islamaumaroc

الأدب النسوي في المغرب (الأندلس) -5-

  دعوة الحق

86 العدد

الأدب الأندلسي في ميزان الحقيقة :
شط بعض البحاث في زعمهم عندما رموا الأدب الأندلسي بالتقليد المحض، وأنه ليس أدبا ذا قيمة ووزن، وأنه عالة على الأدب المشرقي ونسخة منه، وقف حياته على المحاكاة، وسار على درب غيره فلا ابتكار ولا تجديد يعطيه صورته الاستقلالية والتحررية، ولا يحفل بنفحات فنية مبدعة.
هذا الزعم قال به غير واحد من البحاث، ولست أدري ما السبب في ذلك ؟ هل هو التعصب لكل شرقي خالص أو السبب هو شيء آخر غيرا التعصب الشرقي.
وسواء كان هذا الحافز إلى الإجحاف التعصب أو غيره فإن مثل أولئك –مع تقديري- مثل من يريد أن يشم بعينيه، ويرى بأذنيه، ويتذوق بأنفه.
فالأدب الأندلسي في تكوينه الأول كان امتدادا لصدى الأدب الشرقي ما في ذلك شك، ولا يستطيع أحدنا أن يرفع سبابته فينكر تأثير المتنبي وأبي تمام وأبي نواس وإضرابهم عن سدنة الشعر العربي في شعر شعراء الأندلس، ولكن بعد أن ترفت الحياة في الأندلس، ورقت أنفاسها بين جنباتها وأخذت شكلها الحضاري الرائع بدأنا نرى ظهور خصائص تميز هذا الأدب عن صنوه المشرقي ويحيد شيئا فشيئا عن طريقته.
ويمكن القول بعد هذا أن الأندلسيين في منهجهم المحافظ لم يدفعهم إلى ذلك الاحتذاء وحب التقليد بل أن هناك مبررا يبرر هذه القضية هو أن ظروفهم في تلك الفترات استدعت إلى حد بعيد موضوعات تقليدية كالفخر والحماسة والمدح، ذلك لأن البيئة الأندلسية اتسمت بطابع عربي بحت فلم يكن بد لهم من أن يخضعوا لمقتضيات واقعهم وحتمية بيئتهم. وعلاوة على هذا فإن العرب أينما انتقلوا إلا وانتقل في أذهانهم عالم مثالي، عالم آبائهم الذين عاشوا في الصحراء بكل ما فيها من نوق وكثبان وهضاب وأطلال، فلم يتخلصوا من موروثاتهم بسهولة ويسر، وقد شابه هذا ما قام به الأوروبيون في العصر الكلاسيكي عندما استوحوا عالمهم المثالي اليوناني والروماني فنهجوا مسلك قدمائهم، رغم تنوع الحياة، وشابه هذا أيضا ما كان من أدباء أمريكا اللاتينية حين أصبحوا ينحتون أدبهم من متحف الأدب الإسباني التقليدي وذلك باعتباره أدب عالمهم الأسطوري، وإنه لو انتزع ما أخذه أدباء أمريكا من الأدب الإسباني لما بقي شيء يذكر من الأدب الإسباني الأمريكي.
والتقليد يقصد به هؤلاء الأندلسيين قد نهجوا في شعرهم طريقة إخوانهم المشارقة في العمود الشعري الذي هو الوزن والروي. ونحن إذا قلبنا بين أيدينا دواوين الشعراء منذ أن انفتحت بالضاء لهاة شاعر عربي لألفينا تشابها في الوزن والروي.
والحقيقة أن الشعر ليس معياره الوزن والروي فإن ذلك ملك للجميع من غير استثناء، وإن القيمة الحقيقية تعطى أول ما تعطى للمضامين وما حفلت به من قوة الشعور، وفوران الإحساس، ومدى صدق الشاعر في العمل الأدبي.
وحسب الأندلسيين أنهم ابتكروا أوزانا شعرية جديدة هي الموشحات والأزجال.
أما فيما يخص المعاني، معاني السابقين فإن الأندلسيين أتوا بما يعتبر ابتكارا وخلقا، وفي هذا الصدد يتعرض الأستاذ الكبير مصطفى صادق الرافعي للأدب الأندلسي فيقول : "يمتاز بتجسيم الخيال النحيف وإحاطته بالمعاني المبتكرة التي توحي بها الحضارة، والتصرف في أرق فنون القول، واختيار الألفاظ التي تكون مادة لتصوير الطبيعة وإبداعها في جمل وعبارات تخرج بطبيعتها كأنها التوقيع الموسيقي، بل هي تحمل على التلحين بما فيها من الرقة والرنين، ولا يشاركهم في ذلك إلا من ينزع هذا المنزع ويتكلف ذلك الأسلوب، لأن جزالة اللفظ في شعرهم إنما هي روعة موقعة، وحلاوة ارتباطه بسائر أجزاء الجملة، وتلك فلسفة الجزالة، ومن أجل ذلك أحكموا التشبيه وبرعوا في الوصف ؛ لأنهما عنصران لازمان في تركيب هذه الفلسفة الروحية التي هي الشعر الطبيعي(1)".
ويلح الإنصاف ونحن في معرض الدفاع عن الأدب الأندلسي أن نقف هنيهة من الزمن لنناقش الدكتور إحسان عباس مناقشة طفيفة فيما ذهب إليه في كتابه "تاريخ الأدب الأندلسي – عصر سيادة قرطبة" ص 101 من أن "رقبة التقليد خانقة تحول القابليات عن طريق الابتكار، ولو أن الأندلسيين نظروا من خلال أنفسهم مثلا إلى شعر الطبيعة لاستغنوا عن مناظرات ابن الرومي وتشبيهات ابن المعتز الجامدة ولاستوحوا بيئتهم لا إشعار أبي نواس في الخمر وهكذا".
الدكتور إحسان عباس –مع احترامي له- جمح به القلم عن جادة الصواب ؛ ذلك لأن الأندلسيين لم يأتوا أمرا أبدا إذا استعانوا بتشبيهات ابن المعتز وغيره، وأدى ذلك إلى خلق جميل، وليس غريبا أن تداولت المعاني بين الشعراء والأدباء وبخاصة إذا نقحت وأفرغت في قالب جديد، وكذلك كان شأن الأندلسيين –لا في كل أعمالهم الأدبية- يعرضون المعنى في ثوب قشيب كما لو كان عملا جديدا.
ولنستمع إلى المستشرق الإنجليزي نكلسون يحدثنا عن الشعر الأندلسي فيقول :
"لعل أمتعه مميزات الشعر الإسباني ذلك الوجدان العاطفي الرقيق الذي يندر وجود مثله في النسيب والذي ظهر كثيرا في أغانيهم عن الحب وهو وجدان لا يقتصر على تصوير فروسية القرون الوسطى بل يتخطى ذلك إلى حد تحسبه أحساسا جديدا بمحاسن الطبيعة التي جملته(2)".
وأني لا عجب من أن يصدر هذا الحكم الجائر من طرف إنسان كالدكتور إحسان عباس، فالأندلسيون قد استوحوا بيئتهم وعبروا عن حضارتهم تعبيرا رقيقا، ومثلوا العصر خير تمثيل، ونظروا من خلال أنفسهم، وأبرزوا شعورهم نحو الحياة وسابقا أوردت نصا للرافعي يعزز ما نذهب إليه، والسيد الدكتور لو تمهل قليلا واستقصى الشعر الأندلسي لصح عنده أن الشاعر الأندلسي استغنى غير ما مرة عن تعابير غيره وطرح ما كان يجتره من صور الجزيرة العربية، ونبذ نبذ نواة ما علق بذهنه من المحفوظات القديمة، ولا أدل على هذا من شعر شعراء الطبيعة الأندلسية، تلك الطبيعة التي سلبت لب الأندلسيين فهام في رحابها يتملى روعتها في شبه دوار لذيذ فرسم اللوحة أثر اللوحة موزعا الألوان في إبداع مدهش، ومن أجل ذلك أتى بمعجز الخيال الرقراق رائع المعنى، فابن خفاجة وابن حمديس وابن زيدون شحارير الفردوس المفقود شاهد عدل ناطق على ذلك، ولولا خوفنا من الإطناب لأتينا بنماذج عديدة تفند زعم السيد الدكتور.
وفيما سبق تحدثنا عن خصائص الشعر الأندلسي، وذلك فيه غناء وأي غناء فلا نحتاج إلى تكراره هنا.

انطلاق النهضة النسوية في الأندلس :
لا مناص من الاعتراف بأن انطلاقة النهضة النسوية في شبه الجزيرة الأندلسية بدأت منذ أن استدف الأمر للأمويين، بيد أن هذه النهضة ازدادت انتشارا وذيوعا في عصر ملوك الطوائف بعد أن ازدهرت الحياة الأدبية، وتفتحت أزهارها وتضوع عبيرها بما حفلت به من روائع القول وجياد المعاني وعبقري الخيال ؛ وآية ذلك أن المرأة الأندلسية أخذت تساهم في أنواع الثقافات وتشارك خصوصا في بناء صرح الأدب من شعر وإنشاء ومناظرات ومساجلات، وقد يعود ذلك أول ما يعود إلى البيئة الأندلسية التي أصبح أهلها يعيشون على رفرف من العيش زاه، ويميسون في مطارف النعيم، وأبراد الترف مما يثير في النفس الشاعرة حوافز تدفع إلى قول الشعر وضفر الكلمات ياسمينا وقرنفلا.
ويروي بعض المؤرخين أنه وجد في الأندلس ستون ألفا من الشاعرات(3) وكان أغلبهن في غرناطة وكن يدعون بالعربيات بدلا من الغرناطيات لأنهن نهجن نهج العرب في القريض والتزام الفصاحة في المعنى.
وفي ميدان العلوم اشتهرت كثيرات منهن حتى أن نساء الخلفاء كن في غير حاجة إلى الأطباء ما دامت هناك طبيبات، وفي غير حاجة إلى معلمين ما دامت هناك معلمات، ومن أشهر الطبيبات أخت الحفيد ابن زهر وابنتها اللتان كانتا لهما الخبرة الجيدة في مداواة النساء، ومن الأستاذات مريم بنت أبي يعقوب الأنصاري التي تخرجت على يدها طائفة من شهيرات النساء، والشاعرة العروضية البلنسية التي أخذ عنها العالم يوسف بن نجاح علم العروض.
وفي ميدان الشؤون الدينية كحافظات القرآن فإن عددهن لا يكاد يحصى. وقد روي أنه كان في الأندلس ستون ألفا من حافظات القرآن اللواتي ترفع كل واحدة منهن على باب منزلها قنديلا ليلا علامة على أن هناك حافظة.
ومن المناسب أن نذكر هنا أن الحركة النسوية هذه قامت على أكتاف الحرائر بعكس ما نجد في أيام دولة بني العباس في الشرق، أما الإماء فقد استقلن بالموسيقى وقطعن فيها أشواطا، وآية ذلك أن الأندلسيين كان من رأيهم أن الموسيقى لا تتلائم ومستوى الحرائر، ولهذا فإن التاريخ الأندلسي لا يعرف سيدة إلا ولادة بنت المستكفي برعت في الموسيقى وقد كانت في نظرهم من المتطرفات في هذا الأمر.
وبهذا ينتهي التمهيد الذي كان غرضنا منه هو إلقاء أضواء خاطفة عن مشاركة المرأة العربية في كل الميادين وخاصة الميدان الشعري، ثم أفضى بنا الحديث –وذلك طبعي لا محيص عنه- إلى الأدب الأندلسي عموما، وأعتقد أن جوهر البحث، دوما يتطلب تقديما أو تمهيدا يكون بمثابة مشاعل على الطريق تضيء دجنة الساري.
وبعد هذه الجولة وإن طالت فقد كشفت عن جوانب إيجابية بالنسبة للبحث، وسندير الحديث عن عصر الإمارة وهو أو خيط نمسكه في موضوعنا المراد دراسته.


(1) - تاريخ آداب العرب ج 3 ص 311.
(2) - نظرات في تاريخ الأدب الأندلسي ص 340.
(3) - أعتقد أن هذا العدد الضخم من الشاعرات مبالغ فيه، لأن التمديد العددي لا يخلو أحيانا من أخطاء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here