islamaumaroc

الثبوت العقلي للرسالة المحمدية

  أبي الاعلى المودودي

العددان 4 و5

أغمض عيني جسدك قليلا، وارجع بعيني فكرك إلى ما قبل أربعة عشر قرنا من تاريخ هذه المعمورة... كيف كانت تلك الدنيا؟ ما أقل الوسائل فيها لتبادل الأفكار ين الإنسان والإنسان! وما أضعف أسباب الاتصال بين الشعوب والأقطار! وما أضأل معلومات الإنسان وأضيق أفكاره، وأغلب الأوهام والوساوس والوحشية عليه! وما أضعف نور العلم حتى كان لا ينتشر فيها ويقشع دياجير جهلها إلا بجهد جهيد، وبطء لا يكاد يشعر به؟ ما كان فيها برق ولا هاتف ولا إذاعة ولا سيارة ولا قطار ولا طائرة ولا مطبعة ولا دار للنشر، ولا كثرة للمدارس والكليات، ولا كانت تنشر فيها الجرائد والمجلات ويكثر فيها تأليف الكتب وتوزيعها. فكان واحد من كبار علماء الأيام وأشرفها أقل تهذيبا من واحد من الأجراء المرتزقين في هذه الأيام. وكان من يعد من أكثر الناس تنورا في ذلك الزمان أكثر في الظلمة والتخلف من أجهل الناس في هذا الزمان. والأمور التي تلوكها ألسنة الصبيان في هذا الزمان قلما كان الناس يعرفونها في ذلك الزمان ولو بعد بذلهم الجهود المضنية المتتابعة إلى سنوات طوال في البحث والتنقيب، والمعلومات التي هي أبلج من ضوء النهار ويسقط عليها كل صغير مع بداءة سن شعوره في هذا الزمان كان يقطع لها الناس في ذلك الزمان مسافات بعيدة ويفنون في التعرف عليها أعمارهم، والأمور التي تعد اليوم من الأوهام الخيالية والخرافات الواهية كانت بمثابة الحقائق لا يتطرق إليها الشك في ذلك الزمان. والأعمال والأفعال التي تعافها اليوم الطبائع وتوصف بالوحشية وقلة الأدب، كانت من عادات الناس ومألوفاتهم في ذلك الزمان. والطرق التي يربأ عنها ضمير الإنسان في هذا الزمان ما كانت في ذلك الزمان مشروعة فحسب، بل لم يكن يخطر ببال أحد إمكان أن يوجد طريق غيرها. وقد كان الإنسان بلغ في عبوديته للغرائب مبلغا جعله لا يعتقد الصدق أو العظمة أو القداسة في شيء ما لم يكن فوق الفطرة خارقا للعادة، ويرى نفسه من الذل والهوان بمكان يعجز فيه أن يتصل بالله ربه أو يكون أحد المتصلين به من بني جنسه.
وقد كانت في مثل هذا العصر المظلم ناحية في الأرض كان للظلمة استيلاء تام عليها وإحاطة بكل نواحيها، تلك هي بلاد العرب التي كانت منعزلة عن الدنيا على وقوعها بين ممالك كانت على جانب عظيم من المدنية والحضارة حسب ما كان للمدنية والحضارة من مقياس في ذلك الزمان.
كانت في بلاد الروم والفرس ومصر بارقة من نور العلم والفنون والحضارة والآداب والتهذيب، ولكن الجبال المترامية الجوانب من الرمال عزلت عنها بلاد العرب. نعم، لقد كان تجار العرب يرحلون إلى هذه الممالك على ظهور جمالهم بعد أن يصرفوا في قطع الطريق إليها الأسابيع والشهور، ولكن لم تكن غاية رحلاتهم تعدو تبادل البضائع، فما كانوا يرجعون منها بقبس من نور العلم والحضارة، أما أرضهم، هم أنفسهم، فما كانت لهم فيها مدرسة ولا مكتبة ولا أثر للتعليم ولا رغبة في العلوم والفنون والآداب، وما كان يتجاوز من يعرف منهم القراءة والكتابة عدد الأنامل، بل لم تكن معرفتهم بالقراءة والكتابة حيث تعينهم على الإلمام بعلوم ذلك الزمان وفنونه ومعارفه، وإن كان عندهم شيء يمتازون به عن غيرهم ويفوقونهم فيه فهو لسانهم الذي كان من أرفع الألسنة فصاحة، وصالحا ليعربوا له أدق ما يكون من الأفكار والخيالات، فكانوا لأجله على قسط موفور من الذوق الأدبي، ولكننا إذا سرحنا النظر -على ذلك- فيما بلغنا من آثارهم الأدبية والفكرية علمنا أن معلوماتهم كانت ضيقة محدودة جدا ولم يكن لهم أدنى نصيب من الحضارة والمدنية، وكانوا وكرا للأوهام والخرافات، وكانت للجهل والوحشية غلبة شديدة على عاداتهم وكانوا من أحط الناس درجة في تصوراتهم للأخلاق والآداب. ما كانت فيهم حكومة تحكمهم وتجمع كلمتهم ولا قانون يأمرهم وينهاهم، بل كانت كل قبيلة منهم مستقلة بأمرها لا تتبع إلا قانون الغلبة، فكل من كان يقدر منهم أن يقتل غيره قتله واستولى على ماله، وكان فوق فهم البدوي منهم ألا يقتل من ليس من قبيلته ولا يتصرف في ماله.
وكانت تصوراتهم للأخلاق والآداب في غاية من الانحطاط والجهل، فما كان لهم من عهد – تقريبا - بالفرق بين الطاهر والنجس والحلال والحرام والجائز وغير الجائز. كانت حياتهم قذرة وأعمالهم وحشية وأصبح الزنا والميسر وإدمان الخمر والسرقة وقطع الطريق وقتل النفوس من عاداتهم ومألوفاتهم في حياتهم اليومية. كانوا يتعارون بينهم بدون حياء ولا كلفة، وتطوف نسائهم ببيت الله عاريات، ويئدون بناتهم بأيديهم لا لشيء إلا تحاشيا عن وصمة المصاهرة، وينكحون أزواج آبائهم من بعدهم، وكانوا على غير شيء – تقريبا - من العلم بآداب الأكل والشرب واللباس والطهارة، فكانوا يأكلون الميتة، ويأتون الفواحش، ويقطعون الأرحام، ويسيئون الجوار، ويأكل القوي منهم الضعيف، وكان لهم نصيب موفور مما كان مطبقا في سائر أنحاء الدنيا في تلك الأيام من الخبائث والضلالات والجهالات، فما كانوا دون غيرهم في أي نوع من أنواع العبودية لغير الله كعبودية الأرواح والنجوم والأصنام والحجارة، وما كان لهم علم صحيح بالأنبياء السابقين وتعاليمهم، وما كانوا - على معرفتهم أنهم من ذرية إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام - يعرفون ما كان دينهما ومن كان يعبدانه. كانت قصص عاد وثمود رائجة فيهم، ولكننا إذا انظرنا نظرة في الروايات التي قد نقلها مؤرخو العرب عن هاتين الأمتين، ما عثرنا فيها على شيء من تعاليم صالح وهود عليهما السلام. وكذلك كانت وقائع بني إسرائيل وأيامهم بلغتهم بواسطة اليهود والنصارى ولكننا إذا قرأنا في كتب التفسير ما سيق فيها من الروايات الإسرائيلية عرفنا نصيب هذه الروايات من الصحة وموافقتها للعقل السليم، وعرفنا كيف كان أولئك الأنبياء الذين كان يعرفهم العرب بل اليهود والنصارى أنفسهم، وما كانوا عليه من الأخلاق والآداب الإنسانية، وعرفنا ما كان لهؤلاء العرب من التصور الدنيء الفاسد للنبوة والرسالة.
في مثل هؤلاء القوم، وفي مثل هذه الأحوال، ولد مولود مات عنه أبوه قبل أن يولد، ثم ماتت عنه أمه وجده في أيام صباه، فما تلقى من التربية ما عسى أن يتلقاه حتى في مثل هذه الحال والبيئة المتداعية، لو كان أبواه وجده في قيد الحياة، فلما نشأ وبلغ سن الشعور، وجد نفسه يرعى الغنم مع أترابه من أبناء العرب. ولما شب اشتغل بالتجارة، وما كانت مجالسته ومعاشرته ومخالطته إلا لأولئك العرب أنفسهم الذين قد سلف القول فيما كانوا عليه من الانحطاط في عادتهم وخصالهم وأخلاقهم. كان أميا لا يعرف القراءة والكتابة ولم تتح له صحبة عالم، لأن العالم لم يكن له وجود أصلا في بلاده. نعم، أتيح له أن يرحل إلى خارج بلاده مرتين أو ثلاث مرات، ولكن ما كانت رحلته في كل مرة إلا إلى الشام، ولا كانت تعدو في غايتها بيع البضائع وشراءها، على مثل ما كان من عادة قوافل العرب في تلك الأيام. ونحن إن فرضنا جدلا أنه شاهد في هذه الرحلات آثارا للعلم والثقافة، واتفق له أن يقابل بعض أصحاب العلم، فالظاهر أنه بمثل هذه المشاهدات المتفرقة الخاطئة، والمقابلات السريعة الفجائية، لا تغير طبيعة الإنسان وسيرته في الحياة، ولا تؤثر فيه تأثيرا يجعله مختلفا - اختلافا بينا - عن قومه في عاداته وأخلاقه وخصاله وأفكاره، أو يحصل له بها علم يجعله معلم قطر من الأقطار أو زمن من الأزمان فحسب، ولكن معلم الإنسانية وهاديها وزعيمها ومنقذها في جميع الأقطار والأزمان، وهو إن كان قد استفاد من علوم الأجانب - ولو في أي درجة - فما كانت له وسيلة، على كل حال، إلى تحصيل ما كان معدوما في زمانه من المعلومات والنظريات والمبادئ في الدين والأخلاق والآداب والمدنية والسيرة الإنسانية.
لا تتمثل حالة بلاد العرب وحدها ولكن تمثل حالة الدنيا كلها.
إنك ترى بدون شك أن الذين ولد فيهم هذا الرجل، ونشأ وشب بين أظهرهم وعاشرهم طول حياته، كان مختلفا عنهم كل الاختلاف - كما قلت آنفا - في عاداته وأخلاقه وخصاله وأفكاره، فلم يكن يكذب في حديثه ولا يؤذي أحدا بيده أو لسانه. كان لين الجانب خفيف الظل عذب الكلام، يشغف حبا كل من يجالسه مرة، وما كان لينال من أحد شيئا - مهما صغر وحقر- على طريق غير مستحسن، وكان قومه كلهم يشهدون له بالصدق والأمانة، ولا يتهمه أعدى أعدائه منهم بالكذب في حديثه ولو مرة طول حياته، ولا يرونه يسافه أحدا في القول أو يناوله بما يسوءه. اشتغل بالتجارة ردحا من حياته ولكن لم يجده أحد يخاصمه ويبادله السباب أو يهضم له حقا، بل كان من الأمانة والصدق والعفاف حيث جعل كثير من أبناء قومه -ومنهم ألد أعدائه- يأمنونه على أموالهم الثمينة، ويودعونه إياها، وهو يحافظ عليها كما يحافظ على نفسه وماله، وكانوا جميعا يعتمدون عليه ويثقون بأمانته فيلقبونه بالأمين في أحاديثهم ومناداتهم له، وكان حييا لم يظهر لأحد بدنه عريانا بعد سن الشعور. وكان مهذبا ينفر من الشر والرذيلة على الرغم من نشأته ومعاشرته طول الحياة رجال الشر والرذيلة. وكان نظيفا نزيه الذيل في كل عمل من أعماله طاهر القلب يتألم برؤية قومه ينهبون الأموال ويسفكون الدماء ويقطعون الأرحام، فيسعى لإصلاح ذات بينهم كلما حمي بينهم وطيس الحروب والمعارك. وكان رؤوفا يشاطرهم ما ينزل بهم من المصائب، وينصر المظلوم ويعول اليتامى ويواسي الضعفاء والملهوفين، ويطعم الجياع ويضيف أبناء السبيل ويكرم مثواهم، ويتحمل الشدائد والخسائر للغرباء والمحتاجين، وكان ذكي الفؤاد ثاقب القريحة، يربأ بنفسه عن عبادة الأوثان والأصنام على معاشرته لقوم كانت الوثنية فطرتهم الثانية، ودينهم الذي ورثوه عن آبائهم كابرا عن كابر، ولا يطأطئ رأسه لأحد من الخلق، كان قلبه يحدثه بأن لا شيء في الأرض أو السماء يستحق العبادة، وان الله واحد ليس له -ولا ينبغي أن يكون له - شريك في الألوهية، فكأنه كان يتلألأ بين قومه الجاهلين الوحشيين كما تتلألأ الجوهرة الكريمة بين الأحجار الكثيرة أو كما يتلألأ السراج في ظلمة الليل.
ثم ترى أنه بعد أن عاش في قومه عيشة نظيفة رفيعة، وبلغ أربعين سنة من عمره، ضاق ذرعا بهذا الظلام المطبق على مجتمعه من كل جانب، وأراد لنفسه النجاة من هذا البحر الخضم من الجهل والفوضى والانحلال الخلقي والعملي والشرك والوثنية، لأنه ما كان يجد فيه شيئا يلائم فطرته، فبدأ يخرج من حيه ويقضي أياما طوالا في غار في عالم الوحدة والخلوة، يزكي قلبه وروحه بالتحنث والصيام ويتأمل ويطيل التأمل وينشد نورا يقشع به الظلام المطبق على قومه، ويريد شيئا يصلح به هذه الدنيا المملوءة بأسباب الخبث والفساد والفوضى.
وهناك حدث في حياته تغير عظيم، واستنار قلبه فجأة بنور لم يكن فيه من قبل، وامتلأ بقوة كان خاليا عنها حتى ذلك الحين، فخرج إلى قومه من خلوة الغار ونادى فيهم ((أن اخلعوا هذه الأوثان والأصنام التي تعبدونها وهي لا تضركم ولا تنفعكم، فإنه ليس في الأرض إنسان ولا شجر ولا حجر ولا روح ولا سيارة تصلح لتطأطئوا رؤوسكم وتعبدوها، وإن هذه الأرض والشمس والقمر والنجوم وما في السماوات والأرض من القوى ما خلقها إلا الله وحده، وهو الذي خلقكم ورزقكم، وهو الذي يميتكم ثم يحييكم، فلا تعبدوا غيره، ولا تستعينوا إلا إياه، ولا تطلبوا قضاء حاجتكم إلا منه، ومن الإثم ما تأتونه من أعمال السرقة والنهب والفاحشة وإدمان الخمر ولعب الميسر، فانتهوا عنها، والتزموا الصدق والعدل في أقوالكم، وصلوا الأرحام، وأدوا الأمانة، ولا تقتلوا نفسا إلا بالحق، وأحسنوا الجوار، وكفوا عن الفواحش وقول الزور، ولا تسلبوا الناس أموالهم، ولا تأخذوا شيئا ولا تعطوه إلا بالحق، وكلكم بشر والبشر كلهم سواء، إنه ما جاء أحد منكم بوصمة الذل، ولا غيره بوسام الشرف، فليس الشرف والفضيلة بالنسب ولا باللون والملبس ولا بالجاه والثروة، وإنما هما بالتقوى والصلاح والخير. فمن كان منكم صالحا يتقي الله وينهى نفسه عن السوء فهو الشريف الكامل في إنسانيته، ومن لم يكن كذلك فلا شرف ولا فضيلة، وهو من الخاسرين في الآخرة، وإنكم مرجعون بعد موتكم إلى الله ربكم ومسؤولون عن كل دقيق وجليل من أعمالكم في محكمته، دون أن تنفعكم فيها شفاعة أو رشوة أو علو نسب أو شرف منزلة، وإنما ينفعكم فيها إيمانكم وأعمالكم الصالحة. فمن كان منكم مؤمنا قد عمل الصالحات دخل الجنة، ومن كان فاسقا لا يتقي الله خسر خسرانا مبينا وعذب بعذاب النار.
تلك هي الرسالة التي خرج بها من الغار.
ولكن ما بال قومه ناصبوه العداء وبدأوا يؤذونه ويسبونه ويغمزونه بأقبح الكلمات ويرمونه بالحجارة وينزلون به ما قدروا عليه من أنواع الشدائد والآلام، حتى اضطروه بعد ثلاث عشرة سنة إلى الهجرة من وطنه، بل لم يشفوا غليل نفوسهم حتى بعد ذلك، وما فتئوا يعملون على إيذائه وإزعاجه في المدينة التي التجأ إليها، وحرضوا عليه الحرب جميعا، وجاذبوه حبل الحرب ثماني سنوات متتابعة، أما هو فقد تحمل منهم كل هذه الآلام والشدائد، ولكن أبى إلا الاستقرار في دعوته إلى الحق. لماذا ناصبه قومه العداء...؟ ألانه كان يطالبهم بشيء من متاع الحياة الدنيا أو يريد أن يأخذ منهم ثأرا؟ كلا، بل المنشأ لهذا العداء منهم أنه كان يدعوهم إلى عبادة الله الواحد الأحد، والتزام الصدق والأمانة والتقوى في حياتهم، واجتناب الشرك وعبادة الأوثان والأصنام وأعمال السوء، ويتهدد دعائم زعامة الكهنة وسدنة البيت منهم بالهدم، ويسفه أحلامهم، ويمحو الفرق القائم فيهم بين الرفيع والوضيع، ويعد من الجاهلية عصبياتهم القبلية والنسلية، ويعمل على تبديل الأسس التي كان يجري عليها نظامهم للاجتماع منذ قديم الزمن. فكانت دعوى القوم أن كل ما يأتي به من مثل هذه الأقوال والأعمال مخالف لتقاليدهم القومية، وطرقهم المتوارثة كابرا عن كابر، فليتركه، وإلا فإنهم سيضيقون عليه الخناق وينغصون عليه الحياة.
فما لهذا العبد الصالح يتحمل من قومه كل هذه الشدائد والمناوآت والمصائب دون أن يتطرق إلى قلبه شيء من الوهن أو الفزع والجزع؟ وهاهم أولاء قومه يعرضون عليه أن يملكوه على أنفسهم أو يجمعوا له الأموال حتى يكون أكثرهم ثراء على أن يقلع عما هو عليه من الدعوة إلى ربه، ولكنه يرفض كل ذلك رفضا باتا، ويأبى إلا الاستقرار في دعوته، لماذا؟ ... هل يرجو لنفسه فيما إن أصبحوا يعبدون الله ويلتزمون الصدق والأمانة والتقوى فائدة مالية؟... فائدة لم تكن بإزائها الرئاسة والإمارة والثراء والوجاهة والرفاهية شيئا يلفت إليه؟... فائدة قد صبر في سبيلها على ما ترتعد لهوله الفرائص من المكاره والشدائد في الجسد والروح لأحد وعشرين سنة متتابعة؟.. ما كان يتحمل هذه الشدائد والآلام في سبيل نفسه، ولكن لصالح غيره من عباد الله على حين أنهم يرمونه بالحجارة ويهينونه ويسبونه ويخرجونه من وطنه ولا يتركونه حتى في الغربة يعيش عيشة الأمن والسلامة... وكان لا يدعو لهم إلا بالخير، ولا يضمر لهم إلا الود والإخلاص والنصح.
فهل لرجل كاذب أن يقاسي مثل هذه الآلام والشدائد في سبيل شيء لا أساس له من الصحة والواقع؟ وهل لرجل يرجم بالغيب ويلقى الكلام على عواهنه أن يتفوه بشيء ثم يأبى أن يتزحزح عنه قيد شعر دون أن يبالي ما إن كانت تنفتح عليه أبواب المصائب وتضيق عليه الأرض ويظلم على وجهه المستقبل، ويقوم له قومه بالمرصاد ويتآمرون على قتله ويؤلبون عليه الناس جميعا ويهجمون عليه في مأمنه؟ إن هذا الثبات وهذه الاستقامة والعزيمة المنقطعة المثال لهي أكبر ما يدل على أنه كان كامل الإيقان بصدق دعوته وسداد موقفه، وأنه لو كان في قلبه أدنى ذرة من الشك في صدق دعوته لما استطاع بحال أن يثبت هذا الثبات في وجه طوفان المصائب طوال إحدى وعشرين سنة متواصلة.
  

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here