islamaumaroc

الأوقاف الإسلامية ونظامها بالمغرب في عهد الدولة ية

  دعوة الحق

85 العدد

ابتدأ الوقف في عهد رسول الله  الأكرم صلوات الله عليه، وعهد صحابته الكرام ثم من بعدهم من الأمم الإسلامية متتابعا إلى عصرنا الحاضر. اخرج البخاري في الأدب ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول عليه السلام قال: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث – صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.
فسر العلماء الصدقة الجارية بالوقف. وعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن عمر أصاب أرضا من أرض خيبر فقال يا رسول الله – اصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه فما تأمرني؟ فقال صلى الله عليه وسلم – ان شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فلم يلبث عمر أن تصدق بها على أن لا تباع ولا توهب ولا تورث – في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول.
والحديث يحتوي فوائد – منها ثبوت صحة أصل الوقف، قال الإمام النووي: وهذا مذهبنا ومذهب الجماهير، ويدل عليه أيضا –اجماع المسلمين على صحة وقف المساجد والسقايات والمستشفيات والمستوصفات.
ولأجدادنا رحمهم الله –مبرات بالإنسانية في مختلف مظاهرها، في مقدمتها أنهم وقفوا أوقافا كثيرة على جميع شؤون الدين –فالمدرسون والطلبة، والخطباء، والوعاظ والأئمة، والمؤذنون وقراء القرءان والأحزاب صباح مساء والقيمون على التنظيف والفرش، وما إلى هذا من مرافق تساعد على أداء طقوس العبادة في سهولة ويسر – كل ذلك له حظه الأوفر من ثروة الأجداد المحبسة تسنده وتمده – ففي كل ناحية من مدن المغرب وقراه تجد مبرة من مبرات الجدود –بالدين وما يرجع إلى الدين فكانوا نماذج تحتذى في باب الإحسان إلى الضعفاء والمساكين فأحباس الكسوة صيفا وشتاء، والاطعام يوميا وأسبوعيا وافرة من مغربنا الكريم، اضف إلى هذا الملاجئ التي احدثوها في غير ما جهة من جهاته خاصة بضعفاء الأبدان وضعفاء العقول والعتهاء مجهزة مزودة بالأوقاف الكافية حتى لا تقف وتتعطل فائدتها في ظرف ما.
ومثل هذا يقال –في القلاع والحصون والأبراج وخصوصا في الثغور –فقد أسسوا معاقل لحراسة الأراضي الإسلامية وصد كل من يرومها بسوء متكفلين بامداد القائمين بها بالأحباس المقتطعة من أموالهم الخاصة حتى أنهم تجاوزوا مبرة الإحسان بالإنسان إلى الإحسان بالحيوان والرفق به –فعندنا وقف من أسلافنا خاص بمداواة اللقلق «بلارج» ومعالجته عندما تصيبه آفة (1) لتصغ الآن «جمعية الرفق بالحيوان» لهذه المزية التي سبق إليها أجدادنا قبل أن يدور ذلك بخلد أبنائها بل وهي لا تزال في العدم بعد قرون.
لهذه المكارم الخالدة التي نستوحي أسرارها من مضامين أوقافنا الإسلامية –قام ملوك الإسلام ورؤساؤه بالعناية بها ورعايتها حفاظا على كرامتها وعرفها المقدس القار –فهذا أبو النصر المولى إسماعيل العلوي نور الله ضريحه حينما رأى كثرة الأوقاف بالمملكة وخشي عليها الضياع والنسيان -أصدر أمره  إلى النظار في كل جهة من الجهات بإحصاء الأوقاف وتسجيلها في دفاتر خاصة تكون كوثائق قانونية وتاريخية بين أيدي الأجيال القادمة كي يترفعوا منها أملاك الأحباس، ومقاصد المحبسين، وكان من ذلك ما يسمى: «بالحوالات الإسماعيلية» (1).
وفي عهد المولى عبد الله بن اسماعيل – 1140-1727- تأسست النظارة العامة للأوقاف «الوزارة الحبسية» من بين الوظائف العليا الموجودة في الحكومة، وأصبح لها من الاختصاص والنفوذ العام كل ما يلزم أن يكون لوزارة حبسية حديثة – واصدر العاهل المذكور طيب الله ثراه –أمره بإسناد هذه الوظيفة الخطيرة العامة إلى السيد بلقاسم المسطاسي بالنظر في شؤون الأحباس في جميع المدن والبلدان والقرى والمداشر، اذ بسط له اليد الطولى على جميعها لما لمسه فيه من الكفاءة والنزاهة وذلك بتاريخ 1143هـ - 1730م.
من هذا نستنتج أن «وزارة الأحباس» ليست بدعا بل كانت موجودة منذ العهود الأولى للعائلة العلوية.
وفي دولة السلطان المقدس محمد بن عبد الله رحمه الله عليه، جعل يجمع أوقاف كل جهة على حدة ويكلف بها ناظرا واحدا كسنة منه اقتدى به فيها المغفور له المولى عبد الرحمن بن هشام، فقلل عدد النظار وجعل في كل مركز من المراكز ناظرا أو ناظرين على الأوقاف العمومية رغبة في لم شعثها ورعايتها أكثر ما تكون الرعاية.
نعم عندما أخذت تشيع معاوضة أملاك الأحباس بغيرها من الأملاك، أصدر المولى عبد الرحمن أوامره الصارمة بمنع المعاوضة في الوقف، وكلف الولاة والقضاة على الخصوص بمنع المعاوضة منعا باتا، وعلى وتيرته سار ابنه المغفور له محمد الرابع، مجددا أوامره إلى العمال والقضاة والنظار بمنع المعاوضة الحبسية، على أن هناك جماعة من العلماء من أجازوها بشروط كالمحافظة على أصل الملك وقيمته بحيث لو كان المحبس بقيد الحياة لطابت نفسه بالعوض. ولما كان ما يوجب تبديلا أو تغييرا يترتب عليهما ما يترتب من مقالة المحبس. ثم النظرية العامة التي كان ملوك الدولة العلوية الشريفة يطبقونها كمن قبلهم من ملوك الدولة المغربية –هي اعتبار الأوقاف الإسلامية تراثا خاصا لجماعة المسلمين، ورصد مداخيلها وأوقارها للقيام بشعائر الإسلام، وتعليم الدين وما إليه من معارف ومؤاساة البؤساء والغرباء فكان دخلها يصرف في المساجد والمدارس والملاجئ والمارستانات والمستوصفات وأحيانا على تحصين الثغور وإنارة الدروب، وتنظيف الشوارع وتوزيع المياه العذبة وكانوا يأذنون بالإنفاق من أحباس جهة على جهة أخرى متى كانت المصلحة تقتضي ذلك من ذلك ما قام به المولى محمد بن عبد الله من بناء المساجد والمدارس وتجديد أضرحة الأولياء في مراكش وآسفي والدار البيضاء وفضالة «المحمدية» ورباط الفتح، ومكناس، وتازة، والعرائش، وتأسيس مدرستين بمكناس، ومدرسة بتازة والصويرة بما فيها من مساجد ومدارس «ضرورة أنها من مؤسساته».
وهكذا استمر ملوك الدولة العلوية الشريفة يرعون الأوقاف ويعيرونها اهتمامهم الخاص دفاعا عن قداستها واسترجاع ما اغتصب أو يغصب من أملاكها وعقاراتها.
فعندما انعقد مؤتمر الجزيرة «1324هـ-1906م» لدراسة الإصلاحات اللازمة للمغرب، لم يدرس مسألة الأحباس، ولم يدخلها في جدول أعماله، لأنها قضية دينية لا صلة لها بالدول الأجنبية، ولا حق في بحثها والتدخل في شؤونها لغير المغاربة والدولة المغربية –بيد أن المندوبين المخزنيين- انتهزوا الفرصة للدفاع عن أملاك الأحباس التي اعتدى عليها الرعايا الأجانب، وطالبوا بإخراجها من أيديهم لصفتها الحبسية المقدسة في الشرع الإسلامي، ذلك ما جعل المؤتمر يقرر تكليف رجال السلك السياسي في طنجة بأن يضعوا حلا مرضيا للقضية بالاتفاق مع المندوب الخاص الذي يعينه جلالة السلطان، وضمن المؤتمر هذا المعنى في الفصل الثالث والستين من العقد العام الذي وقعت عليه الدول بتاريخ 7 أبريل سنة 1906م. وفي الاتفاق الواقع في العهد الحفيظي مع حكومة الجمهورية الفرنسية –وقع التصريح في فصله الأول باحترام المؤسسات الدينية والأحباس الإسلامية.
واهتمت الحكومة المغربية بتنظيم الأحباس تنظيما جديدا حيث صدرت بذلك ظهائر.
أما في عهد الملك الراحل محمد الخامس –قدس الله روحه- فقد نالت الأوقاف عنايتها الخاصة وأصبحت تتسع دائرتها في شتى الميادين، تأسيسا وتجديدا وترميما في سائر أصقاع المغرب من جنوبه إلى شماله، ومن شرقه إلى غربه، خاصة في عهد الاستقلال الذي حصلت فيه على عناية صادقة، ورعاية كاملة تتفق وقداسة الوقف وقيمته الإسلامية.
فمنذ ثاني مارس سنة 1956 –أخذت تخطو خطوات بعيدة بما كان يبذله المغفور له محمد الخامس من رعاية صالحة بتوسيع نطاقها وتنميتها بواسطة وزارتها الحازمة والساهرة على مصالحها بكل ما أوتيت من جهود.
ولقد أثبت المؤرخ المرحوم ابن زيدان في كتابه: «الدرر الفاخرة بمآثر الملوك العلويين بفاس الزاهرة» فذلكة هامة من مآثر محمد الخامس طيب الله ثراه فليراجع.
وهذا ما نعيشه اليوم في عهد خلفه الطيب الحسن الثاني أيده الله –حيث لا تمضي فترة وشهور حتى نسمع أن وزير الأوقاف الحازم يضع الحجر الأساسي لمساجد بالجنوب وأخرى بالشمال كما نسمع إليه يلقي خطابا مرة أخرى وفينة تلوها مدشنا مساجد أنجزت وشيدت هنا وهناك – بأصيلا، بالعرائش، بتيفلت، بالبيضاء، بالجنوب، بسوس. وهكذا والمعابد الإسلامية، والمساجد تترى مشيدة في أصقاع المغرب حسب اتساعه وفيض عمرانه، والعمل في جد على رصد الوعاظ والمرشدين لأداء رسالة الانقاذ والتهذيب للشعب وأبنائه بالأخص في رمضان المبارك.
وختاما لا اغفل عما حققته هذه الوزارة في ميدان «الدعوة إلى الحق»، بمجلتها السيارة التي نالت إعجاب المثقفين في الشرق والغرب –وها قد قطعت تسع سنوات وهي ماضية في أداء الرسالة لا تزيدها الأيام والشهور إلا تقدما في الفن في الموضوعات في الاختيار مما لا يفتأ يجذب ويشوق.
فلتسر وزارة الأوقاف موفقة في مشاريعها في ظل الملك الشاب الحسن الثاني أيده الله.

 

 

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here