islamaumaroc

الأوقاف وأقسامها وتنظيمها ودورها قديما وحديثا

  دعوة الحق

85 العدد

الأوقاف في المملكة المغربية تحتل مكانة عظيمة وتشغل حيزا لا يستهان به في حياة المجتمع، وقد ازدهرت مؤسسات الأوقاف منذ عهد المرابطين والموحدين والمرينيين، يدلنا على ذلك ما نجده في المدن العتيقة من المساجد والمعاهد الدينية والمدارس العلمية والمارستانات، والذي يلقي نظرة على هذه المؤسسات يجد أن الذين أنشأوها استعملوا في تصميم بنائها وتنميقه كل ما يملكون من رغبة في الإتقان، وحاسة فنية، وهذا هو السر في بقاء هذه الدرر الفنية الرائعة إلى هذا العصر رغم تقادم العهود.

الأوقاف في المغرب
الأوقاف في المغرب تنقسم إلى قسمين :
1) الوقف العمومي: هو الوقف الذي بمقتضاه يتخلى شخص لفائدة مؤسسة دينية أو اجتماعية عن أملاك أو عقارات، وقد كان للملوك والأمراء الحظ الوافر في هذا النوع من الأوقاف حيث كانوا يحرصون على تمتين عرى الدين في البلاد، فبنوا المساجد والمعاهد والمدارس، وحبسوا أملاكا عديدة مهمة تساعد على تسييرها، وتقف دون تدهورها وتلاشيها، وهكذا ازدهر الدين في البلاد وامتلأت المساجد بالمصلين وكثرت حلقات التدريس وتأسست الجامعات العلمية، كجامعة القرويين التي تعد من أقدم جامعات العالم، وكان الطلاب يتواردون عليها من كل حدب وصوب، للكرع من معين العلوم الإسلامية، كالحديث والفقه والأصول والتفسير والتوحيد، أو العلوم اللغوية كالنحو والصرف والأدب كانت تنسق أعمال القائمين بالشعائر الدينية والمكلفين بالسهر على حفظ وازدهار الثروة العلمية الإسلامية والقائمين بشؤون الإسعاف.

2) الوقف الخاص أو الوقف المعقب :
هذا النوع من الأوقاف من الأملاك المحبسة على أشخاص معينين، ولا يكون الحق للأوقاف العامة في التمتع بها واستثمارها إلا بعد انقراض ءاخر شخص من الأشخاص الذين حبست لفائدتهم.
هذا ونجد أن الدولة العلوية اجتهدت منذ نشأتها في تنظيم الأوقاف، وسلوك طريق التبصر في السهر على أملاكها واستثمارها، وكانوا في بداية الأمر يعتبرون النظر في شؤون الأحباس من اختصاص القضاة الشرعيين فكان النظار في الحقيقة يسيرون الأحباس تحت إشراف ومسؤولية القضاة، وقد اهتم المولى اسماعيل بكيفية خاصة بتنظيم الأوقاف، فأمر النظار في جميع أنحاء البلاد بإحصاء الأوقاف وتسجيلها في دفاتر خصوصية تكون وثائق قانونية وتاريخية، فكان من هذه الوثائق ما يسمى بالحوالات الإسماعيلية
وفي عهد المولى عبد الله كانت النظارة العامة للأحباس من الوظائف العليا في الدولة المغربية، وكان يطلق عليها اسم نظارة على نسق أمانة الأمناء، وهي وزارة المالية وقاضي القضاة الذي كان عبارة عن وزير العدل، ونذكر هنا على سبيل المثال ظهيرا أصدره المولى عبد الله سنة 1143 أسند به ولاية النظارة العامة إلى أحد الأفراد المخلصين النزهاء، ونص هذا الظهير: (كتابنا هذا أسماه الله وأعز نصره وخلد في دفاتر المجد أمره وذكره بيد خديمنا الأرضي الأخير الأقرب السيد بلقاسم المسطاسي، ويتعرف منه بحول الله وقوته وشامل يمنه العميم ونصرته أننا جددنا له به ما كان عليه من النظارة في أمور الأحباس في جميع الأقطار والمدن والبلدان والقرى والمداشر وبسطنا له اليد الطولى على جميعهم بحيث لا يقصر عن البحث والتفتيش في الأدنى والأقصى وجعلنا العوض منا في ذلك، وأني بفضل الله تعالى وقوته أقمته هذا المقام على مر الليالي والأيام فعليه بتقوى الله ومراقبته في سره وعلانيته وعليه بمحاسبة النظارة وأهل التصرف في هذا الأمر حتى يترك من أراد ويولي من أراد ومنا إليه في التقصير وعلى الله المعول وهو حسبنا ونعم المولى ونعم النصير، وفي منتصف جمادى الثانية عام ثلاثة وأربعين ومائة وألف)
ومن هذا الظهير يتضح لنا أن وزارة الأوقاف كانت موجودة منذ بداية عهد الدولة العلوية وأنها كانت مشرفة إشرافا تاما على جميع الأوقاف وأنها كانت تقوم بمحاسبة النظار وتنسيق عملهم، وقد كان عدد النظار كثيرا في هذا العهد حتى أنه كان في بعض النواحي لكل وقف ناظر إلا أن الملك سيدي محمد بن عبد الله قرر جمع أوقاف كل مركز من المراكز في يد ناظر واحد أو ناظرين وذلك لتيسير حراستها ومما هو جدير بالذكر في هذا المضمار أن المولى عبد الرحمن أصدر أمره بمنع المعارضة في الأوقاف منعا كليا وذلك خشية منه لما يمكن أن يقع من تلاعب بالأملاك الحبسية، وقد أقر ذلك ابنه السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن وأصدر أمره إلى مندوب الخارجية بطنجة لتطبيق منع المعارضة بذلك الثغر ويمكننا أن نأتي بعدة أمثلة لإبراز مقدار اهتمام ملوك الدولة العلوية بالأوقاف واعتبارهم إياها تراثا خاصا لجماعة المسلمين حتى أن الممثلين المغاربة في مؤتمر عقد الجزيرة تلقوا تعليمات من جلالة السلطان لعدم تسجيل قضية الأحباس في جدول أعمال المؤتمر وقد أثارت هذه القضية أخذوا وردا لأن فرنسا أرادت أن تسحب تدخل الدول حتى في هذا النوع من التراث الذي شعر الجميع بأنه يتصل بالعروق النابضة في مختلف ميادين الأمة الحيوية
وكان الملوك يخصصون مداخيل الأوقاف وأوفارها للقيام بشعائر الإسلام وتعليم الدين ومواساة البؤساء والغرباء، فكانت تنفق على المساجد والمدارس والملاجيء والمارستانات وأحيانا ينفق منها على تحصينات الثغور وإنارة الدروب وتنظيف الشوارع وتوزيع المياه العذبة وكانوا يأذنون بالإنفاق من أحباس جهة على جهة أخرى متى كانت المصلحة الإسلامية تقتضي ذلك ولا سيما إذا طالبت به جماعة المسلمين، وكانوا فوق ذلك كله ينفقون من بيت المال الذي هو مال الرعية على كل ما يصلحها ويصون دينها من الانحلال والبوا، وهكذا بنيت المساجد والمدارس، ورمم المتداعى منها، ووضعت الأوقاف في حصن حصين تسهر عليها عين الدولة وتمنع من أن تعبث بها الأيدي.
ولما فرضت الحماية على المغرب سنة 1912 اعترف للأوقاف باستقلالها في صلب المعاهدة نظرا لصبغتها الدينية حيث نصت هذه المعاهدة على أن فرنسا تلتزم باحترام المؤسسات الدينية كالأحباس، وقد جاء في الفقرة المتعلقة بذلك ما نصه: (وتحفظ بهذا النظام الحالة الدينية ومراعاة العوائد المخزنية وقيام دين الإسلام ومؤسساته الدينية وبالخصوص ما يرجع لجانب الأحباس من هذا القبيل)
وقد ظهرت في هذا العهد عدة ظهائر لتنظيم الأحباس أهمها ظهير 26 يونيو 1913 الذي نص على تأسيس إدارة الأوقاف التي تعمل تحت إشراف جلالة الملك للنظر في جميع شؤون الأحباس يعينها في ذلك مجلس من العلماء وتتفرع هذه الإدارة عن المصالح المحلية للنظار والمراقبين المغاربة والذي يتصفح النصوص التشريعية والضوابط التي صدرت في هذا العهد يتبين أنه لا يوجد من بينها ما من شأنه أن يعطي أي حق لتدخل الإدارة الفرنسية في شؤون الأوقاف أو يبرر أي تصرف من طرف هذه الإدارة في توجيهها العام
إلا أنه جريا على عادة الحكم المباشر ونزع السلطة الفعلية من يد الدواليب المخزنية فإن الإقامة العامة سرعان ما انساقت مع ميولها الطبيعية في هذا المضمار وكونت بادرة الشؤون الشريفة قسما خاصا بمراقبة الأحباس أطلقت عليه اسم مراقبة وزارة الأوقاف وجعلته موازيا لهذه الوزارة، وقد تسرب موظفوا هذه الإدارة شيئا فشيئا إلى جميع ميادين الوزارة حتى أصبحت لهم بعد قليل اليد الطولى في شؤون الأوقاف العامة والخاصة وصار لا ينجز أي أمر مهما كان شأنه إلا بعد موافقتهم عليه خصوصا وأن ميزانية الأوقاف أصبحت تحت تصرفهم بحيث لا يمكن للوزير أن يقرر أي اتفاق أو ينفذ أية حوالة إلا بعد تأشير المراقب العام، كما أن الإدارة الفرنسية أصبحت تتدخل في تعيين موظفي الأقاف وحتى الساهرين منهم على إقامة الشعائر الدينية
وهناك جانب من نشاط الوزارة احتكرته الإدارة الفرنسية احتكارا تاما وهو الجانب المتعلق بالتصميم والبناء حيث أن المهندسين الفرنسيين هم الذين يقومون وحدهم بوضع التصميم الهندسي للبناءات الحبسية ويضعون تقويمها ويشرفون على إنجازها ويفسدون المبالغ المالية للمقاومين المكلفين ببنائها وكثيرا ما يقوم بعض المهندسين بتجارب يصفونها بأنها فنية لأحياء تقاليد القرون الوسطى في البناء على كاهل مال الأحباس مما يؤدي أحيانا إلى بناء ثم النقض ثم إعادة البناء دون أية مراقبة ولا وازع، ويكفي أن هذا النوع من الهندسة استهلكت في محكمة باشا الدار البيضاء ما يزيد على 300 مليون فرنك، ومن حسن الحظ أن المهندس حبسي، ولكن المال من غير مال الأحباس.
ويجدر بنا هنا أن نذكر أن الأوقاف أنجزت خلال هذا العهد بنايات عديدة للسكنى والتجارة في مختلف المدن المغربية، وأنها شيدت خصوصا في عهد صاحب الجلالة محمد الخامس رضوان الله عليه مساجد عظيمة تجلى فيها فن الصناع المغاربة ومهارتهم كالمسجد المحمدي بالدار البيضاء وغيره.
وقد وقع تحويل المنشآت المعمارية من المعاوضات التي قامت بها الوزارة ولا شك أن هذه المعاوضات إن ساعدت في بعض الأحيان على القيام بمشاريع معمارية مهمة، فإن بعضها وقع فيه حيف وإجحاف للأحباس حيث أن عددا عديدا من القطع الأرضية الواقعة في أهم شوارع المدن المغربية وقع تفويتها، ولو بقيت للأحباس لتضخمت ثروتها أضعافا مضاعفة
ومن ناحية أخرى فإن المهندسين الساهرين على وضع التصميمات المعمارية لا يتبعون روح العصر في عملهم تنقصها الأناقة والاقتصاد في المصاريف واستغلال البقعة بكيفية منطقية، ومن المهندسين من كون لنفسه سمعة فنية على حساب الأحباس تاركا وراء ظهره المصلحة الحقيقية للأوقاف.
أما الأملاك الفلاحية فإنها تكون ثروة هائلة منبئة في جميع أنحاء القطر، وتتكون هذه الأوقاف من الأراضي الزراعية ومزارع الزيتون والبرتقال والأشجار المتنوعة.
هذا وأن الأوقاف إن وقع تنظيمها من الناحية الإدارية والفنية وزادت في قائمة أملاكها بنايات وعمارات جديدة فإنها لم تقم بالمهمة الحقيقية التي أسست من أجلها قيامها تاما حيث أن جل ميزانيتها ينفق على موظفي التسيير بينما الموظفون الدينيون كالأئمة والخطباء والوعاظ والمؤذنين ومقرئي الحزب والمنظفين الذين يتقاضون أجوارا رمزية لا تتفق مع كرامة مهمتهم الدينية والإنسانية، وهكذا لما استملت وزارة الأوقاف مهامها في هذا العصر الجديد وجدت نفسها أمام سلم منمق مزركش يؤدي إلى إبهاء خربة متداعية تحتاج إلى التدعيم والإصلاح، وتستلزم مقدارا عظيما من الروح الدينية والإنسانية لإرجاع الأمور إلى نصابها وتنفيذ إرادة المحبسين الأجلاء الذين حينما خرجوا عن أملاكهم للمصلحة الإسلامية العامة كانت تحدوهم في ذلك عاطفة دينية متأججة وكانوا يحرصون قبل كل شيء على أن يبقى الدين يؤدي رسالته الخالدة على الوجه الأكمل ولذا فإن الوزارة جادة في إنهاء أعداد برنامج عام للعمل يأخذ أساسه من استغلال ثروة الأوقاف استغلال واقعيا وعصريا وتنمية هذه الثروة حتى تتمكن هذه الوزارة من أداء مهماتها الدينية والاجتماعية وتصير قادرة على المساهمة في النهضة الإسلامية والاقتصادية التي يتطلبها الشعب المغربي في هذا العهد الجديد
وللوصول إلى هذه الغاية قامت الوزارة بدراسة للضوابط الحبسية الموجودة فرأت أنه من بين هذه الضوابط ما يجب الاحتفاظ به ومنها ما يجب تعديله وبالفعل أصدرت عدة منشورات تتعلق بالخصوص بمسطرة إنجاز أعمال البناء وإجراء السمسرات العامة، وهي جادة في هذا الدور الاستطلاعي في وضع الخطوط الرئيسية التي يجب أن يرتكز عليها نشاطها، وهذه الخطوط الرئيسية يمكن أن نلخصها في النقط الآتية :
1) النشاط الديني : لا يخفى أن نقطة ارتكاز نشاط وزارة الأوقاف تتجسم في إقامة الشعائر الدينية وجعلها تؤدي المهمة التي يفرضها الانبعاث الروحي في البلاد فقد آن الأوان ليخرج المغرب من غفوته وينهض من كبوته ويفهم الناس الدين على حقيقته ويجرد مما علق به من خرافات المشعوذين وأباطيل الدجالين، وتظهر مزايا الكامنة في مبادئه السامية ولا يتسنى ذلك إلا بإسناد مهمة الوعظ والإرشاد والإمامة والخطابة إلى رجال يمثلون الفضيلة ويتوفرون على مواهب يمكن أن تنبثق منها وسائل هذا الانبعاث المقصود ومما لاشك فيه أننا إذا كنا نطلب من الوظيفة الدينية أن تؤدي رسالتها المثلى فعلينا أن نرفع من المستوى الاجتماعي للقائمين بهذه الوظيفة ولا نتركهم يتقاضون أجورا لا تسمن ولا تغني من جوع ولا تتفق وكرامة الدين والإنسانية، ولذا فإن الوزارة جعلت على رأس قائمة مشاغلها إعادة النظر في أمر هذه الأجور ورفعها إلى مستوى يكفل الحياة لأصحابها ويجعلهم يحتلون رتبة اجتماعية محترمة
2) النشاط الاجتماعي : إلى جانب النشاط الديني فكرت الوزارة في خلق عمل اجتماعي جديد تضيفه إلى الأعمال الموجودة الآن في هذا الميدان
ومن جملة الأعمال التي تسترعي اهتمامنا أحياء تراث الأحباس الفكري وذلك بنفض الغبار عن الصكوك والحوالات الحبسية والمخطوطات القديمة فهذه الآثار تكون مادة غزيرة للتاريخ ويمكن بإخراجها إلى الوجود إن نزيح اللثام عن بعض الجوانب الغامضة في تاريخنا إذ أن أسلوب البحث التاريخي الحديث يستلزم تصفح مثل هذه المستندات التي يكون لها في غالب الأحيان اتصال بالحياة الواقعية الملموسة ويكون الواضعون لها لم يقصدوا منها توجيها أو دعاية وبعلمنا هذا نكون قد أدينا للبلاد خدمة جليلة وساهمنا في إحياء التراث الإسلامي المجيد، وقد أسسنا مكتبا للمخطوطات والصكوك الحبسية عمل على تركيز وتسيير الخزائن الوقفية في جميع ربوع المغرب وأخذ صور للكتب النفسية النادرة من أجل تحقيقها وطبعها.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here