islamaumaroc

الموحدون والحضارة -2-

  دعوة الحق

86 العدد

أحطنا في العدد الماضي بظروف نشأة الدولة الموحدية، وبمجهود بعض خلفائها في سبيل تشجيع الأدب وتذوقه، كما ألممنا ببعض أقوال العلماء والمؤرخين في هذه الدولة، وكلها تنوه بها وتقدر فضلها حق قدره، فلم يبق هناك مجال للتنقيص منها أو رميها – زورا وبهتانا بأنها أعملت يد التدمير والخراب في معالم الحضارة العربية، وفتكت بالعلماء ..و.. كما ادعى ذلك داود كرم في إحدى حلقات سلسلة "الجراحة عبر القرون" التي نشرها بمجلة "العالم" الصادرة ببيروت عدد سبتمبر 1965.
ويهمنا الآن أن نزيد القول إفصاحا والفكرة إيضاحا، بأن نعرج على شهادة شهود آخرين، وندلي بحججنا في الموضوع كي يرعوي كل من يداخله أقل ريب، فيرتدع ويرجع إلى الصواب وأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
لقد أراد الكاتب أن يقول شيئا فخانه مقوله، أو لعله حسب أن الأمر هزل لا جد، أو أن قوله سيمر مر الكرام لا مر اللئام، فلا يلتفت إليه أحد، أو يلتفت إليه بعض من لا دراية لهم بالموضوع، فيعتنقون فكرته، ويتجهمون – مثله – في وجه الموحدين، ويسلكونهم في قائمة المتوحشين المخربين حقا، وبعد ذلك ليكن ما يكون، ليغضب التاريخ أو ليرضى، ثم بعد ذلك ليحمد الموتورون أسلوب الكاتب، وليمجدوا مجهوده في البحث، لأنه استطاع أن يدلهم على حقيقة كانت مجهولة لديهم، ولأنه جلاها لهم خير تجلية، فطوبى له من مخترع مختلق مكتشف جبار.
لعل داود كرم أراد أن يقول مثل ما قاله مؤرخ مفضال، ولكن خانه ضميره أو لسانه أو قلمه، وغره علمه وفهمه، فرمى بها شعبا عربيا بكامله، ولكن الرمية أخطأت مرماها، فلم تصم الضربة إلا كاتبها، قال المؤرخ المفضال ونعني به روم لاندو في كتابه القيم: "الإسلام والعرب" ما يلي:
".. حتى إذا كان القرن الثالث عشر، وغزت جحافل المغول الإمبراطورية العربية، بلغ ازدهار الثقافة العربية نهايته، وليس معنى ذلك أنه لم يبق لها وجود بالكلية، ولكن معناه أن أصالتها وسلطانها نقصا منذ ذلك
الحين، نقصانا كبيرا، ثم كان الانتصار العثماني، وبه تلقت روح العرب المبدعة، ما بدا وكأنه ضربة نهائية قاضية"(1).
يكاد كلام صاحبنا يتفق مع كلام هذا المؤرخ الخبير المنصف : وغزت جحافل المغول الإمبراطورية العربية – الثقافة العربية – القرن الثالث عشر. إنها نفس الألفاظ في مقال صاحبنا، لكن حتى لا يتهم بالسرقة – حرف بعض الشيء، ولعل التحريف أنتج التخريف الذي أحل الموحدين محل العثمانيين، وهكذا لا يستطيع أحد أن يقول أنه اقتبس أو سطا على كلام روم لا ندو.
ومهما يكن من أمر، فليس هذا موطن الشاهد، إنه في فقرة أخرى من كلام هذا الجامعي الذي يزن الكلام قبل أن يتكلم، فلنستمع إليه يقول : ".. حتى إذا جنحت شمس العلم الإسلامي في الشرق الأدنى للأفول، عند منبلج القرن الحادي عشر، كان عصره الذهبي قد أذن بالإشراق في المغرب، أي في مراكش وإسبانية، وفي المغرب أيضا كان الطبيب العظيم كثيرا ما يحتل منصب الوزارة أو منصب المستشار الشخصي للأمير الحاكم"(2).
إن هذا الكلام مناقض تمام المناقضة لما جاء في مقال "الجراحة عبر القرون"، ولا ندري ما الدوافع التي حدت بكاتبه إلى تنكب الجادة، وإقحام قلمه في هذا المضمار، وتكلفه معرفة ما لا يعرف، إن هذا الجزء الغربي من الإمبراطورية – حسب تعبيره – قد أسدى خدمة جليلة للطب باكتشافه لفكرة المرضى بالعدوى على يد طبيبين مغربيين هما : لسان الدين بن الخطيب مؤلف كتاب "في الطاعون" وكتاب "أمل من طب لمن حب" الذي أهداه إلى أحد ملوك بني مرين، والثاني هو ابن خاتمة"1323-1369- الذي كانت رسالته في الطاعون أعظم شأنا من رسالة صاحبه، جاء في رسالته تلك قوله : "إن ثمرة اختباري الطويل هي أنه حين يحتك شخص بمريض يصاب في الحال بذلك المرض، وتبدو عليه أعراضه نفسها .. ثم إن المريض الثاني ينقل الداء بدوره إلى غيره" قد يبدو هذا الكلام بسيطا الآن، لكنه في ذلك الوقت كان اكتشافا خطيرا لأن الناس كانوا يعتقدون أن الطاعون عمل من أعمال الله لا شأن له بالبراغيث التي تحملها الفئران، ولا شأن له بالعدوى.
إن داود كرم لم يتجن على الموحدين كدولة، أو على المغاربة كمجتمع عاش أفراده في فترة ما من فترات التاريخ، وإنما أساء إلى الشعب المغربي كشعب حي متطور عبر التاريخ، ومنتج للحضارة خلاق، وأراني مضطرا أن أشير في هذا المجال إلى فكرة العالم الروسي نيكولاي دانيلفسكي حول تصنيف الشعوب من حيث الحضارات إلى ثلاث أصناف :
1 – صنف يضم الشعوب التي تشكل قوى إيجابية خلاقة منتجة للحضارة.
ب – وصنف يشمل الشعوب التي تلعب دورا سلبيا هداما مثل المغول والهون والترك.
ج – ثم صنف يضم الشعوب التي لم تبلغ مستوى الحضارات، فهي لا تلعب دورا هداما للحضارة، ولا تصنع تاريخا حضاريا، بل تستخدمها القوى التاريخية الإيجابية أو السلبية كمادة سلبية لنشاطها وعملها(3).
فلو أخذنا بهذه الفكرة، وساءلنا الكاتب : أين يضع المغرب أو الموحدين بين الأصناف الثلاثة، لأجاب – وقد أجاب بالفعل وبالباطل – بأنه يضعه في الصنف الثاني جنبا إلى جنب مع الهون والمغول والترك القدامى ولضرب عرض الحائط – وقد فعل – بكل حقائق التاريخ الناصعة، وحججه الدامغة التي توجد أمام ناظريه في كل مكان.
يقول أحد الثقات من المؤرخين : "على الرغم من أن إسبانية ومراكش "المغرب" كانتا الولايتين الواقعتين في أقصى الغرب من الإمبراطورية العربية فقد شكلتا معا الجسر الرئيسي الذي تسربت الحضارة والثقافة الإسلاميتان عبره إلى أوربا"(4).
ثم يقول هذا المؤلف المنصف : "وفي فنون وصناعات الخزف والفولاذ والجلد، من العسير على المرء أن يقرر حتى يومنا هذا أي الآثار إسباني خالص ؟ وأيها مراكشي خالص ؟ وهكذا نجد أن إسبانيا وأوربا برمتها أيضا مدينتان أعظم الدين لعبقرية المسلمين سواء في اللغة والأدب، أو الفن والعمارة، أو الحرف والصناعة، أو العلم والفلسفة"(5).
أفبعد هذا البيان بيان ؟ أبعد الإتيان بهذه الحجج – ولو أردنا لأكثرنا – يصح أن نرمي شعب المغرب العربي، أو دولة الموحدين في المغرب والأندلس بأنها كانت وبالا على الحضارة العربية ؟ من يجرؤ على مثل هذا القول، غير المغالطين المكابرين ؟ " كبرت كلمة تخرج من أفواههم، إن يقولون إلا كذبا".
وتركيزا للبحث، وتأكيدا للدور الهام الذي لعبه المغرب في فرع بسيط لكنه مهم من فروع الحضارة، يجدر بنا أن نتصفح وجوه بعض الأطباء الذين رفعوا رأس المغرب عاليا، وأسهموا في ميدان الحضارة والثقافة العربية والعالمية بنصيب لا ينكره إلا الجاحدون. الأطباء كثر، وكثير منهم – للأسف –
لم يحتفظ لنا التاريخ بآثارهم، ومن تم لم يمكنا الاطلاع عليها أو رؤيتها رأي العين، غير أن بعضا منهم – وهدفنا التمثيل لا الاستقصاء – قد تمكن العالم من معرفتهم بما أسهموا به في ميدان العلم والفلسفة والطب والتأليف وما أشبه ذلك، ولذا يستحقون منا كل اهتمام واعتبار، ومن هؤلاء من أضفوا على الدولة المغربية بريقا خلابا من نور العلم، وعلى القرن الثاني عشر الميلادي وجزء من الذي يليه، عظمة وازدهار، وذلك هو عصر الموحدين المفترتى عليهم.

عائلة بني زهر :
ولنبدأ بهذه الأسرة التي أسدت خدمات طبية جليلة، وتتألف من عدة أطباء تعاقبوا على الدهر، فأحدثوا فيه :
1 – آثارا خالدة وأولهم : يعرف باسم محمد ابن مروان بن زهر، ولا نعرف شيئا عن مجهوداته الطبية، غير أننا نعرف أنه كان فقيها من فقهاء تلابيرة Talavera القريبة من مدنية طليطيلة، وفقيها توفي سنة 1035 م.
2 – وثانيهم هوايته أبو مروان عبد الملك بن محمد ابن مروان بن زهر، وقد قضى حياته في القيروان وفي بغداد والقاهرة وفي دانية بالأندلس حيث كان طبيبا خاصا لملك دانية محمد العامري وفي الأندلس كتب وحرر بعض كتبه الصغيرة، التي دعا فيها إلى عدم استعمال الحمام لاعتقاده أنه يعفن الجسم ويفسد تركيب الأمزجة.
3 – وثالثهم : ابنه أبو العلا زهر بن أبي مروان ابن زهر من مواليد إشبيلية حيث كان أبوه قد ذهب لمزاولة مهنته الطبية عندما مات ملك دانية من ملوك الطوائف.
وفي إشبيلية صار طبيبا خاصا لملك إشبيلية المعتضد بالله ابن عباد الذي منحه مدفنا له ولسلالته بجوار باب النصر بإشبيلية، ويظهر أن هذا أول طبيب أندلسي ورد على المغرب سنة 1092 م بعد استيلاء المرابطين على الأندلس، فصار طبيبا خاصا لعاهل المرابطين يوسف بن تاشفين، وفي أغمات تولى علاج الرميكية زوجة ملكه السابق المعتمد ابن عباد الذي كان أسيرا بالمغرب.
كان أبو العلا يثق بنفسه لدرجة أنه كان يأبى قبول أي علم أجنبي، ويقال في هذا الصدد أنه رفض أن يقرأ "قانون" ابن سينا الذي دخل الأندلس في عهده، ويظهر أن هذا الطبيب كان ممتازا في دراسة النبض وحركة القلب، وفي تحليل البول أيضا، وقد ترك لنا عدة كتب تحتفظ مكتبة الاسكوريال بواحد منها يدعى "المجربات" وهو عبارة عن ملاحظاته الطبية سجلها في أوراق خاصة، أمر بجمعها – بعد وفاتها – أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، ويحمل في فهرس الاسكوريال عدد 844 وكان يحمل من قبل 839، وله ملاحظات أخرى سجلها لولده هي كتاب "التذكرة" الذي ترجمه وطبعه كولان عام 1911 بباريس بعد أن ترجم إلى اللاتينية عدة مرات ابتداء من سنة 1282 م وقد قدمه بمقدمة موجهة إلى ولده ينصحه فيها ويعرفه بالأمراض السائدة في مراكش، وبالأدوية المناسبة لها، وقد ترجمت التذكرة إلى العبرية واللاتينية، وله رسالة في أمراض الكلي كتبها لعلي بن يوسف، وقد ترجمت إلى اللاتينية، أما في مكتبة باريس فيوجد كتاب له عن

"الخواص" و"شرح" لرسالة يعقوب الكندي حول تركيب الأدوية، وله بخزانة الرباط كتاب "جامع أسرار الطب" هذا ويذكر غ. غ. غاينت أن الكتاب الذي أمر بجمعه أمير المرابطين هو كتاب "التذكرة" لا كتاب "المجريات" وقد توفى هذا العالم سنة 1130 م.
4 – ومنهم أبو مروان عبد الملك بن أبي العلا وهو الذي يعرفه الغربيون باسم Avenzaar أو Abén Zohr هو من مواليد إشبيلية تعلم الطب على والده، وقد استطاع مزاولة الطب وهو ابن سبع عشرة سنة، يعده البعض أشهر أطباء إسبانيا المسلمة، ومن أشهر أطباء الإسلام، بل يعتبره أرفع منزلة من ابن سينا، وذلك للصفة العملية التي تتصف بها كتبه، وهو أكثر عمقا في الطب من أي طبيب عربي آخر، ذلك لأنه تخصص في مهنة الطب فلم يتصف – كسابقيه أو معاصريه من الأطباء – بالصفة الموسوعية التي كانوا يتصفون بها، فهو أول طبيب قح مختص سجلت اسمه القرون الوسطى لأنه لم يشتغل إلا بالطب(6).
لقي حظوة لدى المرابطين والموحدين معا، فقد كان طبيبا خاصا لأمير المومنين عبد المومن بن علي الذي قلده وظائف عالية، ومنحه شرف "محضر الترياق"وتحضير الترياق كان عملا مقصورا على الطبيب المفضل من أطباء البلاط المغربي، وقد ألف للأمير كتاب "الترياق السبعيني".
ومن تآليفه الهامة كتاب "التيسير في المداواة والتدبير" الذي ألفه لتلميذه ابن رشد الذي كان يعلمه ويدلله ويلاطفه ملاطفة ابنه الروحي، وقد شحن هذا التأليف بأفكار شخصية ذات فائدة تاريخية عظيمة وقد ترجم إلى اللاتينية والعبرية ومن تآليفه كتاب "الاقتصاد" يوجد مخطوطا بمكتبة باريس يحمل عدد 2959 ويتألف من 140 ورقة، ألفه بناء على طلب الأمير إبراهيم أخي أمير المسلمين علي بن يوسف ابن تاشفين، وله في نفس المكتبة كتاب الأغذية والأدوية الذي أهداه إلى عبد المومن، وله كتب أخرى. وهكذا نجد هذا الطبيب من المخضرمين الذين عاصروا دولتي المرابطين والموحدين، وعاشروا ملوك هذه وتلك وقد توفى سنة 1162م.
5 – ومنهم أبو بكر محمد بن عبد الملك ابن زهر ولد في إشبيلية سنة 1113 م وامتاز بنبوغه وذكائه وقوة ملاحظته، ولم يتخصص في الطب كأبيه، بل اشتغل إلى جانب الطب بالأدب والفقه والفلسفة، قد برع في نظم الشعر كما قال أزجالا وموشحات بلغت من الكمال مبلغا جعل الناس يروونها كنماذج لهذين الفنين.
وكان كأسلافه يتمتع بالحظوة لدى الموحدين فكان طبيبا خاصا لأبي يوسف يعقوب المنصور، يصفه المراكشي بالوزير الأجل بن الوزير وبالإمام المقدم في صناعة الموشح(7) غير أن الوزير أبا سعيد الذي كان من أحدق العلماء، كان يتضايق من هذا العالم، وربما غار من حظوته لدى الإمبراطور، فدس له السم في طبق بيض كما يقال ومات سنة 1199 م "596" بمدينة مراكش(8) وقبل أن يتوفاه الله أوصى أن يكتب على قبره قوله(9):

تأمل بحقك يا واقفا
  ولاحظ مكانا وقعنا إليه
تراب الضريح على وجنتي
  كأني لم أمش يوما عليه
أداوي الأنام حذار المنو
  ن، وها أنا قد صرت رهنا لديه

6 – ومنهم أبو محمد عبد الله بن أبي بكر ابن زهر، كان الحلقة السادسة في سلسلة أطباء هذه العائلة الشهيرة، ورث عن والده مهارته الطبية، كما ورث عنه الحظوة التي كان يتمتع بها لدى خلفاء الموحدين وأكاد أقول أنه ورث عنه حتى الكيفية التي مات بها، فقد كان مثل والده ضحية عملية تسميم، فاختفى من عالم الوجود في إشبيلية سنة 1205 م ألف في "أمراض العيون".
7 – 8 – أبو العلاء وأبو مروان عبد الملك، ابنا عبد الله السابق الذكر، وهما الاسمان الأخيران من مجموع الأطباء الذكور الذين ينتسبون إلى عائلة بني زهر التي شغلت ما يقرب من قرنين من الزمان في تاريخ الطب بالمغرب، وتوجد طبيبتان من هذه العائلة سنشير إليهما في آخر هذا البحث.

أبو بكر بن محمد ابن طفيل :
ولد في "وادي آش"(10) بالأندلس قبل سنة 503 هـ "1110 م" وتوفي سنة 581 هـ "1185 م" والعلماء متفقون على تاريخ وفاته، ولكنهم مختلفون في تاريخ ميلاده فالعالم فيدل فرنانديت يجعل ولادته حوالي سنة 1116 م، ولكنه لا يلبث أن يقول عنه أنه تخلى لابن رشد عن وظيفة طبيب القصر سنة 1182 عندما كان عمره زهاء السبعين(11) وهذا القول لا يستقيم مع قوله الأول، لذا أرى أن هناك خطأ ربما كان مطبعيا إذ أن الصفر قريب من رقم 6، في حين أن أنخيل كنثالينثيا(12) يجعل ميلاده قبل 506 هـ 1110 م وقلده في ذلك الأستاذ أحمد أمين(13) ولكن الخطأ في المقابلة، إذ أن سنة 1110 م يقابلها من التاريخ الهجري سنة 503 لا سنة 506.
اشتهر ابن طفيل في ميدان الفلسفة بسبب قصته الفلسفية "حي بن يقظان" التي اشتهرت في الغرب بسبب ترجمتها إلى اللاتينية على يد "بوكوك" باسم الفيلسوف المعلم نفسه وقد نشرت هذه الترجمة سنة 1671 م كما ترجمت بعد ذلك إلى الفرنسية سنة 1900 وسنة 1937 ثم إلى الإسبانية، سنة 1910 وسنة 1934. وقد استوحى فكرة هذه القصة الأديب دانيال دي فو عندما كتب قصته المشهورة "روبنسون كروزو".
ويبدو أن ابن طفيل ألف في الفلسفة كثيرا فقد قال العلامة المراكشي : ورأيت لأبي بكر هذا هذا تصانيف في أنواع الفلسفة من الطبيعيات والإلهيات وغير ذلك"(14) وبعد أن ذكر رسالة حي بن يقظان التي عدها من الطبيعيات، قال : "ومن تصانيفه الإلهيات رسالة في النفس رأيتها بخطه رحمه الله"(15) لكن هذه الرسالة كسائر كتبه الأخرى تعد ضائعة.
ومن الطبيعي أننا نورد اسمه هنا لا على هذا الأساس الفلسفي، ولكن على أساس أنه طبيب، ومعلوم أن أطباءنا الأقدمين، كانوا يتسمون بصفة الموسوعية، وقد سبق أن أشرنا إلى هذا. أجل، إننا نورد هنا هذا العالم لأسباب ودواع :
1 – خبرته الواسعة في ميدان الطب، فله عدة كتب ضاعت كلها للأسف، ولم يبق لنا من تراثه العلمي غير قصته الخالدة، لقد كان ابن طفيل – كعلماء عصره – يعرف أكثر من لغة، ولذا أتيح له الاطلاع على كتب الأقدمين في الطب وغيرها، كما أتيحت له مناقشتها إلى جانب تآليفه هو في الموضوع. ومن تآليفه الطبية كتابان نعرفهما من خلال تنويه ابن رشد بهما : أحدهما في الأدوية المفردة : De medicamentos simples والآخر سماه : محاورات بين ابن رشد وابن طفيل. Duscusiones entre Aberroés y A. Ben Tofail.
وليس هذا فحسب، بل إنه اخترع نظاما فلكيا خالف نظام بطليموس تمام المخالفة.
ب – مزاولته للطب : فقد كانت وظيفة الطبيب الأول من جملة الوظائف العليا التي أسندها إليه إمبراطور الموحدين عبد المومن بن علي، فقد ولاه أولا سكرتيرا خاصا لابنه الأمير أبي سعيد عثمان ثم قلده منصب قاضي، فطبيب للبلاط فوزير للدولة.
ولما بلغ من الكبر عتيا – وكان قد تفضل على ابن رشد الفيلسوف والطبيب، فعرفه بسلطان الموحدين – تخلى لهذا الأخير عن وظيفة الطبيب الخاص بالبلاط، واكتفى هو بمزاولة مهامه كوزير، وتفرغ للتأليف في الإلهيات.
ج – إن الموحدين هم الذين أظهروا ابن طفيل، وأكسبوه الشهرة التي يتمتع بها، ذلك أنه كان بالأندلس مع أمير وادي آش الذي أعلن استقلال مقاطعته سنة 1145 م واستولى على بياسة، وحكم المنطقة مدة إلى أن تغلب عليه المرابطون، وقضوا على عرشه وحريته، واستاقوه أسيرا إلى المغرب، وجاء معه ابن طفيل.
ولفتت مواهب هذا الرجل وحكمته أنظار المغاربة، ونظر أمير الموحدين عبد المومن خاصة، فعينه سنة 1154 م سكرتيرا خاصا لابنه أبي سعيد عثمان حاكم سبتة وطنجة والجزيرة الخضراء، وقد رافق صاحبنا هذا الأمير سنة 1154 م عندما غزا ألمرية التي كان الإسبان قد استولوا عليها، كما غزا معه وادي آش "مسقط رأسه" ثم غرناطة التي كان قد تحصن بها حاكمها أبو عبد الله محمد بن سعد.
ولما توفي عبد المومن، وخلفه ابنه أبو يعقوب يوسف نال صاحبنا لديه حظوة كبيرة يدلنا عليها المؤرخ المعاصر عبد الواحد المراكشي الذي قال : "وكان أمير المومنين أبو يعقوب شديد الشغف به والحب له، بلغني أنه كان يقيم في القصر عنده أياما، ليلا ونهارا لا يظهر، وكان أبو بكر هذا أحد حسنات الدهر في ذاته وأدواته"(16).
وعندما توفى الأمير أبو يعقوب يوسف، حضر ابن طفيل جنازته، كما حضر حفلة تتويج خلفه ابنه أبو يوسف يعقوب رابع ملوك الموحدين الذين منحوه ثقتهم دون تحفظ، غير أن صاحبنا لم يلبث أن توفاه الله سنة 1185 م فشيع إمبراطور الموحدين جنازته، وذلك شرف لم يكن يمنحه الخليفة لأي كان(17).


(1)  الإسلام والعرب : ترجمة منير البعلبكي ص 237.
(2)  المصدر السابق ص 264-265- و267.
(3)  مستقبل الحضارة. تأليف دي بويس، وترجمة لمعي المطيعي ص 29-32.
(4)  روم لاندو : العرب والإسلام ص 170.
(5)  المصدر السابق ص 181.
(6)  Fidel Fernandez : La Medecina Arabe en Espana, p.p. 79-80.
(7)  المصدر السابق ثم هذا Guillermo. G. Gallent ; Sintesis de Historia de Marruecos, p. 85.
(8)  المعجب ص 50-52.
(9)  تاريخ الفكر الأندلسي : ترجمة حسين مؤنس ص 129.
(10)  Guadix مدينة من أعمال غرناطة. ووهم الأستاذ أبو ريدة فترجمها بقادس "تاريخ الفلسفة في الإسلام ص 249".
(11)  La Medicina Arabe, p.p. 87-88.
(12)  تاريخ الفكر الأندلسي : ص 384.
(13)  حي بن يقظان : ص 9.
(14)  المعجب : ص 145.
(15)  La Medicina Arabe, p. 87.
(16)  المعجب : ص 145.
(17)  الطب العربي ص 88.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here