islamaumaroc

ديوان العدد الماضي

  دعوة الحق

86 العدد

النقد، هل هو شيء يهابه الناس ؟ لم أسمع من قبل، وربما من بعد : أن النقد أمر يهابه "المثقفون".
والواقع أنها كانت خطة محكمة ضد النقد الأدبي على صفحات هذه المجلة الغراء، والممثلة للحركة الثقافية في هذا البلد.
كنت أنتظر من السيد رئيس التحرير أن يتخذ موقفا من دعوة الأستاذ ابن جلون، ومسانده في رأيه الدكتور المحاسني، ووقع ما كنت أتوقعه من الأستاذ رئيس التحرير حين عرض على الأستاذ غلاب تقييم العدد الأخير من السنة الثامنة من عمر المجلة المديد.. وأحب هنا أن ألقي سؤالا على الأستاذ ابن جلون باعتباره رائد فكرة "واد النقد" أقول له : "هل سبق لكم أن قرأتم في تاريخ قيام النهضات الثقافية في طول الأرض وعرضها، أن نهضة ثقافية قامت في بلاد ما من غير أن يكون الباعث في قيامها حركة نقدية سليمة موجهة "الكسر" ؟ ما أظن الأستاذ الكريم يخالف في هذا، وعليه، فلماذا يعاكس في هذه اللمحات الخاطفة التي يقوم بها أساتذة كرام في محاولة إعطاء نظرة صادقة عن عدد من المجلة زاخر بالمعارف المتنوعة يحار القارئ العادي في فهمها، وبالتالي في التوفيق بينها ؟ "من تفسير للقرءان الكريم، والحديث الشريف، إلى دراسات إسلامية، ومن هذه إلى أبحاث متنوعة، إلى ديوان المجلة، إلى قصة العدد والأنباء..".
هذا، واعلم أن مهمة الناقد صعبة وشاقة، وخصوصا في مجلة تفرض على ناقدها أن يعطيها نظرة كاملة في العدد، من ألفه إلى يائه، وعلى هامش هذا أود صادقا أن ألفت نظر التحرير إلى أن هذا إن لم يكن فيه ظلم للناقد، وللأثر المنتقد، ففيه على العموم إجحاف وأي إجحاف. لأن النقد اختصاص قبل كل شيء. فكيف يتسنى لأستاذ مختص في الدراسات الإسلامية – مثلا – أن ينتقد ديوان المجلة ؟
ثم هناك دعوة الدكتور المحاسني – وهو يعاضد الأستاذ ابن جلون – وأعتقد أن حجته في ذلك واهية من أساسها، لأنه أتى بدليل ينكره النقد نفسه !.. فإذا كان الدكتور قد حضر يوما في مجمع يحاضر فيه "مخائيل نعيمة" وأنه شاهد في نهاية المحاضرة خصما لمخائيل يهاجمه بمبتذل القول وسخيفه، فإن ناقد نعيمة أو مهاجمه – على الإطلاق – لا يمكن أن يتخذ نموذجا لكل النقاد، وأينما كانوا .. وقديما قال الفقهاء : النادر لا حكم له.
فنحن، وإن شاء الله، وفي هذا الوطن، وبفضل مثقفينا سنوجه حركتنا النقدية توجيها سليما خاليا من أهواء شخصية وحملات مضللة القصد منها "تحقير" الخصم والتشكيك في ثقافته أو شاعريته. إلى هذا الحد – وأستسمح القارئ – أدخل في الموضوع، أو المهمة التي كلفت قلمي خوضها. وقبل أن أقول قولا ليعلم القارئ عني أني أعرف – مسبقا – أن الحكم على آثار الآخرين، والقول الفصل فيه شيء ليس بالأمر الهين، ولا بالسهل اليسير، وأعلم – سلفا – كذلك أن إطلاق الكلام على عواهنه ليس من النقد في شيء ولا مما يليق بالنفس .. ولا حتى من حسن الأدب "الخلق"، وعلى هذا فسأقول ما أعلم أنه الحق، والكمال بعد لله.
أبدا فأقول : الحركة الشعرية في بلادنا بخير، وتلمع بتباشير خير وبركة ! وأن المستقبل خير بكثير من الماضي، أو من "مأساة الماضي" إن جاز التعبير، ولعل للأستاذ كنون ولاشياعه في الرأي رأيا – يخالف هذا .. أعتقد أن الصراع المذهبي الشعري في بلادنا على أشده، كما أعتقد أن الغلبة ستكون بلا ريب للجديد، وللجديد وحده، ولا أقصد به الشعر الذي عماده التفعيلة الواحدة، وإنما الجديد بأوسع معانيه، أي سواء كان في الشكل أو المضمون، أو هما معا .. وبعد، وقبل. فالحكم "بالفتح" هنا هو المستقبل..
ديوان المجلة هذه المرة زاخر جميل، ولعله من أحسن دواوينها منذ السنة الثامنة "العمر الجديد في حياة دعوة الحق" " وهو يحتوي على أربع قصائد، شارك فيها كل من الشعراء – على حسب ترتيب الطبع – حسن الطريبق، عبد المجيد بن جلون، عبد الكريم التواتي، عبد الكريم الطبال. للأول قصيدة "مع البحر" وللثاني "دمعة الشاعر" وقصيدة "الروض المهجور" للثالث و"أسطورة إنسان" للأخير. وسأحاول تقييم هذه القصائد على ما زعمته أولا من أن الشعر المغربي المعاصر في أزمة مذهبية خانقة، وأرى – ومن حسن المصادفة – أن لكل مدرسة نموذجا في الديوان، تقريبا فقط، وإلا فهناك مدارس أخرى من غير أن تكون لها نماذج في الديوان، وسأتناول القصيدة على حسب التطور المذهبي والزمني للمدرسة التي تنتمي إليها.
أقدم المذاهب الأدبية – نقصد هنا الشعرية – هي "الكلاسيكية" كما في التعبير الغربي. أو "العتيقة" كما في الاصطلاح العربي .. والكلاسيكية شيء كان قائما يوما في دنيا الناس، وانقضى زمنه ومات، وهذا ليس بعيب في المدرسة ذاتها، أو في الشعر العربي القديم. لأن هذا الشعر كان في يوم معاصرا لزمانه ومستجيبا لمعاصريه ولفترته وظروفه التاريخية .. أما أن نعيد نحن وفي القرن العشرين، وبالضبط في نوفمبر 1965 للميلاد "خلق" هذا النوع من الشعر فهذا هو العيب، بل العار .. القصيدة التي تمثل هذا – مع الأسف – هي للأستاذ عبد الكريم التواتي "الروض المهجور" ويا ليت لو كانت من "الكلاسيكية الحديثة"، من طراز شعر شوقي وحافظ، وخليل مطران .. فالأستاذ التواتي يبدأ قصيدته بالدعاء للدار ولأهلها . نعم . هكذا :

فردوس فاس وقاك الله إرهاقا
  وطاب ربعك إيناسا، وإشراقا

بالله، ماذا تقول في هذه النازلة التي نزلت بنا نحن أهل القرن العشرين ؟ لا أدري كيف يتسنى لإنسان يعيش معنا، ويرى ما نحن وما وصلنا إليه، ثم لا يخجل أن ينطق بلسان من سلفوا، وبمن طواهم الزمن ؟ ثم كيف يتسنى للقارئ – لقارئ الأستاذ التواتي – أن يوافق بين قوله للحلوي، وبين شعره .. يقول صاحب "الروض المهجور" في مقام رده على الأستاذ الحلوي "دعوة الحق – العدد الثاني – السنة الخامسة".
يقول : "أحب أن أقرر حقيقة .. أومن بها أنا إلى حد الهوس، تلك هي أن الشعر العاطفي والإنساني ليس إنتاجا مستوحى من رواسب إنتاج الآخرين، كما أنه ليس تعبيرا لما عليه الآخرون أو لما يريدونه، ولكنه في نظري تعبير صادق حي كما يحسه الشاعر في أعماقه، ويجده في أغواره، ويومن به على أنه الحقيقة الأزلية ..".
ويقول : ".. في الناحية الشعرية أرى من واجبي أن أخلق لنفسي جوا خاصا لا أريد أبدا أن أخضع فيه لغيري لا من قريب، ولا من بعيد .." "!".
العفو، يا أستاذ، لقد خضعت إليه من قريب وبعيد، ولا أبالغ إن أنا قلت : أعدت علينا عهد "قفا نبك من ذكرى ..". ثم أود أن أقول للأستاذ التواتي ما كان هو قاله لمناقشه : "لا أعتبر شعره – ك – إلا صورة طبق الأصل لما لاكه المتنبي، وأبو تمام، والبحتري مع احترامي لهؤلاء الأقطاب" وأزيد على هؤلاء علما آخر : هو القطب الشيخ البوصيري !. وأعود لأقول كيف يتسنى لقارئ شعر الأستاذ التواتي – إن كان شعرا – أن يوافق بين فعله، وقوله، بين شعره وآرائه في الشعر. لعل الأستاذ يريد أن يشعر، وشيطانه يعاكسه !. فالذنب إذن ذنب الشيطان لعنه الله .. وإن كان لابد من أن أقول كلمة في القصيدة التي كتبها الأستاذ، فهي هاته : "الذي أعجبني في القصيدة عنوانها" ووفق الله الأستاذ في الآتي.
البحر هذا الموجود العظيم الهائل، والزاخر بالحياة والموت، هذه المتاهات من المياه .. البحر هذا القاذف بأمواجه أبدا إلى الشاطئ، بمائه الأزرق، وزبده الأبيض الهش. الصامت آنا، المصطخب أحيانا.. هذا كله، وغيره، ماذا تراه يفعل في قلب الشاعر وعينه وحسه ؟ ذلك ما أراد أن يقوله لنا الأستاذ حسن الطريبق. فهل أفلح ؟ يجدر بي أن أقول أن الموضوع قديم قدم الحركة الرومنسية في الأدب العربي "الشعر"، وأن الازدواج ما بين الطبيعة والإنسان شيء أحسه الرومنسيون، وعليه بنوا مدرستهم .. وبعد كل هذا تبقى محاولة "التعزي" بمظاهر الكون موضوعا خالدا، قديما حديثا، والموضوع الفني لا يبليه قدم العهد، بل على العكس، إن وجد القلوب العظيمة، والخيال المبدع، والأقلام الحاذقة الطيعة ازداد توهجا ونصوعا. ودليلنا على هذا عودة الشعراء المحدثين إلى الأساطير الإغريقية، والبابلية ... وكم من مواضيع للفن حديثة خصبة موحية مسخها المحدثون بشعورهم "المضبب" وأقلامهم السخيفة، ونحمد الله إن كانت قصيدة الأستاذ الطريبق من النوع الأول ؛ لكن في نطاق لا تتعداه. وإن كان لي من طلب على الشاعر فهو أن يحاول – أرجوه – التخلص من هذه العواطف المبتذلة "الممضوغة" بين فكي كل من هب ودب، وأن يسمو بنفسه إلى الأعلى شيئا حتى ينقذ نفسه مما قد يتورط فيه: "أن تدوسه عجلة العصر المسرعة" فلماذا مثلا هذه اللهجة الخطابية القديمة :

يا بحر، كم تهتاجني وتثيرني
  زفرات قلبك حين تصطفق المياه
يا بحر، يا مهد الخيال وسره
  يا مقلة الأوهام، يا لغز الحياة

نعم إنها كانت في يوم تثير الأعصاب، وتوقظ كوامن الشعور، أما اليوم، فلا، فللعصر موسيقاه، وأسلوبه. ثم هذه الكلمة في البيت الحادي عشر "وانزعزت"، فإنها تصلح أن تكون في شعر "الحطيئة" أما في شعرك ... وفي الأخير نقول للشاعر رغم أنك قلت أنها كانت وقفة تختلف عن كل وقفة أخرى، فإنا نؤكد أنها وقفة كغيرها من "الوقفات".
أما قصيدة الشاعر عبد المجيد بن جلون "دمعة الشاعر" فهي الأخرى لا تخرج عن مدار الرومانسية، ومحورها محور القصيدة المتقدمة. الطبيعة (سوف لا أتحدث عن الشكل).
الشاعر البلبل المترنم للزهر، للوجود، النافث أنفاسه في شبابته المسعورة. يخرج النغم منها ممزوجا بدمه، وحرارة قلبه. أيها الشاعر عن، وأشد على ظهر كوكبنا الفقير إلى الغناء والشدو و"إنه معنى الأسى يا شاعري". وهكذا يقضي الشاعر عمره في الغناء "للفجر الوليد"، "للآتي وللأمس البعيد" تماما لا فرق بينه وبين طائر سابح في روضة "يذرع العمر" يغني ويهيم. الخيالات الرؤى هي كل ما يملك في دنيا الناس.
يقول "ديهاميل" الكاتب الشاعر الفرنسي في كتابه "دفاع عن الأدب" ما في معنى هذا السؤال : ماذا يكون مصير العالم لو طرأ على الخزائن والكتب تلاف، وتحولت كل الأوراق إلى غبار تذروه الرياح ؟ ونحن نقول : ماذا يكون مصير العالم لو جف قلب الشاعر – بالخصوص – وخرس لسانه ؟
"دمعة الشاعر" كلام شعري جميل "بسيط" وفي هذا المعنى الأخير جاء توفيق الشاعر ابن جلون. وما أحسبه يعرف "بالتشديد" الفن إلا كونه شيئا جميلا بسيطا عميقا. ولكن أنغفر للأستاذ هذا الابتذال :
وتألق في سماء الشهرة
  نجمة ساطعة بين النجوم
هنا انفلت الزمام من يد الشاعر، وتضعضع الحرف على لسانه، فقال ما كان يجب أن يصمت عنه، لكن ما رأيكم في هذا – وهو يقوله مخاطبا الشاعر :

لا .. فهذا كله نمقته
إنما أصدق ما رددته،
إنما أروع لحن صغته :

دمعة ترسلها في الظلمة
  صامتا في حلكة الليل البهيم
الواقع أن الشاعر جعل النهاية رائعة جدا، فكان مصدقا للمثل القائل : إنما الكلام بآخره. وكأني بالشاعر في هذا المقطع الأخير أنكر على الشعراء المتحذلقين تزويقهم وتنميقهم، فثار فيهم ثورة مضرية :
"لا .. فهذا كله نمقته"
وبعد، فلولا الخاتمة لما خرجت "دمعة الشاعر" من عداد القطع المحفوظة بالمدارس الابتدائية. ولكن الله سلم ..
"أسطورة إنسان" هي القصيدة الأخيرة في ديوان المجلة، ولعلها أبدع قصيدة من مجموع أربع قصائد، وإن كانت هي الأخيرة، وما أحسب أن قلم التحرير يرتب القصائد على حسب جودتها وجمالها ! وإلا لكانت "الأسطورة" على رأس القافلة – رأي شخصي -.

الحق أن الشاعر عبد الكريم الطبال يعمل جاهدا في "معايشة" العصر. فهو يعالج القضايا التي يحسها إنسان العصر، ويحياها في معترك الحياة، في معمعة الصراع من أجل البقاء، وفي موقفه مع نفسه ومع الآخرين، ويأتي هكذا كل ما كتبه الطبال تقريبا، والمتتبع لشعره يدري هذا تمام الدراية. هذه أول مرة ينشر الطبال في "دعوة الحق"، ولا أدري لماذا كان هذا البطء، إلا أن مشاركته هذه المرة كانت رائعة، أنقذت الموقف، ودلت دلالة واضحة على أن الحركة الشعرية في بلادنا تتخطى الحواجز، والشكليات ولوك الكلام الفارغ إلى شيء جدي، لا يعتمد على التضخيم، والتهويل، ولا على رصف الكلمات من غير إيحاء، ولا ظلال، من غير إسكاب التجربة الذاتية، والإنسانية في الكلمة الواحدة، والجملة وبالتالي في القصيدة بأكملها. فكان الشاعر الطبال من أولئك الذين ضربوا عرض الحائط بالمفهوم الشعري القديم، وتقبلوا المفهوم الجديد الذي يعطي لإنسان العصر – الإنسان ككل – كل اهتمامه ... ومع هذا فلا زالت رواسب من الماضي – الماضي السافل فقط – تغمر "مخيلته" التي في إمكانها أن تخلق العجيب والعظيم لو تخلصت منه تماما.
إن كان لي من مأخذ على القصيدة (عشرة أبيات) فهي طفيفة.
"سيان عندي..." ألا ترون معي أن هذا المطلع ليس أهلا لأن يكون مطلعا ولهذه القصيدة بالذات ؟ . الحاصل أن هذا التركيب كثيرا ما قرأناه. ثم يزيد على هذا فيقول :
"(سيان عندي) أن أثرثر في صفاء، الحلم كالقيتار ..."
أترون وجها للشبه بين "الثرثرة" وصوت القيثار ؟
ثم هذا الاعتناء باللفظ إلى درجة التزويق – لنتذكر أن هذا خلت منه دمعة الشاعر لابن جلون – لماذا الاعتناء باللفظ إلى الدرجة التي نقلل بها من قيمة القصيدة ؟
وأخيرا فالقصيدة في مجملها رائعة، وبالتالي تدور على معنى هو مدار الشعر العربي الحديث.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here