islamaumaroc

في حقل التربية الدينية

  عبد الرحمان السايح

العددان 4 و5

لا أعدو الواقع إذا قلت إن أطفالنا ينشأون نشأة يكون ضعف العاطفة الدينية أبرز مظهر من مظاهرها، وقد يتوهم البعض أن ذلك لا خطر له ما دام أطفالنا يتدينون بدين الإسلام بالفطرة والنشأة وما دامت الشرائع السماوية لا تطلب منهم تكاليف وإقامة شعائر أيام الطفولة الأولى.
ولكنه غير خاف أن الطفل إذا شب غير متغذ بالروح الدينية منذ نعومة أظفاره صعب تقويمه أيام الشباب واستحال صبغه إذ ذاك بصبغة دينية تكيف ميوله وأهواءه وأقواله وأعماله حسب قوانين الشرع الحكيم وما تأمر به وما تنهى عنه، لقد تعودنا أن نعلم أطفالنا مبادئ الدين وكيفية الوضوء والصلاة، ولكن هل يحق لنا أن نتساءل قبل أن نحشو جماجم الأطفال بفرائض الوضوء ومكروهاته وسننه ومبطلاته، وقبل أن نأمرهم بالركوع والسجود والقيام والقعود، قبل كل هذا ألا يحق لنا أن نتصور كيف يفهم الطفل مغزى كل هذا، وكيف لا يسأم هذا الركوع والسجود والقيام والقعود الذي لا يفقه له معنى والذي لا يدري لماذا يأتيه؟ نعم قد لا يعزب عن بالنا أن نوضح للأطفال أن الصلاة ركن عظيم من أركان الدين، من ضيعها فهو لما سواها أضيع وأنها تميز المسلم من غيره، إلى آخر فضائلها، ولكن هذا غير كاف والواقع أن الطفل أحوج في طفولته إلى تكوين ديني صحيح أكثر من احتياجه إلى تعلم فرائض الوضوء والصلاة ومكروهاتهما ومستحباتهما وما يتعلق بذلك من تفصيلات وتأويلات، إذ لا فائدة تجني من وراء ذلك، ولا قيمة لأشكال الواجبات الدينية ما دامت بذور العاطفة الدينية لم تغرس في الطفولة الناشئة بأسلوب سيكولوجي، وطريقة بداغوجية ناجعة، وهنا يحق لي أن أتساءل عن منهاجنا الديني وأسلوبه في تربية الناشئة تربية دينية صادقة، لنضع هذا المنهج إذن على محك الاختيار، لنرى إلى أي مدى بلغ إهمال التربية الدينية في نفوس المكلفين بإدارة التعليم السابقة، هذا المنهاج الذي لا يزال مفروضا على أبنائنا وبناتنا إلى اليوم مع الأسف الشديد رغم أنه لا يتناسب وكرامة الدين الحنيف وأهداف التربية الدينية، ورغم كونه أيضا يتنافى على طول الخط مع أبسط أساليب التربية والتعليم، إنه يحتوي على القرآن والتوحيد والأخلاق والدين.
ومن العجيب أن يوزع المنهاج مادة القرآن الكريم بنسبة متساوية بين جميع الأقسام لا فرق فيها بين صغير وكبير، كأن التعليم عملية عسكرية، لا عملية ذهنية، تستند على قابليات عقلية محدودة، وإمكانيات نفسية، وطاقات فكرية، ينبغي حصرها ومعرفة كيفية تنميتها بحكمة وخبرة وتعقل ورشاد.
ومن الكلام المعاد أن نقول إن تخصيص حزبين لكل قسم أمر لا يمكن تحقيقه، وإن الشرح المطلوب في القسمين المتوسطين لا يحقق أهداف التربية الدينية، لأن جل الآيات تتضمن أفكارا وعقائد وتعاليم فوق مستوى التلاميذ في الأقسام الابتدائية، وباختصار فإن المنهاج المقرر والأساليب المتبعة في تعليم القرآن يجب أن تقلب رأسا على عقب، وسأبين الطريقة التي ينبغي السير على منوالها في تعليم القرآن الكريم وفي التربية الدينية في ختام الحديث.
ونعود إلى النقطة الثانية وهي التوحيد: يوصي المنهاج بأن تكون الدروس في الفصول الصغيرة على شكل محفوظات تهذيبية.
ولا يفوته أن ينبه إلى ضرورة لفت أنظار التلاميذ إلى جهنم، التي خلقت لتعذيب المسيء، فهل يتصور واضعو المنهاج أن الطفل الصغير يمكنه أن يفهم معنى العقاب والثواب، وأن يتخيل تلك النار الملتهبة التي أعدت للكافرين، وإذا ما أمكنه أن يتخيلها ألا يمكن أن يتوهم فكرة الشر والانتقام وأن ترسخ في ذهنه الصغير صورة مشوهة عن الإله الرحيم الجميل؟
أما في القسم الابتدائي الأول، فإن المعلم مكلف من طرف المنهاج بتلقين الطفل حديث جبريل... فما علاقة طفل القسم الابتدائي الأول بجبريل وحديثه، إنها سخرية بعقول طفولتنا الناشئة واستهزاء بأصول التربية والتعليم... وهكذا يتدرج المنهاج حتى يصل إلى قسم الشهادة حيث يؤمر المعلم بتدريس علم التوحيد وأقسام الحكم العقلي وغيره من المباحث العقلية التي يستعصي فهمها على الطلاب في الجامعات العلمية والكليات الدينية.
ونعود إلى النقطة الثالثة من المنهاج وهي الدين: ويهدف المنهاج حسب ما سطر في النصائح والإرشادات إلى تدريب الطفل على الفقه العلمي، وتفقيهه في مبادئ علم الدين بكيفية عامة، وما يهم العبادات بكيفية خاصة، ويحق لي أن أتساءل: كيف يمكن للمعلم أن يشرح للتلاميذ نواقض الوضوء في القسم الابتدائي الثاني إذا سار حسب توزيع المنهاج وكيف يوضح لهم ألطاف المرأة ومس الذكر، وخروج المني بلذة معتادة، وصلاة القصر وشروط ما يستجمر به.
وكيف يفسر لهم في القسم المتوسط الأول الاعتكاف ومحله وأيامه ومبطلاته ومباحاته، وماذا سيجنون من معرفة هذا الركن الهام في عصر الامتزاج والسرعة والاستكشاف، وفي القسم المتوسط الأول كيف يبين المعلم للتلاميذ الذبح والنحر والعقر والحيوان المعلم وزكاة ما ليس له نفس سائلة وما يباح من الطعام والشراب، وما يكره وما يباح للمضطر إلى غير ذلك من المعلومات التي جمعت جمعا وحشرت حشرا بدون روية أو تفكير... لنضرب صفحا عن كل ذلك، ولنبدأ من جديد في وضع منهاج قويم للتربية الدينية، يتناسب ونبل أهداف ديننا الحنيف ومقاصده السامية.
إن التربية الدينية الحقة تكون منهاجا متحدا لا يفرق بين مادة وأخرى وإنما يهدف لخلق الروح الدينية وتعهدها والاستفادة منها في تقويم المجتمع وإصلاح الفرد والأمة.
أريد اليوم أن أحدث القراء الكرام عن وسائل التربية الدينية الصحيحة وقد استعنت في هذا البحث بآراء صائبة لمربين أفذاذ، وأبحاث قيمة لطائفة من علماء الدين الأبرار، وقبل أن أدخل في صلب الموضوع أريد أن ألقي نظرة عاجلة حول أسباب ضعف التربية الدينية عندنا، لأنني متيقن أن كل إصلاح لا يمس وضعيتنا الجوهرية يكون عقيما عديم الجدوى.
إن تقهقر التربية الدينية عندنا راجع إلى أسباب اجتماعية وسياسية يمكن تقسيمها حسب الشكل الآتي:
1) العوائد العتيقة:
لقد ظل المغرب منذ عهد بعيد بمعزل عن كل تطور روحي، فتسبب هذا الانعزال في توطيد كيان العوائد والخرافات، وتسلط الأوهام على العقول، حتى اختلطت العوائد والتبس أمرها على الناس فصاروا يعدونها بمثابة تشريعات دينية، لها حرمتها وقداستها، ومما زاد الطين بلة هو تقمص كثير من المشعوذين إزاء المرشدين الدينيين، فاتخذوا من الدين طلاء لظفرهم السام، وساعدهم على التضليل جهل الشعب المسكين وبساطة إيمانه.
2) الاستعمار:
    لقد عرف الاستعمار أن أخطر سلاح يمكن الأمة المغربية من استقلالها هو تمسكها بروح تعاليم دينها الحنيف، فعمد إلى تضليل الناس وشجع المشعوذين ومد لهم في حبل الكذب والغش والتدليس، وسعى لبث سموم المدنية الغربية وأوحالها، في صفوف المثقفين ليشبوا على الزندقة والإلحاد وذلك بجميع مختلف وسائل الإغراء، وهكذا تمكن من استعمار كياننا الثقافي وخنق جميع الأنفاس التي يشم منها دعوة إلى الدين الصحيح.
3) عقم المناهج التي تتصل بالتربية الدينية، وركاكة الأساليب المتبعة في التعليم الديني؛ ونظرة واحدة على الكتب المقررة للتربية الدينية في جامعة القرويين تكفي للدلالة على تأخرنا وتقهقرنا في هذا الميدان الحيوي.
4) اتصالنا بالحياة الأوربية في ظروف كان المغرب يعيش أثناءها في انحلال اجتماعي وانحطاط معنوي، فلم يكن من اليسير على أمتنا أن تقاوم بضاعة الاستهتار ودعوة الفسوق والإغراء، من مواخير وأوكار للبغاء، إلى صالات للرقص والغناء، وأفلام هي مثال للخلاعة والمجون وللرذيلة كما هو معلوم ببريقها الذي يخطف الأبصار ومغرياتها التي تعمي القلوب والأنظار. قال جل علاه: ?فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ? [الحج: 46].
هذه نظرة خاطفة عن بعض أسباب تأخر التربية الدينية عندنا، ورغم اقتضابها فمن اليسير أن نستخلص منها أن المنهاج الذي نريد أن نضعه لتربية أبنائنا تربية دينية صالحة، والأساليب التي نود رسمها لتحقيق هذه الغاية السامية، لا يمكن أن تؤتي أكلها إذا لم يشمل الإصلاح جميع مرافقها الحيوية، ويتناول بالخصوص القيم المعنوية، لأن الوعي الديني الصحيح هو أساس التربية الدينية الصالحة. وننتقل إلى دراسة الإصلاحات التي ينبغي أن نقوم بها لبناء منهاج ديني ناجح، ويجب أن ننبه إلى أن التربية الدينية التي تعتمد على المعرفة والتحصيل فقط قد تخلق لنا علماء في الدين، ولكنها لا تخلق لنا أشخاصا مهذبين، إنه من الخطورة بمكان أن نعلم الدين على أنه مجرد مادة دراسية، لها منهاج محدد، وموضوعات خاصة، وكتاب مقرر. فالدين أكرم من أن يعامل تلك المعاملة، وهو أشد التصاقا بطبيعة الأطفال وأعمق أثرا في حياتهم، وهو أسمى من أن نعلمه في مدارسنا على أنه تمرين عقلي، أو موضوعات متفرقة في الوعظ والإرشاد، لأن حقيقة الدين هي التوجيه الاجتماعي والتنظيم السليم للحياة، فالدين ينبغي اعتباره قبل كل شيء دستورا للحياة، بل هو حياة تمارس، ومبادئ يقاس على هديها، وكلما كانت التربية الدينية متصلة بما في حياة الطفل من أحداث، كان ذلك أدعى إلى فهمها وإدراك الحكمة التي تنطوي عليها، وبالتالي أدعى إلى اعتناقها والإيمان بها، وبذلك يخرج الدين من نطاق حصة تافهة، إلى أسلوب حياة ينتظم الوطن كله، والحكومة، والشارع، والمنزل، والمدرسة. وباختصار فإنه زيادة على منهاج ديني قويم تقوم دعائمه على النحو الآتي:
1) نصوص مختارة من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة لمستوى الأطفال الفكري.
2) نبذ من سير الخلفاء الراشدين وجلة الصحابة والتابعين والمصلحين والزعماء والمرشدين.
3) موضوعات تهذيبية عامة تحتوي على قصص ومواعظ خلقية واجتماعية.
4)  مقتطفات تتناول بطرق وأساليب عملية ما يتناسب ومدارك الأطفال من عبادات وشرائع دينية وتبسيطها وتنسيقها على شكل أحاديث مسلية أو محاورات لطيفة أو قصص مشوقة.
 يجب زيادة على مثل هذا المنهاج تكوين وعي ديني صحيح، يتناول جميع مرافق الحياة، وهناك بعض المعاهد الأجنبية تبدأ يومها الدراسي باجتماع ديني عام.
 فإذا عرفنا كيف نتيح لتلاميذنا فرصا طبيعية لتقوية الوعي الديني في نفوسهم، فإننا نقيم دعائم مجتمع قوي سليم، ولن تعوزنا الوسائل والأساليب للوصول إلى هذه الغاية النبيلة، ففي مستطاعنا أن نخصص حجرة في كل مدرسة للقيام بأداء الشعائر الدينية، وأن نزود هذه الحجرة بمكتبة دينية رشيدة، وبالخصوص يجب أن نحرص على أداء ما يتاح لنا من الفرائض الدينية صحبة تلاميذنا ونكون لهم خير مثال وقدوة.
ومن اليسير أن نعقد في مصلى المدرسة مجالس قصيرة -بين فترة وأخرى- للوعظ والإرشاد والمناقشة في بعض أمور الدين، على ضوء ما يحدث للأطفال من مشكلات نستشهد أثناءها بالنصوص القرآنية المناسبة، ونربي التلاميذ على اعتبار الدين وسيلة من وسائل الإصلاح، وأنه قانون اجتماعي سمح لا قيد منفر.
ولا ينبغي أن ننسى أن الجو المدرسي من أقوى العوامل على نجاح التربية الدينية وغرس بذورها في نفوس التلاميذ، فالحرص على رد كتاب مستعار أمانة، والسؤال عن صديق مريض وفاء، واحترام المائدة وما عليها قناعة، وقول الحق في كل مناسبة شجاعة، واحترام الأساتذة بر، وأداء الواجب إخلاص، ومراعاة حقوق الأصدقاء نبل، وهكذا علينا أن نشجع التلاميذ ونعينهم على إنشاء هيئات تتولى الإشراف على الاحتفال بالمواسم الدينية والأعياد الإسلامية.
والقيام بأعمال الخير في الجمعيات الخيرية والمستشفيات ومواساة الضعفاء والمحرومين، بمثل هذه الاتجاهات يتكون الوعي الديني الصادق في نفوس الأطفال، ويتجه الاتجاه الصحيح النافع في الحياة.
ويسعدني أن أختم هذا الحديث بتوجيه سديد للدكتور قدري لطفي حول أسلوب تكوين الوعي الديني في نفوس الأطفال الصغار، وذلك لشدة عنايتي بطفولتنا الناشئة وحبي الأبوي لها يقول جناب الدكتور: (يبدأ الدين مراحله الأولى عند الطفل، وتتمثل مبادؤه في مشاعر الرهبة والاحترام والإعجاب بكل ما هو جميل أو غريب في البيئة، سواء أكان ذلك في مظاهر الطبيعة، من سماء وما فيها من شمس وقمر ونجوم وسحاب، ومن أرض وما فيها من أزهار وأنهار وطيور وحيوان، أم كان ذلك في علاقة الطفل بغير من الناس، وما تنطوي عليه من عطف وحنان، وحب وإيثار، ومن هنا تبدأ التربية الدينية بإتاحة الفرص أمامهم ليروا عجائب الحياة ومظاهر البيئة، بمشاهدة صغار الحيوان، وملاحظة حركاتها ومراقبة أطوار نموها، وبمشاهدة صغار الطير وهي تحاول الطيران وتتلقى طعامها من مناقر أمهاتها، ويلفت أنظارهم إلى نقاء الهواء الذي يستنشقونه، وأشعة الشمس التي يستقبلونها، وحلاوة الماء التي يستطيبونها، كل هذه الأشياء وإن لم تكن من تعاليم الدين وأصوله، نستطيع إذا أحسنا توجيه أنظار الأطفال إليها، أن نخطو بهم خطوات واسعة نحو إدراك القوة الإلهية، وعظمة الخالق، والإحساس بوجود الله الذي يرانا ولا نراه وتسيير الكون في نظام بديع، وتنسيق عجيب، وفي توجيه الأطفال إلى ملاحظة المظاهر الطبيعية للإجابة عن كثير من الأسئلة التي يحاول بها الأطفال وضع الأسس الأولى لمعتقداتهم الدينية، والتعليل لما يرونه من مظاهر الخلق، وظواهر الكون كتقريب فكرة الإله إلى الطفل الصغير بتشبيهه بالهواء الذي نحسه ولا نراه، وفكرة الجنة بتشبيهها بالحدائق وما فيها من أعناب ونخل وماء وزهر، وفكرة الموت بما يعتري الزهرة من ذبول وسقوط لكن ينبغي تجنب الخوض مع صغار الأطفال فيما أعده الله من صنوف العذاب وما تتصف به جهنم من فضائع الحريق... لأن ذلك يشبع الرعب في نفوسهم، فضلا عما يثيره من شك وقلق مبعثهما العجب البرئ من أن يشعل الله هذه النار المحرقة ويقضي بهذا العذاب الأليم وهو (الإله الجميل الرحيم).                        

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here