islamaumaroc

مع نزار قباني في أمسية شعر

  دعوة الحق

86 العدد

حقا لقد أتاح لنا الشاعر نزار فرصة لقائه والاستماع إليه، وهو يلقي بصوته الدافئ، الرفيع النبرات، مجموعة من قصائده الناجحة، التي طالما تناشدناها وأخذنا بروعة إيقاعها، وجميل معانيها، ولكن لما سمعناها من فم نزار، خيل إلينا أننا نسمعها للمرة الأولى، إذ أن شخصية الشاعر ولهجته مما أضفى عليها ثوبا جديدا، وكساها شفافية ليس إلى وصفها من سبيل.
ولأول مرة جمهورا كبيرا اكتظت به قاعة المحاضرات بثانوية مولاي إدريس بفاس، حتى اضطر الكثير للجلوس على الأرض الصلبة الباردة، أو الوقوف الطويل المضني طيلة ساعتين كاملتين، دون أن يشعر أحد بتعب أو عياء. فالوقت كان يمر سريعا، وأنفاس الحضور مشدودة إلى أنفاس نزار، وكأن ساحرا عجيبا نقل الناس من واقع حياتهم البسيط، ليحلق بهم في سماء من الأحلام الأخاذة الجميلة. وحقا إن نزار كان ساحرا يتصرف في العواطف، ويتلاعب بها كما يشاء.
ولأول مرة أيضا أشاهد جمهورا يتجاوب بقوة مع شاعر يقول بضع كلمات جميلة، فكل كلمة خرجت من فم نزار، كنت تستقر في مكانها من النفوس، وكل حرف نطق به نزار كان يكهرب المشاعر، ويثير الأحاسيس، ويرسم على بعض الثغور البسمات، وينشر في الأعطاف المرح، ويملأ عيوننا بالرؤى والأطياف.
ولأول مرة أرى من يتذوق الأدب العربي، ومن يشعر نحوه بالعداء، يجتمعان حول نزار، وتؤلف بينهما كلماته الجميلة، التي تسيل رقة وشاعرية. وهذا دون شك يعد من حسنات الشاعر، حيث استطاع أن يغزو بشعره جميع الأوساط المثقفة، وأن يسيطر على أولئك الذين ليسوا زبناء للأدب العربي ولا من هواته فقد أقنعهم – شعوريا – بأن الكلمة العربية قادرة على أن تسحر، وتبدع وتشرق لتملأ النفوس نورا، وتفتن الإنسان فتنة طاغية.
وهنا أسجل على الجمهور المستمع لنزار أن كثيرا من عناصره كان ينقصها احترام الفن وأهله، وينقصها الإحساس الفني الوديع الهادئ، الذي ينصرف معه الفكر إلى التأمل، والخيال إلى التحليق، والذوق إلى استجلاء المعاني الشفافة في فن القول. لقد كان جمهورنا – وأسجل هذا مع كامل الأسف – مهرجا كأنه في قاعة سرك، لا في أمسية شعر. فكل كلمة نطق بها نزار كانت تحدث عاصفة من التصفيقات والهتافات والضحكات الصاخبة، التي لا يتأتى معها أي تذوق لموهبة الفن، الأمر الذي كان قد أفسد على بعض الحاضرين متعة الاستماع إلى الشاعر، في جو تسوده روح الشاعرية، لا في جو عاصف ببرقه ورعده، كما حدث فعلا. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن جمهورنا ما زال بحاجة إلى مزيد من التربية الفنية، والتهذيب الجمالي، لكي يقوى على تذوق الفن واحترام أهله، ومن تم لا يعبر عن إعجابه بالضحكات الهستيرية، والتصفيقات التي تجلد الأعصاب – على حد تعبير نزار – وإنما بطرق مهذبة، تجعل أهل الفن يحترمونه، ويجدون في الالتقاء به متعة. فكما أن الجمهور يستمتع بالأديب المحاضر، فكذلك يستمتع هذا الأخير بالجمهور الذي يحسن الاستماع إليه، والاستجابة له، والتأمل في مقاصد كلامه. وأنا أشك كثيرا في أن يكون نزار قد وجد في جمهورنا ما كان ينتظره من جميل الاستجابة وعمقها. فشاعر مثل نزار، ما أظن أنه يقدر جمهورا من هذا النوع، خصوصا وأن الشاعر سبق له أن قرأ شعره في أوساط فنية وأدبية راقية مهذبة، في بلاد عربية مختلفة، كمصر والعراق ولبنان.
 وإذا كان غيري يحمل نزار مسؤولية ما وقع، أو جزءا من المسؤولية على الأقل، لكونه يثير الشباب ويهيج غرائزه، بذكر النهود والأذرع والسيقان والعيون السود، وسنابل القمح التي تركت دون حصاد، فأنا شخصيا أبرئ نزار من أية مسؤولية. فهو شاعر يقول الشعر على طريقته الخاصة، وليس لنا حق التدخل في شؤون الشاعر الخاصة. فكل ما يطلب منه كشاعر، هو أن يمتعنا، ومن هذه الناحية فإن نزارا قد أوفى على الغاية. وليس مفروضا على الشاعر – أي شاعر – أن يحذف من قاموسه كل الكلمات الجنسية، ليكون محل تقديرها واحترامنا، وليجعلنا نلتزم جانب الهدوء والوقار. ولو أن نزارا كف عن ذكر الأذرع والسيقان والنهود وما إلى هذا، لما بقي منه شيء، فنحن نحب نزارا الإنسان كما هو، وكما خلقه الله، دون تهذيب هنا، أو تشذيب هناك، ومتى خالف الشاعر طبيعته التي فطر عليها، فقال للناس شيئا وهو يحس بشيء آخر، أصبح حطام شاعر، وماتت فيه أو كادت معاني الشاعرية.
ولو صح أن نطلب من نزار أن يعدل عن منهجه في قول الشعر، لجاز أن نقول لأبي نواس : كف عن غزلك بالمذكر، وعن افتتانك بالخمر وتغنيك بها. ولجاز أن نقول لعمر بن أبي ربيعة : كفاك تشبيبا بالمرأة، وترنما بمحاسنها، وفتنة للناس بذكر مغامراتك معها، ومطارحاتك إياها أعذب الأحاديث.
جمهورنا هذا ديدنه دائما، سواء في المسارح، أو الحفلات الموسيقية، أو قاعات المحاضرات، أو ندوات الشعر : الصخب، والتهريج، والعنف. إذا كره شيئا من الفنون عبر عن كراهيته بعنف، وإذا أحب فيها شيئا عبر عن حبه بعنف، فنحن دائما صاخبون، في أحاديثنا، في معاملاتنا، في كل حركاتنا، صخب في الشارع، صخب في البيوت، صخب في الحافلات، صخب في المقاهي، صخب في دور السينما، صخب في كل مرافق حياتنا ومجالاتها. وهذا شيء يجب أن يتغير، عن طريق التربية، تربية الأسرة، وتربية المدرسة.
وما أظن أن شاعرا ذواقا كنزار، أعتقد أن صخب جمهورنا من حوله، كان علامة نجاح بالنسبة إليه. فالنجاح الحقيقي بالنسبة للشاعر الفد، والفنان القدير، لا ينتزعه من التصفيقات الحارة، والهتافات المرعدة، وإنما يستمده من نظرات النقاد الفاحصة، وإصغاء الجمهور المهذب، وتجاوبه الهادئ الرزين الواعي. ولو أن شاعرا اغتر بالتصفيقات والهتافات واعتبرها علامة نجاح، لكان قد أقام الدليل على أنه لا يفرق بين الإعجاب الفني الجميل، والتهريج البغيض المنفر، فالناس لا يصفقون ولا يهتفون عادة إلا إذا كانوا سطحيين في فهمهم للفن، يؤخذون بالكلمات الرنانة، والجمل الجميلة الإيقاع، دون أن ينفذوا إلى محتوياتها من عاطفة ونظرات في الحياة فاليد المصفقة تحل محل الفكر المتأمل، والحنجرة الصاخبة تحل محل الخيال المحلق. فإذا نشط الفكر، وحلق الخيال، هدأت الأعطاف، وانقلب الحديث همسا، والضحكات بسمات ترف على الشفاه، وعاش المعطي والآخذ في جو من الإيحاء، يجعل الناس قادرين على أن يرتفعوا مع الشاعر إلى آفاقه وسماواته، ويستشفوا في كلماته ما يمكن في لفائفها من الرؤى والأطياف.
بقي أن نعرف هذا السر الذي جعل جل المثقفين على اختلاف مستوياتهم يحبون هذا الشاعر، ويقرؤون له كثيرا، حتى ليقرأ له ذلك الذي لا يقرأ، ولم تكن القراءة من هوايته المفضلة. لا شك أن ذلك راجع إلى أمور أهمها عاملان أساسيان : أولهما هذا الوضوح الذي يتميز به شعر هذا الشاعر. فأنت لو قدر لك أن حضرت أمسية الشعر هذه، لوجدت الحاضرين يفهمون عنه كل كلمة، كل عبارة، تدل على ذلك الاستجابة السريعة التي ترى آياتها بادية على صفحات الوجوه. هذا مع العلم بأن من الصعب على جمهور أن يفهم عن شاعر بسهولة، وأن يلاحقه في معانيه وخواطره، لأن الفرصة لا تتاح له للتفكير والتأمل، فالمقاطع الشعرية آخذ بعضها برقاب بعض، ومع ذلك فإن شعر نزار كان يفهم بكل سهولة، وهو يلقيه بصوته الدافئ الرخيم ..
وحب السهولة في الفن، هو إحدى نقط الضعف في شبابنا المثقف، باستثناء القليل فهو يفضل أن تسعى إليه مشاعر الأدباء والشعراء على أن يسعى إليها ويوثر أن يجد الأبواب كلها مفتوحة على مصاريعها، على أن يجدها مغلقة، فيعالجها في أناة وصبر، حتى تنفتح، فستمرئ لذة الظفر بعد التعب، ويتذوق متعة الارتياح بعد طول عناء.
وثانيهما أن نزار هو شاعر الشباب، يعبر عن أحلامه، ومشاعره، وخيالاته المحمومة. يدخل بين العاشقين، ليتسمع مناجاتهما الهامسة، ويقتحم على الفتاة سرير نومها ليلتقط أنفاسها اللطيفة ويتابع بعينيه الذكيتين تلك الغانية المنكسرة في مشيتها، والتي تملأ الجو من حولها شذى وعطرا، وما إلى ذلك. إنني أرى نزار قباني في المعاصرين، كعمر بن أبي ربيعة في القدماء.
والآن أود أن أنتقل إلى الحديث عن محاضرة نزار "حكاية الشعر العربي المعاصر" فعندما أعلن عن أن نزار قباني سيلقي محاضرة بهذا العنوان بثانوية مولاي إدريس، تشوقت إلى المحاضرة، لكونها ستعالج موضوعا هاما، اختلفت ففيه آراء النقاد والدارسين، ما بين مهاجم للشعر الحر ومدافع عنه، خصوصا وأن الذي سيتناول الحديث في هذا الموضوع، هو أحد زعماء المدرسة الجديدة في الشعر العربي الحديث، نزار، صاحب الدواوين الخمسة، التي ضربت الرقم القياسي في الرواج، والتي لم يبق مثقف متعشق للأدب في المغرب وكيفما كان اتجاهه الثقافي، إلا وشدا منها شيئا يقل أو يكثر.
ولكن كانت المحاضرة مخيبة لأملي عندما استمعت إليها، فهي ليس فيها جديد، وإنما هي تكرار لمقال كان قد سبق لنزار أن نشره بمجلة "المعرفة" السورية، ثم ضمنه كتابه الصادر منذ ثلاث سنوات تقريبا : "الشعر قنديل أخضر" والمقال بعنوان "معركة اليمين واليسار في الشعر العربي" عاد ليلقبه علينا تحت عنوان آخر وهو "حكاية الشعر العربي المعاصر" مع زيادة هنا، وحذف هناك وإضافة بعض العبارات التي إذا اعتبرت من حسنات الأسلوب، فهي لا تضيف جديدا إلى فكرة الموضوع.
ومنذ أن كتب نزار مقاله ونشره في مجلة المعرفة إلى اليوم، ظهرت دراسات وفصول حول الشعر الحر، وعقدت ندوات أدبية لمناقشة الموضوع، الأمر الذي أدى إلى ظهور عناصر جديدة في القضية، كانت كفيلة بأن توحي لنزار ببحث جديد في الموضوع. فلو أنه استفاد منها، لكان ذلك أليق وأجدى على الشاعر المحاضر، من اجترار مقال قديم، صدر في مجلة سيارة، وفي كتاب من أوسع كتبه انتشارا.
فلماذا أعاد علينا الشاعر "حكايته" القديمة ؟ هل كان يعتقد أن ما يكتبه غير معروف في المغرب ؟ وكيف وقد تحدث إلى المثقفين في الرباط، قبل مجيئه إلى فاس، فلمس أن جمهور المثقفين يعرف شعره، ومنه من يحفظه عن ظهر قلب ؟ الأمر الذي كان من الطبيعي أن يحمله على اختيار جوانب أخرى للفكرة التي تطرق إليها، تجنبا لتكرار ما هو شائع ومعروف. هل أن نزارا لا يساير مراحل المعركة بين مؤيدي الشعر الحر ومعارضيه، منصرفا إلى نفسه يستلهمها روائع القصيد، في بعد عن غبار المعركة وضجيجها، بحيث لا يعيش مشاكل المشادة بين أنصار القديم وأنصار الجديد، ولا يقف على آخر تطوراتها وآخر ما قيل فيها ؟ ربما كان ذلك جائزا. وربما كان نزار ينشد مع المتنبي :
أنام ملء جفوني عن شواردها
  ويسهر القوم جراها ويختصم
وإن كان نزار ليس على وفاق مع رب القوافي والقصيد ..
هل يجوز أن يكون نزار قد أعاد علينا "الحكاية" القديمة، لأنه معجب بها، مفتون بسحر كلماتها، ورشاقة حروفها، وعذوبة نغمها، فهو يتلوها إنجيلا ويرددها نشيدا، ومزمارا كمزامير آل داوود ؟ ربما كان ذلك جائزا أيضا. فالحقيقة أن نزار شاعر حتى في نثره، ولو بذل كل جهده كي لا يكون شاعرا لما استطاع. وليصدقني القارئ إذا قلت له بأن نزارا عندما انتهى من إلقاء محاضرته، وانتقل إلى قراءة بعض قصائده، لم أشعر بأني انتقلت من جو النثر إلى جو الشعر، وإنما كنت أشعر – طيلة الوقت – بأني في جو شاعري، تحنو عليه ربات الشعر منذ أن فتح نزار فمه ليتكلم، إلى أن لفظت شفتاه الشاعريتان أخر حرف من كلامه المعسول الأخاذ.
ولكن مصير كل نشيد جميل إلى مشرحة النقد، ومصير الافتتان به والانتشاء بروعة إيقاعه إلى زوال. فالحق أني لم أكن أنظر بعين الناقد إلى الشاعر وهو يلقي علينا درره الغالية، وإنما كنت مغلوبا على أمري، مسحورا بجمال الكلمة، وسحر الحديث، كنت حينئذ أنظر إلى نزار كطفل يعبث ما شاء له العبث فسيئاته حسنات، وأخطاؤه جميلة تدعو إلى الابتسام، وينظر إليها بكثير من التسامح والعطف.
ولكن الآن وقد أفلتنا بأنفسنا من سحر الشاعر الموهوب، وخرجنا من الجو المسحور الذي وضعنا فيه، نستطيع أن نناقشه بشيء من الموضوعية التي لا يفيد معها شيء سوى وضوح الحجة، وسلامة المنطق.
لقد هاجم نزار الشعر العربي التقليدي هجوما جميلا، استعمل فيه كل أسلحته الفتاكة من صور بيانية، وحيل فنية، وقدرة على إبراز المعاني الدقيقة في ثوب لغوي شفاف، مرهف الحساسية، الأمر الذي جعله يقنع كثيرا من الحاضرين، بأن الشعرالعربي القديم، ليس من الجمال الفني في شيء، ولا يحمل المقومات الأساسية للشعر بمعناه الصحيح.
فلننظر الآن إلى نقط الضعف التي وضع نزار أصابعه عليها في هذا الشعر، وركز عليها هجومه الجميل الذي استعمل فيه كل شيء، إلا المنطق السليم. اتهم الشعر القديم بأنه خال من الدفء الإنساني، ولذلك فهو عندما ترجم إلى بعض اللغات الأجنبية، لم يكن له وقع جميل. قد نتفق مع نزار على بعض العيوب العالقة بهذا الشعر، كعنايته باللفظ أكثر من المعنى غالبا، أو اتخاذه وسيلة للتكسب عند كثير من الشعراء – وإن كان هذا له بواعثه – إلا أننا لا نستطيع مجاراته في قوله بخلو القصيدة العربية القديمة من الدفء الإنساني. فالشعراء القدماء كانوا أناس كغيرهم من أفراد البشر، يحبون ويكرهون ويسعدون ويشقون، ويهدؤون ويضطربون، ويسالمون ويخاصمون، وهم في شعرهم يصدرون عن هذه المواقف كلها، حتى ليعد شعرهم، مصدرا لمؤرخ حياتهم وحياة المجتمعات التي عاشوا فيها، لاستكشاف الدوافع النفسية التي كانت توجهها، وتكمن وراء مظاهرها الخارجية. ولست أدري كيف يكون الدفء الإنساني إذا لم تكن ثورة أبي العلاء، وجدية المتنبي، وحماسة أبي فراس، ودقة حساسية ابن الرومي، وتعشق اللذات عند أبي نواس ؟
أما الاستدلال على ضعف هذا الشعر، بفقدانه لكل قيمة فنية عند ما ترجم، فهي حجة لا يطمئن إليها العقل. فالجميع يعلم أن الترجمة تفقد النص الأدبي كثيرا من خصائصه الفنية، في العبارة والأسلوب وطريقة الأداء. فإذا كان من الميسر نقل الأفكار والمعاني، فإن من المتعذر نقل الأسلوب بكل ملامحه، ومعلوم أن قيمة الأدب إنما هي في مجموع لفظه ومعناه وأسلوبه، وقد يكون سر جمال العبارة في ألفاظها الأصلية، بحيث لو أزلتها ووضعت ألفاظا أخرى مكانها لبطل السحر، وجف ماء الجمال. والقرءان الكريم على إعجازه وسمو بلاغته، عندما يترجم إلى لغة أخرى لا يبقى له رواؤه المبدع، وسياجه العربي الرائع. ولو أننا ترجمنا شعر نزار نفسه إلى لغة أخرى لضاع كثير من محاسنه، ولصار شيئا أخر.
ويتهم نزار الشعراء العرب الأقدمين بأنهم لا شخصية لهم في شعرهم. ولو صح هذا لكان من الممكن أن نضيف شيئا من شعر أبي العلاء إلى أبي نواس، وشيئا من شعر البحتري إلى المتنبي، وشيئا من شعر جميل معمر إلى عنترة بن شداد، دون أن يشعر أحد بأن هناك شيئا في غير مكانه الطبيعي. ولو فعل هذا أحد لكان عمله عبث أطفال لا أقل ولا أكثر. فهؤلاء الشعراء جميعا بينهم من التفاوت في الطبائع الفنية، وتنوع المواهب والملكات، ما لا يخفى حتى على أبسط الناس علما بالأدب العربي، وأشعاره تصور هذا التنوع وذلك التفاوت تصويرا صادقا ليس من سبيل إلى إنكاره.
تهمة ثالثة يوجهها نزار إلى الشعر العربي القديم، وهي خلوه تماما من أي وحدة. فأبيات القصيدة لا يصلها سبب، ولا يربطها رابط، وإنما هي أجزاء مفككة. وإذا جاز لنا أن نتفق مع نزار على أن كثيرا من القصائد القديمة تعوزها الوحدة العضوية، أي الوحدة الفنية، فنحن لا نتفق معه إلا في هذا فقط، إذ أن الوحدة النفسية موجودة فعلا في القصيدة القديمة. فليس مصادفة أن ينتقل الشاعر القديم من وصف إلى الأطلال إلى وصف الناقة أو الفرس، إذ أن الناقة أو الفرس هي التي نقلته إلى هذه الأطلال ليقف عندها، وهي تعتبر من ضرورات حياته القائمة على التنقل والترحال، فكان من الطبيعي أن تكون من عناصر اللوحة التي يرسمها وليس من المصادفة أن ينتقل الشاعر القديم من المقدمة الغزلية إلى المدح، لأن الغزل هنا إن هو إلا حيلة فنية يراد بها إعداد الجمهور نفسيا للإنصات إلى الشاعر، ما دام الغزل فنا محببا إلى كل نفس. وهذا من أبسط مباحث التاريخ الأدبي التي أصبحت من البديهيات.
هذا، ونجد النقاد الأقدمين من العرب يطالبون الشاعر بما يسمى عندهم بـ "حسن التخلص" وهو أن يمهد الشاعر للانتقال من موضوع إلى أخر، داخل قصيدته الواحدة، حتى لا يشعر المستمع أو القارئ أن هناك فجوات وثغرات بين أجزاء القصيدة.
تلك كانت بعض مآخذي على محاضرة نزار أثبتها دون تفصيل أو استقصاء.
ولعل القارئ ينتظر مني أن أقول كلمة عن شعر نزار نفسه، وعن قضية الشعر الحر، هذه القضية التي تصدرت مشاكل الأدب العربي الحديث، وسوف لا ينتهي النقاش حولها، طالما بقي المثقفون مختلفين من حيث الأذواق والطبائع والحواس الفنية. ونظرا لخطورة القضية، فإني أرجئ الحديث عنها وعن شعر نزار إلى فرصة أخرى.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here