islamaumaroc

طريق قوس قزح

  دعوة الحق

86 العدد

قال محدثي :
"ذات مساء مشئوم لسعني عقرب نفث في دمي السموم، وكانت لسعته قاسية ومباغثة ووجيعة، سرعان ما طوحت بي إلى عالم حم فيه خيالي، وتصبب عرقي، وانطلقت أعدو في سراديب ملتوية، وشعرت بأنني ذهبت ضحية غدر قاتل، لأن المرء لا يلتقي مع العقارب على ميعاد ... كما لا أحتاج أن أقول.
ولا زالت أرى في الحمى عارضا يصيب الأنبياء يستقبلون الوحي ... ورواد الفكر يغوصون في أثر لا ليء الحقيقة ... والحاملين يرسمون طريق المستقبل ... والبناة يستجلبون الأجر والخرسان المسلح والفولاذ من عالم الخيال ...
والتصق وجهي الملتهب بالوسادة المبتلة، ولم أكن يوحى أني، ولم أكن من الغائصين ولا الحالمين ولا البناة، ولكن حواسي التي سرى فيها سم الغضب كانت مستيقظة إلى درجة التوهج ... عيناي المغلقتان تريان كل شيء كما لو كان كل شيء قد أضاء في أعماقي ... واسمع ضجيجا هائلا من الأصوات كما لو كانت الأصوات التي ترددت في العالم منذ الأزل سجينة في غرفتي ... تصدح وتبكي وتصرخ وتئن وتتوسل وتضحك، وتخنع وتستهتر وتتعبد، كأنها تبحث عن منفذ تنطلق فيه من أغلالها.
ولم يكن ما بي إغماء ولا نوما، فقد كنت في تمام اليقظة حينما ألفيتني أقود سيارتي في طريق الدار البيضاء في ساعة متأخرة من ذلك المساء النوفمبري التعس، وكان النسيم البارد يداعب وجهي بالرغم من أن زجاج النوافذ كان محكم الإغلاق، ولم تعترضني أية سيارة مقبلة، ولم تتجاوزني أية سيارة قادمة، لا بنور خافت ولا وهاج، وإنما كنت أشق الطريق الخالي ففي سرعة ناعمة، وكانت الصوى تجري عن يميني جري من تقمصته حياة مجنونة، وكان تراقص الصوى على ضوء السيارة في سكون الليل الدليل الوحيد على السرعة التي كنت أسير بها في الطريق الخالي الساكن البهيم.
وعندما كنت أترقب مفترق الطرق لأنحرف يمينا إلى الدار البيضاء بدلا من طريق مراكش كما اعتدت أن أفعل، بدا لي أنني أرى أمامي نورا يتوهج، وخفت السرعة حتى إذا ما اقتربت إليه رأيت فتاة يافعة أشرقت ابتسامتها الساحرة في فحمة ذلك الليل الدامس الكليل، وكانت السيارة تتوقف من تلقاء نفسها في سهولة ويسر، حتى إذا ما جمدت إلى جانبها سمعت ارتطامها هائلا، تلاه انهيار، ثم صعدت نفخات من دخان، ثم ساد صمت مطبق عجيب، كأن لم يحدث شيء.
وفي الصمت الشامل أخذ الهدوء يعود إلى نفسي وأنا أستعيد ما حدث : أمر طبيعي، حادث من حوادث السيارات التي يلقى فيها الحتف أغلب السائقين وكثير من الركاب أو بعضهم في كل دقيقة على مدار الساعة .. لقد توفاني الله إلى ما لا أدري من رحمة أو عذاب ... ولا داعي للقلق، فسينجلي الأمر عما قليل ... وقد كانت البداية حسنة على كل حال، فما خطر ببالي أن لقاء الموت يكون بهذا اليسر وهذه السهولة ... ورب بداية تكون طليعة نهاية ...أية نهاية ! إن السيرة لا تزال تنهب الطريق، والطريق لا تزال ممتدة إلى ما لا نهاية وإن تكن مجهولة هذه قوس قزح تحولت إلى طريق ... ألوان مضيئة مختلفة لا عهد للعين بها من قبل، ضاربة في السماء، والألحان الناعمة الهادئة تهمس من كل اتجاه، كلا، إن السيارة لا تنهب الطريق، وإنما هي تهفت في الطريق، سريعة نعم، ولكن خفيفة متجردة كما لو لم يعد لها وزن ... وعلى اليمين صوى خضراء باهتة، وعلى الشمال صوى أخرى حمراء مشتعلة ... ويبدو الطريق غريبا ... يسحب السيارات أو ينسحب من تحت السيارات ... سيان ... فالهدف هناك، خلف طريق قوس قزح ... عند تلك الأضواء الضاربة في السماء كأنها أضواء معرض من معارض الدار الآخرة.
وعاودني الهدوء النسبي من جديد، ليحدث ما شاء أن يحدث ما دام الأمر لا يتعلق بإرادتي، وسواء كانت السيارة مندفعة من تلقاء نفسها، أو كانت الطريق تنسحب تحتها أو تسحبها فالنتيجة واحدة، إن القضاء والقدر هنا يتمثلان بأروع ما فيهما من هناء، وعدم مسؤولية.
وذهبت أتمتع بالأنوار والألحان والألوان، وما راعني حينما التفت متأملا إلا أن وجدت إلى يميني من جديد فتاة نورانية، ومن تكون غير تلك التي اعترضتني عند مفترق الطرق بين الدار البيضاء ومراكش، في ذلك المساء المشئوم ... تلك الفتاة اليافعة التي صحب ظهورها الارتطام والانهيار ونفخات الدخان ... ثم طريق قوس قزح ... والتخفف من الثقل، ثم الألوان والألحان، وأخيرا ها هي ذي إلى جانبي.
فهمست في شبه صراخ :
- أنت ! من تكونين ؟
وهنا لاحظت في توجس أن ما يزين رأسها الصغير هالة لا إكليل، هالة باهتة لا تكاد تدركها الأبصار إلا بعد تأمل، ولما همست في شبه صراخ لم تزد على أن غضت من طرفها في خفر، وقد توهجت فوق خديها وردتان شفافتان ... وكانت الفتاة السحرية غريبة، ولكن إنسا عميقا يتمثل في وجودها بالقرب مني هنا إلى يمين مباشرة، كأني أعرفها منذ ما قبل العهد بالميلاد ... وسألتها هامسا من جديد في اندهاش صادق :
- أما بك خفر، أو لا تحسنين الكلام ؟
فارتفع الوطف ذو الظلال، ومن خلف العينين الصافيتين أطلت نظرة فيها عتاب مبتسم، فنسيت للتو لسعة العقرب وسمومها، ودغدغت روحي رعشة نشوى، وسألت في ابتهاج :
- مفاجأة لقياك في الطريق وما عقب ذلك، أتلف من إدراكي القليل، ولست أعرف بالدقة ما وجهة السيارة ... ولكن هل تقضين إلى جانبي بقية الطريق ؟ إن قربك يؤنسني.
فبرقت عيناها من جديد وعادت الابتسامة الوديعة تطل منها في انشراح، وقالت وبلسانها لثغ محبب :
- بقية الطريق نعم ... وعند نهاية الطريق نفترق، ألم تستطع أن تتبين إلى الآن مقصدنا، يا لك حميم مجهول، إننا في الطريق إلى الدار الآخرة.
- معاً في الطريق إلى الآخرة ... يا للسعادة الأبدية ... السرر ... والجنات التي تجري من تحتها الأنهار ...
- معا في الطريق
- والآخرة
- سأنتظرك هناك إلى أن تثوب
- لماذا ؟ هل علي أن أصطدم من جديد وأموت مرة أخرى في طريق قوس قزح ... وتطيرين وحدك إلى الجنة ... وأبقى هنا روحا هامدة ... إلى يوم القيامة ...
فتضاحكت بظرفها الذي بدأت أتعوده وازداد به هياما، ولما لم أكن أحس لي بأي تأثير لتناولي مقود السيارة تركته وأقبلت عليها وقصصت عليها الحديث، وداعبتها وأخذت راحتها بين راحتي، ولكنني عندما هممت بأن ألثم شفتيها اختفت، كما لو كانت قوقعة مضاءة أطفأتها أنفاس قبلة ...
وتضاعفت الدهشة حينما توقفت السيارة في نفس الوقت عند بوابة بناية ضخمة تشبه محكمة هائلة تعترض قلب الطريق، وقد كتب عليها بحروف ناصعة كبيرة : "الدار الآخرة" وإلى اليمين سهم ضخم أبيض كتب عليه بحروف من نور : "إلى الجنة" وإلى الشمال سهم أبيض آخر كتب عليه بحروف من نار : "إلى جهنم".
وتقدم إلي مستفسرا فارس عظيم يشبه ما يركبه مطهما مجنحا أو مجنحا مطهما، وكان يتوقع دون ريب أن أسترشده الطريق، ولكنني سألته :
- هل تستطيع أن تدلني أيها الفارس على الطريق الذي انتهجته فتاة نورانية كانت منذ عهد قريب إلى جانبي قبل أن أصل إليك بقليل، ثم اختفت كما لو كان قد ابتلعها المجهول ...
فاستخرج الفارس من صدره قائمة جال فيها بنظره وتفرسني مليا، ثم تساءل :
وما شأنك أنت وفتيات النور هنا في هذه العوامل البعيدة .. ومهما يكن من شيء فهذا سابق لأوانه، لا تنس أنك ما زلت من الأحياء، إن الذين تلسعهم العقارب الحقيقية لا يموتون حتما، فكيف تريد أن تموت وقد لسعك عقرب وهمي لا يتجاوز مفعول سمه رفع درجة الحمى ...
- ولكنني على ميعاد
- مع العقرب ؟
- لا، مع الفتاة النورانية
- إنهما معا لا يخلفان الميعاد ... فعد إلى الدنيا وأتمم نصيبك منها أولا، وعندما تعود نتحدث عن المواعيد.
- مع العقرب ؟
- لا، مع فتاة النور.
- ومن يضمن لي صدقك في القول
- العقرب .. العقرب نفسه ..
وعندما انتفضت الانتفاضة الأولى وجدتني أنهب الطريق الصلب في سيارتي الحديدية إلى الرباط، أسوقها في سرعة جنونية كأنني أسابق الهواجس والخطوات.
ولكنني عندما انتفضت الانتفاضة الثانية كدت أتنفس الصعداء إذ ألقيتني ما أزال في المكان الذي ألقيت فيه بنفسي كأنني ما برحته، وقد تحررت الأصوات الراسفة في أغلالها، وهدأت الأغاني وتلاشت الخيالات والأشباح، ودارت مقلتاي في المكان والزمان للتأكد من أنني لا أزال على قيد الحياة ... ما أجمل أن يوغل بك ملك الموت في الظلمات، ثم فجأة تجد نفسك ما تزال على قيد الحياة ...
وذهبت أجتر ثمالة الحمى :
ماذا يعني أنك لا تزال على قيد الحياة أيها المغوار ؟ أمبتهج أنت بحياة تلسعك فيها عقارب لا تضرب لك الميعاد حتى لا تستل من لسانها ما تضطرم به من سموم ...
وفجأة تذكرت الحوار مع الفارس عند باب الدار الآخرة إلى أن سألته من يضمن لي صدقه في القول، وأجاب : العقرب.
وإذن فلا بد أن يلسعني العقرب من جديد لألقاها، فهلم أيها العقرب المقدس واضرب لي ميعادا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقد برح بي الجوى إلى الحروف الخضراء، إلى التي صحب ظهورها الارتطام، إلى التي حفت هالة النور برأسها الصغير ... ذات الخدين الشفافتين ... والعينين الصافيتين البراقتين ... والابتسامة الوديعة ... التي تنتظرني هناك في الجنة تحت حراسة ذالك الفارس العظيم إلى أن أؤوب ... والتي اختفت حينما أطفأتها أنفاس قبلة ... في نهاية طريق قوس قزح ... قبل الوصول مباشرة إلى الدار الآخرة ...".
هكذا قال محدثي.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here