islamaumaroc

أضواء على التاريخ العربي المعاصر

  دعوة الحق

86 العدد

واجه الفكر الغربي قضية كتابة التاريخ وتقييمه على أنماط مختلفة، وفي ظل نظريات متعددة، كان مصدرها، العصور والدعوات والتيارات. وكانت هذه النظريات في الأغلب مرتبطة بدعوة أو مذهب، فقد كانت للفلاسفة نظرتهم إلى التاريخ، وهي نظرة تهدف إلى الإقلال من قدرة وقد بلغت في المغالاة إلى درجة إسقاطه نهائيا، وعدم الاعتماد عليه، فديكارت أبو الفلسفة الحديثة يدعو إلى صرف النظر عن كل ما قاله السابقون، بينما "ليتز" ينظر إلى التاريخ نظرة التقدير كما أن علماء الاجتماع لهم نظرتهم وكذلك علماء النفس والتربية.
وهناك النظرة الماركسية إلى التاريخ القائمة على التفسير المادي للتاريخ، حيث يرى "كارل ماركس" أن العوامل الاقتصادية هي العامل الأول والمباشر لكل حوادث التاريخ، وأن الانقلابات والاستعمار والثورات ترجع إلى أسباب اقتصادية.
كما جرى الخلاف حول التاريخ، وهل هو علم أو فن ؟ وقالوا أن العلم وحده هو عرض نصوص الأحداث وتحقيقها، أما الفن فهو إضافة رأي المؤرخ، وتحليله لكل موقف من المواقف أو حادث من الحوادث.
وهناك نظرية تقول أن التاريخ سلسلة من سير العظماء وأن التاريخ من صنع الصفوة الصالحة من الذين يؤلفون زعامة إجماعية مستمدة من نفوذهم الشخصي، ونظرية أخرى تقول لآن العظماء نماذج كاملة للبيئة التي يعيشون فيها وأن الإنسان خاضع لمحيطه.
وجرى الخلاف حول علمية التاريخ أو توجيهه، فقد أيد البعض الرأي القائل بأنه لا بد من النظر إلى التاريخ نظرة علمية صارمة، دون النظر إلى ما ينجم عن ذلك من أثر في الغض من قدر التاريخ، ورأى البعض الآخر أن التاريخ ضروري لبناء الشباب.

وجرى الخلاف حول قومية التاريخ أو دوليته، ولو أن قومية التاريخ قد وصلت في أوربا إلى حد بث الأحقاد، وأن النظرة الدولية تعتبر العالم كله أمة واحدة، وبذلك تختفي العواطف القومية وتضحي البطولات الخاصة في سبيل النظرة الواسعة، وجرى الخلاف حول كتابة التاريخ، فحمل البعض على المؤرخين واتهموهم بالنظرة الشخصية، وأنهم يلونون التاريخ وفق مزاجهم الشخصي. ودعا البعض إلى التفسير البيولوجي للتاريخ، وقال أنه وحده التفسير الأصيل، وقال مثل ذلك أصحاب التفسير المادي وهناك من يدعو إلى التفسير الديني والمناخي.
وهاجم كثيرون التاريخ جملة، وقالوا أنه أشد فتكا بالأمم من الأوبئة مثل "بول فاليري"، ويرى "فرويد" أن التاريخ سلسلة أزمات في نفوس أفراد أدت إلى الانقلابات الهائلة.
أما "التاريخ العربي الإسلامي" فقد واجه رأيين مختلفين: الأول، وهو الذي حمل لواءه الدكتور طه حسين – معتمدا على نظرية أستاذه دور كايم – منذ الثلاثينيات، وما زال خلفاؤه يحملون لواء دعوته ويرى أصحاب هذا الرأي أن التاريخ لا يقدس ولا تسبغ عليه صفة الجلال، ولا يتصل بالدين، وليس أبطال التاريخ العربي الإسلامي إلا أناسا ينطبق عليهم ما ينطبق على الناس.
وترى هذه المدرسة أن الاتجاه القومي في كتابة التاريخ خطأ، وأنه دعوة إقليمية، وفيه تمجيد للماضي وخضوع له، لأنه يريد إحياء الأمجاد ويرى الماضي القومي لب التاريخ، وبذلك يتأرجح أسلوبه بين النقد والتصديق.
وترى هذه المدرسة أن يتخذ التاريخ وجهة إنسانية، دون اهتمام بالأمة العربية أو العالم الإسلامي، وأن التاريخ وسيلة للنظرة الشاملة إلى البشرية وتطورها، وأن اتجاهه إلى الاهتمامات القومية ينقص من روح البحث العلمي ويجعله أشبه بالدعاية.
الدين الإسلامي كظاهرة من الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية، ولذلك فإن الجانب الإلهي يجب أن يوضع موضع البحث الواقعي، كما تبحث أي حقيقة اجتماعية أو فكرية.(1)
وعندهم أن الدراسات التاريخية لا تزال خاضعة لتأثير المؤرخين العرب القدماء، سائرة على منهجهم في طريقة البحث والمعالجة والتفكير، ويرى دعاة هذه النظرة أن المؤرخ الحديث لا يزال يسرد التاريخ العربي سردا، يظهر أمجاده بألوان ساطعة قافزا الفترات المضطربة فيه، وهو ما يسمى بالرومانتيكية الإسلامية، أو أن يعرضه عرضا متسرعا سطحيا وأن الدراسات الجديدة في التاريخ أقرب إلى السطحية، وأنها تستثير حماسة الشباب وتبعث في نفوسهم الغرور.
وتحمل هذه المدرسة الدعوة إلى نقد التاريخ والكشف عن أخطائه، وإزالة طابع القداسة عنه. وتلك دعوة علمية أصيلة لا نرفضها، بل نرحب بها ونعتز، ولكننا لا نسلمها إلا لمن ينطبق عليهم قانون الجرح والتعديل، فإذا ما قام كاتب أو جماعة للتصدي لهذا العمل، فلا بد أن تتوفر فيه روح الإيمان بمقومات الفكر العربي الإسلامي وأن لا يكون من بينهم من أسقطهم تاريخهم الفكري، بحكم أنهم من دعاة التغريب أو الشعوبية.
ولكننا نرى ما ارتأيناه من أن تاريخنا العربي الإسلامي يحمل صفحات مشرقة، وأن ما به من أخطاء أو ثغرات لا تغض من قدره، ولا تضعف مكانته، ولا تصرف العرب والمسلمين عنه، وهو قدر إذا قدم بإنصاف أن يعزز دعوة بناء الأمة العربية والوحدة الفكرية والدعوة الإنسانية.

أما المدرسة الثانية فهي لا تدعو إلى تقديس التاريخ، ولكنها تدعو إلى اعتباره قوة ذات فاعلية في بناء الفكر العربي الإسلامي الجديد، وخلق نهضة ثقافية وروحية تعين على وحدة الفكر في الأمة العربية والعالم الإسلامي.
وترى هذه المدرسة أنه لا تعارض بين الروح القومية والأسلوب العلمي في دراسة التاريخ، وأنه في الإمكان أن يكون التاريخ حافزا للهمم دون أن يكون عبثا يضيق النظرة، ويصرفها عن مهام الحاضر.
وعند هذه المدرسة أنه اليوم في مجال التحدي ورد الفعل – حيث تقوم الدعوات التغريبية والشعوبية محاولة تجريد التاريخ العربي الإسلامي من كل أمجاده وبطولاته، فإن الأمر يتطلب إبراز هذه الجوانب والاعتزاز بها، على أن يكون هذا الاعتزاز بعيدا عن الإغراق، وأن هذا التاريخ في جوهره إنما يمثل حركة ضخمة شملت جانبا واسعا من هذا العالم الإنساني امتد من الصين إلى الأندلس، في مرحلة طويلة امتدت أربعة عشر قرنا، وكان لها أثرها في الفكر الإنساني والحضارة البشرية، فضلا عن مفاهيمها وقيمها ومثلها الجديدة القائمة على الحق والعدل، والتي تمثل أمة لها رسالة حية ما تزال متفاعلة مع الفكر الإنساني، وقد كان دور "العالم العربي الإسلامي" بناءا، وكانت حركته متطورة متحررة في سلسلة متصلة الحلقات.
وتعتبر هذه المدرسة أنه من الضروري اليوم في مرحلة بناء النهضة الجديدة للعالم العربي الإسلامي موالاة التاريخ اهتماما كبيرا حيث لا سبيل لانطلاق أمة دون فهم واع لتاريخها وأنه لا حاضر لأمة لا ماضي لها.
ويرى الدكتور عبد العزيز الدروي أن فهم الأمة لذاتها ومجابهتها المعضلات القائمة والاستعداد للمستقبل الذي تنشده لنفسها، يعتمد إلى حد كبير على فهمها لتاريخها فهما صحيحا، ولا يمكن لأمة أن تجد سبيلا للانطلاق، وعونا على النهضة الصحيحة دون فهم واع سليم لتاريخها.

ومن رأينا أن كون التاريخ عاملا في مرحلة بناء الأمم على بت الروح الوطنية في الشعوب دافعا إلى الثقة بالنفس على استئناف دورها في الحضارة لا يحول دون تنقية هذا التاريخ من كل ما يعترض النظرة العلمية السليمة، وإن ما في التاريخ العربي الإسلامي من جوانب زاخرة بالبطولة والكرامة والسماحة قادرا إذا حررت حواشيه من كل ما يتعارض مع الروح العلمية التي بذر بذرتها الفكر العربي الإسلامي أساسا وحمل أمانتها – على أن تحقق هدف بناء فكر الأمة.
إنما الذي يحاط دائما بالحذر أن تجري المحاولات للتشكيك في الحقائق الثانية أو محاولة تصوير بعض الجوانب على نحو يبث في النفس الهزيمة أو الغض من القيم الأساسية أو لآن يجري دراسة التاريخ العربي الإسلامي لخدمة مذهب من مذاهب السياسة أو الفكر والاقتصاد.
فلا بد أن يكون هناك قدر واضح من الاعتراف بمكانة التاريخ في فكرنا العربي الإسلامي ودوره ومهمته وأثره في هذه المرحلة الدقيقة، وأن يصحب القدرة في مجال التحقيق التاريخي إيمان صادق بفكر هذه الأمانة وتشرب كامل لروحها، وتحرر كامل من الخضوع لتيارات التغريب والشعوبية والغزو الثقافي.
ومن هنا لا ينفصل النظر إلى التاريخ عن النظرة إلى الأمة ومقوماتها ولا على الفهم العربي الإسلامي ككل، فلا يخضع التاريخ لمذهب ما ولا يكون التحقيق العلمي عاملا من عوامل تجريده من روحه. ولا شك أن صدق النظرة سيحول دون استغلال الشكوك أو الخصومات أو مثالب بعض الشخصيات لخلق روح الاستهانة أو الغض مما يحمل التاريخ العربي الإسلامي من بطولات وإيجابية وتقدم.
وليس يستطاع أن يقال أن تاريخ أمة من الأمم قد خلا من مثل هذه الشكوك أو الخصومات أو المثالب وتحرر منها، فالإنسان هو الإنسان إزاء الملك والحكم وليست العبرة بالأحداث العابرة توضع موضع الاهتمام لتبدو ذات أثر أكبر من واقعها بينما تترك الظواهر الكبرى في حياة الأمة دون التركيز عليها.
فالتاريخ علم وفن وتوجيه، ولا يمكن تحريره من هوى الكاتب الذي لا بد أن يكون صادق الإيمان بفكره وأمته أساسا وإذا كان من الضروري بناء إيمان الأمة بماضيها بما يدفعها إلى العمل، فإنه من الضروري أيضا دراسة الأحداث وانتقادها لاستخلاص العبرة منها في نزاهة كاملة.
ومن هنا لا بد من تأكيد الرابطة بين التربية والتاريخ والعلاقة الوثيقة بينهما، فالجانب الإيجابي المضيء منه يعطي قوة الدفع، والأحداث التي يتصل فيها الخير والشر تدرس بروح علمية وإنصاف لتعطي العبرة لا التشهير.
ومن هنا يكون وضوح الموقف من مسائل متعددة تحاول التغريب والشعوبية أن تثيرها. ومن هنا يكون صدق النظرة إلى ما يثار من أن فلانا التركي الأصل أو الفارسي، في محاولة لتشويه مكان العرب أو الغض من قدرهم، ولا شك أن النظرة الحقيقية هي أن البيئة هي التي تخلق العظماء والأعلام وليس الجنس، فإن الفكر العربي الإسلامي هو الذي خلق الفارابي والغزالي وابن رشد وليست التركية أو الفارسية أو غيرهما، إذ الواقع أن الإنسان ابن بيئته ومجتمعه واللغة التي يتعلم بها، وأن العربية اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي. وليس بين الإسلام والعربية صراع ولكنهما شقي حقيقة واحدة، وقد حاول التغريب وحاولت الشعوبية أن تمزق وحدة الامتزاج بين مقومات الفكر العربي الإسلامي من أجل الغض من شأن هذا البناء الإنساني المتكامل فحيث لا تعارض بين حافز التاريخ والأسلوب العلمي، فلا تعارض بين عربية التاريخ وإسلاميته.
ونظرتنا أننا لا نجعل التاريخ عبثا ولا نتحرر منه، ولا ننفصل عنه، وحيث إن التاريخ ذخيرة أمجاد وذكريات وسجل بطولات وتخليد معارك وشهداء، وحضارة وفكر، فإنه عامل من أكبر العوامل في بناء الأمة النفسي والاجتماعي، ولا يمنع ذلك كله من دراسة التاريخ وفق روح علمية منصفة، على أساس أن التاريخ عامل من عوامل وحدة الفكر التي هي العامل الأكبر في بناء شخصية الأمة ووحدتها.

ومن الجدير بالنظر أن منطق الفكر الغربي في النظرة التاريخية ليس ملزما أن نتخذه منهاجا لنا ويمكن الاستئناس به حيث يبدو منهج التاريخ الإسلامي العربي مختلفا مع نهج التاريخ الغربي وفي هذا يقول مسترجب:
"إن التاريخ الإسلامي سار في وجهة معاكسة للتاريخ الأوربي على نحو يثير الاستغراب، كلاهما قام على  أنقاض الإمبراطورية الرومانية في حوض البحر الأبيض المتوسط، ولكن بينهما فرقا أصيلا بينما خرجت أوربا على نحو متدرج لا شعوري وبعد عدة قرون من النهوض الناجم عن غزوات البرابرة، انبثق الإسلام انبثاقا مفاجئا في بلاد العرب وأقام بسرعة تكاد تعز على التصديق في أقل من قرن من الزمان إمبراطورية جديدة في غربي آسيا وشواطئ البحر الأبيض".
ولا شك أن هذا الاختلاف يجعل استغلال المذهب الغربي في تفسير التاريخ العربي الإسلامي عمل غير طبيعي ولا منصف. ومن هذا تبدو فلسفة التاريخ العربي الإسلامي على قاعدة تحرير التاريخ العربي الإسلامي من :
1) عوامل الفخر بالجنس أو ادعاء بطولات والنظر بحذر إلى كتابات المستشرقين وخصوم الفكر العربي الإسلامي.
2) إبراز جانب الجماعات واندفاعاتها القوية في مجال الحرية والدفاع عن الكرامة.
3) وحدة الفكر العربي الإسلامي أساس من أسس النظرة، فالعروبة والإسلام شقان لحقيقة واحدة.
4) ليس العامل الاقتصادي وحده هو الذي يوجه التاريخ ولكنه عامل لا يمكن إنكاره أو تجاهله بالإضافة إلى العوامل الروحية والسياسية وعوامل المناخ.
5) لا تقديس للتاريخ ولا احتقار له.
6) نظرتنا التاريخية إنسانية تمتزج بروح بناء وحدة فكر الأمة ورد طعنات خصومها.
7) روح النزاهة والإنصاف والإيمان بمقومات الفكر العربي الإسلامي هي أساس النظرة التاريخية.
8) تحرير التاريخ من محاولات التزييف مع اليقظة لمحاولات التحريف.
9) ليس التاريخ هو تاريخ العظماء ولا العصور وإنما تاريخ الأمة وبطولاتها ومواقفها.
10) أثر الفرد في البيئة، وأثر البيئة في الفرد كلاهما يسيران جنبا إلى جنب في النظرة التاريخية فالبطولة والجماعية كلاهما مؤثران في التاريخ.
11) النظرة التاريخية شاملة تضم الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية.
12) التفسير الديني والبيولوجي والمادي جميعها أسس في النظرة إلى التاريخ دون أن تنفرد واحدة منها.
13) الارتفاع عن النظرة المادية المحصنة والروحية المحصنة.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here