islamaumaroc

النزعة الذرائعية في العقيدة الإسلامية

  الحسن السايح

العددان 4 و5

من المألوف من الفلسفة الإسلامية أن يتحدث العلماء عن الاتصال الوثيق بين الإسلام والفطرة (الإنسانية الأولى) ومدى بساطة دين الإسلام الذي استمد طاقته من الفطرة والبساطة.. ولم يعدم العلماء نصوصا سواء من القرآن الكريم أو من الحديث الشريف أو من سلوك المسلمين الأولين، يدعمون بها نظرياتهم من عهد الفارابي إلى ابن باجة، وأخيرا إلى ابن الطفيل الذي كان نهاية المطاف لهذه الفكرة في الفلسفة الإسلامية القديمة.
والواقع أن الإسلام دين ساير الفطرة والعقل، واستطاع أن يؤلف بينهما تأليفا لا تنافر فيه، ولم يكن هذا التأليف وليد طفرة أو مصادفة بقدر ما كان تمازجا يرتكز على أسس فلسفية منتظمة.. ولعل هذا يرجع لطبيعة الإسلام وظروف ظهوره، فقد بزغ في جزيرة العرب في وقت كانت فيه مأوى لشعب ذكي العقل واعي الشعور، وفي عصر تطور فيه العقل البشري تطورا علميا، خرج به عن التفكير البدائي المستوحى من الغريزة والغيبيات إلى طور التعقل والفكر.. وكان الدليل على هذا تفوق الفلسفة الإغريقية، وتوفيقها لحل عدة مشاكل إنسانية من زاوية اعتمال الفكر وإجهاد النظر، بدل الاستسلام إلى الثقة الفطرية.
ولقد خاض العقل البشري، من لدن اليونان إلى عهد المدرسة الإسكندرية، محاولات شتى قصد البحث عن الحقيقة وتنظيم الجماعة البشرية، فنجح قليلا وأخفق كثيرا، ولكن الإسلام عالجها فلم يخفق في حلها بقدر ما توفق، ولا أدل على ذلك من استمراره قويا إلى عصرنا هذا يجابه بطرائق تفكيره مشاكل وقتية، فلا تشعر بأدنى تنافر وعدم انسجام بقدر ما تزداد ثقة في تربيته العقلية.
ويخطئ كثير من علماء الاجتماع حين يرون الإسلام كمرحلة من مراحل التطور الفكري أو التطور الديني، لأنه كان في الواقع ثورة عنيفة ممتدة إلى يومنا هذا، يقف ضد كل نكسة فكرية، ويؤيد كل نزعة تطورية، ما دامت تهدف إلى بناء المجتمع بناء تتحد فيه مطالب الروح ومطالب المادة، وتنسجم فيه حرية الجماعة واستقلال الفرد.
لقد سبقت الإسلام ديانات ونظريات علمية وفلسفية، ولكنها لم تزد على كونها مثالية الوضع والإطار، تعيش في برج من عاج أو أديرة جاثمة على رؤوس القمم، لا تفهم حقيقة الحياة وأهدافها، ولا تعيرها اهتماما جديا أو إصلاحا عمليا، وهي لو فعلت لم تزد على ابتكار تهديدات تنزع بها إلى مكامن الخوف في العقل الباطن، بدلا من الاعتماد على الجدال والتجربة والإقناع.
وظهر الإسلام جليا في شخصية الرسول المكافح فكان عقيدة وعملا، إيمانا وسلوكا، يجابه الحياة الواقعية ويخوض لججها، فكان الدين الإسلامي بذلك دينا اجتماعيا عمليا، لا يتنكر للحياة بقدر ما يجابه   مشاكلها، لذلك فهو صورة تامة الإطار والوضع للمجتمع البشري، ويعتبر في نفس الوقت نقطة تعادل بين الأمزجة البشرية المختلفة المنطق والإيمان والحدس والبصيرة، وكان هذا عاملا قويا استطاع به أن يثبت وجوده وتناسقه مع مختلف البيئات والشخصيات والعصور... والحياة الواقعية كانت مجال الإسلام، بل لم يعش الإسلام إلا فيها، ولم يستمد قوته إلا منها، وهذه التجربة هي التي زودته بهذه الطاقة التي يعتبر بها، ويجلبه بها المشاكل البيئية والوقتية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here