمل إلى جانب حاجياته البيولوجية، التي يشترك فيها مع الحيوان، إرادة فطرية تدفع به إلى الخلق والإبداع والبحث عن الأسرار والتنقيب عن المجهول، وهذه الإرادة التي ترتفع به عن المستوى البيولوجي البحت فيها تتجسم ماهية إنسانيته. وفي هذا المستوى الإنساني تبرز ضرورات أخرى لا بد من التسليم بها وتقديرها حق قدرها إذا أردنا الإبقاء على القيم الإنسانية.
والتعبير الشعري هو من هذه الضرورات التي يصادفها الإنسان في طريقه حينما يريد أن يقوم بدوره الطبيعي في عالم الخلق والابتكار، فهو يدرك بالممارسة والتجربة أن مكانه لا يعوض وأنه ليس مجرد شكل بدون مادة يمكن تحويله والتصرف فيه دون أن يتغير شيء مما ينطوي في عمقه، بل إنه جوهر قائم بذاته، له واقعه الخاص به الذي لا يمكن الفصل فيه بين المادة والشكل.
وكل هذا يظهر بكامل الوضوح حينما نقارن بين استعمالات اللغة في أدوارها المختلفة، ولنترك جانبا دورها كأداة ضرورية في الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية لنركز انتباهنا في ميادين الابتكار الفكري، فهنالك النثر الأدبي الذي يرتفع عن التعبير السوقي والعامي دون أن يبتعد في معانيه عن الأفهام المتوسطة.
وهو يقف في مركز وسط يخاطب العقل كما يخاطب الشعور، ويكتفي بأن يجعلنا نلمس الأشياء دون أن يوغل في دخائلها وأعماقها، غايته أن يعرض ويفسر ويوازن ويناقش دون أن ينسى أن له أناقة ورونقا يجب أن يحافظ عليهما، ودون أن يخل بواجب الدقة في التعبير واختيار الألفاظ الصالحة لذلك. وإذا استثنينا النثر الخطابي الذي قد يحتدم فيه الشعور إلى أبعد مدى فإنه في الغالب يخاطب العقل الهادئ والعاطفة الرصينة ويتجه إلى الذكاء. نعم، إنه متنوع في أشكاله وصيغه ونبراته، مما يجعل تحديده، في الواقع، من أصعب الأشياء. ولكنه، على وجه العموم، يقوم بدور الرفيق الهادئ المتزن لحياتنا العقلية، يسامرنا ويحدثنا ويقص علينا ويعرض علينا الأشياء في أوجهها المختلفة وصورها الطريفة، وهذا لا يمنع بالطبع أن تكون بعض ألوان النثر متداخلة مع الشعر كما نجد ذلك في صفحات كثيرة لكتاب مشهورين من أمثال "شاتوبريان" و"نيتشه" و"جيد" وغيرهم. وفي نظري أن مثل هذا النثر يجب اعتباره شعرا، لأن الصياغة الشكلية لا ينبغي أن تأخذ هنا أكثر مما تستحق.
وهنالك النثر الفلسفي الذي ينبني على الألفاظ المحددة وعلى المعاني المعقولة، ويستند إلى منطق دقيق في عملياته، صارم في قوانينه، وهو، إذا لم يكن له بد من ذلك، يقدم الدقة في التعبير على أناقة الأسلوب وجمال الصياغة، لأنه ملتزم بأن يكون صورة للحقيقة كما تتراءى له بدون زيادة أو نقصان. فالمقام لا يقتضي أي تهذيب أو تشذيب أو تجميل، وكل هذا إنما يعني في النهاية أنه وسيلة وليس غاية في نفسه، وذلك بخلاف النثر الأدبي الذي يستوقف النقاد ورجال الذوق. والفيلسوف وإن كان هو أيضا ينطلق من التجربة الإنسانية المباشرة، إلا أنه يتخذها أساسا للارتفاع إلى التصورات التجريدية والأفكار العامة، فهو بخلاف الشاعر لا يهمه من التجربة طابعها الفريد الشخصي الملموس الكثيف، بل هو يستخلص منها ما يمكن أن يعمم ويكون حقيقة شمولية ثابتة، فهو لا يأخذ الواقع كما هو، وإنما يحلله إلى أقصى ما يستطيع حتى يستخرج كل عناصره مميزة ومحددة، وهو لا يمكن أن يقوم بهذه العملية التحليلية دون أن يقتل الواقع الحي الذي يستقي منه تلك العناصر. فإن أراد أن يعيد بناء العالم في عملية تركيبية جديدة، فإنه في الغالب يبتعد عن تلك التجربة المباشرة التي نعيشها باستمرار وسط الحيز الذي يشملنا، وإقرارنا بهذه الحقيقة ليس معناه أننا نعتب على الفيلسوف موقفه أو ننتقد خطته واتجاهه، وإنما هو فقط توضيح موضوعي للمنهاج الذي يتبعه الفيلسوف في عمله والذي من الطبيعي أن يختلف عن منهاج الأديب أو المؤرخ أو الشاعر. وسيطول بي المقام لو أردت أن أشرح هذه النقطة بما يجب من الإيضاح والتفصيل، وإنما أكتفي بأن أقول إن الفيلسوف يسعى بمجهوده إلى أن يستجيب إلى هذه الرغبة الكامنة في نفوسنا، وهي تطلعنا إلى فهم الكون ككل متماسك وإدراك قانونه الأساسي الذي يسير عليه، بالاعتماد على قوتنا العقلية، فهو إذن لن يقنع بهذه التجربة المباشرة المتواضعة، وإنما سيوغل من ورائها إلى آفاق بعيدة، ولذلك فإن تعبيره سيتأثر بهذه المهمة الشاقة وسيتجرد من كل صبغة ولون وزينة ليؤدي الحقائق التجريدية التي يتوصل إليها، وهكذا فإن اتجاه الفيلسوف يختلف تماما مع اتجاه الشاعر وإن كان الاثنان يلتقيان أحيانا في بعض الوقفات والنظرات، لأنهما في عمق الأشياء ينسجان من خيط واحد.
فإذا عدنا الآن إلى التعبير الشعري الذي هو موضوعنا أساسا، فإننا نجده يمتاز عن النثر الأدبي والنثر الفلسفي بكونه لا يتجه بالخطاب إلى ملكة منفردة في ذهننا، فبينما يتراءى لك أنه يخاطب العاطفة، إذا بك تراه في منحى آخر يتوجه إلى العقل، والحقيقة أنه يتجه إلى كل ملكاتنا، أو بعبارة أوضح: إنه يخاطبنا ككل، كخلية حية، فكأنه يريد أن يمتلك لبنا ويشغل وجداننا وعقلنا الباطن أيضا، فهو يسعى لكي يدمجنا في الجو الذي يكيفه ويخلق بيننا وبين الشعور الجديد الذي يحمله إلينا وحدة ننسى فيها ذاتيتنا ويتوقف فيها السير العادي لحياتنا النفسية، لذلك فهو لا يحترم هدوءنا وانطواءنا في حالة نفسية نستكين إليها، ولا يكفيه أن يبلغنا معانيه وأن نكون فهمناها واستوعبناها، بل هو يقتحم نفسنا اقتحاما ويزلزلنا من مقعدنا الآمن، ويعطل ذلك التوازن النفسي المصطنع الذي ركنا إليه والذي تنسد فيه كثير من نوافذ الوعي ليهتز بنا إلى حالة روحية جديدة تخرج بنا عن الأحوال المألوفة والعادات الرتيبة، انتقال مفاجئ تتغير فيه أبعاد نظرتنا إلى الأشياء وينفتح فيه الشعور على عوالم كانت من قبل مجهولة ومغلقة. وسأكتفي هنا بأن أورد مثالا كلاسيكيا لأوضح فكرتي: لنقف لحظة مع دالية المعري المشهورة.
غير مجد في ملتي واعتقادي نوح باك ولا ترنم شاد
ألسنا نشعر كلما قرأنا هذه القصيدة بتمعن أن كل ما في نفسنا يتغير وأن الزاوية التي اعتدنا أن ننظر منها إلى الأشياء قد توارت وراء زاوية أخرى نبتت مع الشعور الجديد الذي استشرى في نفوسنا؛ ها نحن نخطو مع المعري نحو عالم الأموات ونشعر معه بهذا العبث، عبث الأقدار، الذي يجعلنا ندوس رفات الأجداد ونحن عاجزون عن صيانة حرمتهم لأن أديم الأرض كله من أجساد الهالكين على ممر الدهور والأعصار. وأي سخرية هذه يصطدم بها خيلاء الأحياء وكبرياؤهم! حقيقة مرة تمزق ذلك النسيج من الأوهام الذي اعتدنا أن نعيش من ورائه لكي لا نرى الواقع. وهكذا نسبح مع الشاعر في تجربته ونرافقه إلى النهاية لنجد أنفسنا في مكان بعيد عن وكرنا المألوف، خطير بما يكشفه لنا وما نبلوه نحن من أنفسنا أمام آفاقه التائهة وأسراره المجهولة. فالشعر الحقيقي كلما قرأناه فأحسنا قراءته [...] بنفسنا دائما إلى لحظات فريدة في حياتنا، لأن أرواحنا تعيش فيها تحررا حقيقيا، وهذه مزية التعبير الشعري.
يقول الشاعر الأميريكي "أرشيبالد ماكليش": "إن الذي يميز الشعر حقيقة من الصحافة، بغض النظر عن الفروق الواضحة في الشكل - استعمالات الألفاظ وأشكالها وتسلسلها - ليس فرقا في النوع، ولكنه  فرق في البؤرة، فالصحافة تتعلق بالحوادث، بينما يتعلق الشعر بالمشاعر، الصحافة تتعلق برؤية العالم، بينما يتعلق الشعر بالإحساس بالعالم، الصحافة ترغب في أن تحكي ما حدث في أي مكان كأنه نفس ما يحدث لكل إنسان، بينما الشعر يرغب في أن يقول ما يجب أن يتحلى به كل إنسان كأنه وحده الذي كان هناك بمفرده".
ويقول أيضا: "إن القصائد العظيمة أدوات للمعرفة - المعرفة التي تنقل حية إلى داخل القلب عن طريق العاطفة، لكنها تبقى معرفة رغم هذا".
وبالجملة، فنحن إذا أردنا أن نصور مزية التعبير الشعري بإيجاز نقول إنه هو القادر وحده على أداء ما يعجز عنه النثر الأدبي والتعبير الفلسفي.
في سلم القيم الجمالية، نجد الشعر ينزل في القمة، لأنه هو الذي يستطيع وحده أن يتيح لنا هذه الفرصة النادرة، فرصة الحضور مع الشاعر في تجربته المباشرة كما تبرز من نبعها الأول خالصة من كل تصنيع، ونحن نعيش معه تلك اللحظة من التأثر التي تمتاز بغرابتها وطرافتها وابتعادها عن المشاعر المبتذلة، فالشاعر عندما يتأثر لمنظر أو مشهد أو حادثة أو فكرة، وينقل إلينا انفعاله في صورته الحية، يحقق بالنسبة إلينا القيمة الجمالية في منتهاها، لأن الإنسان كما بين ذلك الفيلسوف الألماني "ماكس شيلير" في نظريته العميقة، لا يتأثر ولا يهتاج إلا من أجل شيء له قيمة حقيقية، وهذه القيمة فيما يخص الشعر مزدوجة: قيمة الشعر نفسه كفن وتعبير، والقيمة الكامنة في السبب الذي حصل من أجله التأثر، ولن أطيل الكلام هنا على نظرية "شيلير" التي تحتاج وحدها إلى دراسة مستفيضة، وإنما أاستخلص منها هذه الفكرة التي تتصل بموضوعنا وهي أن الإنسان لا يدرك القيم على اختلافها، ولا يشعر بوجودها، إلا في تجربته الانفعالية. فكم من أشياء لا ننتبه لمنزلتها بالنسبة إلينا إلا في حالة التأثر.
فالقيم لا يمكن تحديدها أو تحليلها عن طريق الاستدلال أو الاستنباط العقلي، وإنما هي تكشف عن نفسها كحقائق قائمة بذاتها وسط الانفعالات التي ترافقنا في حياتنا.
يمكن القول إذن: إن الشعر، الذي هو ترجمان عن تأثر الشاعر، هو في نفس الوقت باب واسعة مفتوحة على عالم القيم، فهو بهذا المعنى، ليس فنا مجانيا يتجاهل وجود الإنسان ووضعه في هذه الدنيا، إنه، بالعكس، يوعيه ويساعده على اكتشاف موقعه الميتافيزيقي وسط الكائنات، ولربما أرشده أحيانا إلى جواب عن هذا السؤال الذي ما فتئ يلقيه على نفسه: لماذا أعيش وما معنى حياتي؟
وليس معنى هذا أن الشعر سيقدم له حلا نهائيا لهاته المشكلة ولغيرها، ولكنه على أي حال سيرفع في آن واحد المستوى الذي يوضع فيه السؤال على الضمير والمستوى الذي ينبع منه الجواب، وفي هذا الوضع الخاص سيجد الإنسان نفسه وهو يواجه مصيره أمام حقائق الحياة في أوسع أبعادها وأعمق مفاهيمها.
وبهذا المفهوم كان كبار الشعراء في القديم والحديث هم الذين يمثلون روح عصرهم أصدق تمثيل ويعبرون عن آماله وآلامه ويشخصون داءه الحقيقي. فالشباب الذين عاصروا "جوته" مثلا، كلهم كانوا يجدون أنفسهم فيما كتبه هذا الشاعر العظيم، وما ذلك إلا لأن "جوته" استطاع أن يكتشف النغم الذي يعبر عن الشعور الدفين لأبناء عصره ويتجاوب مع نفوسهم. والرومانسيون بدورهم أمكنهم أن يصوروا ما سمي منذ ذلك الحين "داء العصر" أي ذلك الجرح الدفين الذي لا يمكن تعريفه، لأنه في كل مرة يتخذ صورة جديدة ويلازم الإنسان في أحوال كثيرة، في عشرته للطبيعة، في أحلامه الغرامية، في الذكرى، في تمثل الموت. وهذا ما نجد له أصداء متنوعة فيما نظمه شعراء من أمثال "بايرون" و"شيلير" و"لامارتين" و"فينيي" و"ميسه". وقريب منا نجد "بودلير" يعبر عن نزعة جديدة تجاوب فيها مع جيله، ولا شك أن ذلك الجيل سئم التحليقات الرومانسية وأحب أبناؤه أن يرجعوا إلى الحياة الواقعية، إلى الحياة اليومية بخيرها وشرها بلذتها وألمها، بمغرياتها ومنفراتها، ونشأ عن ذلك ضرب من حالة شعورية تنتقل بين الإقبال على الحياة والرغبة في الهروب من واقعها، وكل ذلك أدى إلى ظهور أحاسيس جديدة وأذواق طريفة. وما زالت كل هذه المشاعر الجديدة ترن حية في شعر "بودلير" لأنه عرف كيف يعبر عنها بعمق ومهارة فنية ورؤية شاملة، فكان مرآة لكل النفوس وناطقا عن كل القلوب.
فالشاعر إذن ليس، كما يعتقده جمهور واهم من الناس، هو ذلك الرجل الشاذ المنعزل، المبتعد عن الواقع وعن المجتمع، بل إنه أكثر حضورا من غيره في زمانه وأقوى ملابسة للحياة وأعمق تجربة، وهذا ما جعله في الماضي والحاضر قمينا بأن يكون خير شاهد عن عصره ونقطة إشعاع في جيله، ومكنه في بعض الأحيان من أن يكون رجل عمل وقيادة وزعامة.
نعم، هنالك شعراء يعشيون في أبراجهم العاجية ولا يتكلفون المشي على الأرض، وأفقهم ينحصر في حدود حياتهم الشخصية وفي ما يستجيب إلى رغباتهم البسيطة، فهم يعيشون في عالم مغلق لا يَسألون ولا يُسألون، ولا يكلفون أنفسهم أي جهد في الاطلاع على ما وراء دنياهم الضيقة المقفرة، وتراهم يخرجون الألفاظ في قوارير مختلفة الأحجام والأشكال، يصبون من هذه ومن تلك ويمزجون الكل حتى إذا ساغت في مذاقهم وزها لونها في أعينهم قدموا القصيدة للجمهور كما تقدم حلوى العيد: سميد وسمن وسكر وماء زهر، ولكن اسمحوا لي بأن أقول لكم إن هؤلاء الشعراء ليسوا بشعراء؛ سموهم، إذا شئتم، سحرة أو كهنة أو بهلوانيين، سموهم عابثين أو لاعبين، ولكن لا تسموهم شعراء.
وإذا أردنا حقيقة أن يكون لدينا شعراء مجلون فيجب أن نقتنع بصورة نهائية أن للشعر منزعا عاليا في التزامه وفي صلته بالإنسان وفي استشرافه إلى الجمال. الشعر ليس ألفاظا مرصوفة ولا عبارات منمقة. الشعر روح تفيض بالحياة وتهب الحياة.
هذه تأملات في موضوع الشعر أردت أن أعرضها عليكم عساها أن تكون مادة لمناقشة خصبة ومفيدة فيما بيننا وتساهم في تحديد الاتجاه الجديد الذي يجب أن نتبعه سواء كنا شعراء أم نقادا للشعر.
وكما رأيتم لم يكن من الممكن أن ألم بجميع الجوانب، وما زال الحديث عن الشعر تملأ كؤوسه وتجدد دون أن تروي غلة الصادي وترد لهفة المشوق.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here