islamaumaroc

الضمان الاجتماعي في الإسلام

  عبد الكريم التواتى

العددان 4 و5

يحس المتتبع لتشريعات الإسلام كوحدة متماسكة، ولقوانينه وتصرفاته كمجموعة متكاملة متداخلة، يحس في أعماقه بأن محور تلك التشريعات وهدف هذه القوانين لا يخرج ألبتة من محيط نفع المجموع البشري، ولا يتعدى أبدا نطاق صالحه العام، والإسلام -كشأنه دائما- حريص على أن توجه الأعمال كلها إلى تحقيق هذه الغايات السامية، وأن توطن النفوس على الإيمان بجدوى اتباع الخير أينما كان وإتيانه بجميع الوسائل التي تتوفر لديها، والإسلام بعد هذا لا يتساهل مع الذين يتلاعبون بالمثل الإنسانية أو يتهاونون في الذب عنها والعمل من أجلها، ويمتاز الإسلام -مع ذلك- في هذا الميدان بشموليته لكل الأفراد الذين يتكون منهم المجموع الإنساني، فأي عمل صالح لا يعم جميع الأفراد، ولا يمس جميع مناحي حياتهم، ولا يشمل كل أحوالهم، لا يمكن أن ينال رضا الإسلام ولا أن يكون له وجود تحت رايته، لهذا فحين قرر الإسلام دور المال في حياة الأفراد والجماعات، وأكد أن مال الله لم يرسل هذه الكلية إرسالا لا تقييد فيه ولا تخصيص، حتى يعطي بذلك القائمين على شؤون الناس مطلق التصرف في تكييف وتوجيه حياتهم دون مراقبة صارمة من هذه الطبقات التي وضع مصيرها بين أيدي هؤلاء القائمين، لا، وإنما أبان في وضوح وجلاء حدود كل فريق، ولذلك ففي الوقت الذي قرر فيه قيمة المال كوسيلة لا غاية قرر مورد هذا المال وبين وجوه استهلاكه... وقد رأينا في المقال السالف دور المال في المجتمع المثالي الذي يقره الإسلام وينشده المصلحون، ونحاول اليوم في مقالنا هذا أن نومئ في اقتضاب إلى موارد هذا المال وإلى مستحقيه، حتى نتمم بذلك تقريبية للنظام المالي في الدولة الإسلامية، لأن وجود ضمان اجتماعي صحيح يتوقف إلى حد كبير على وجود نظام مالي قار سليم.
ويلاحظ المتقصي للنظام المالي والاقتصادي في الإسلام، أن موارد المال في هذا النظام تكاد تكون منحصرة في هذه الأمور الخمسة مع تداخل بعضها في بعض وهي: الزكاة، الفيء، خمس الغنائم، الجزية، وأخيرا تبرعات أصحاب المال، ويلاحظ أن المصارف تنحصر في مجموعها في هذين النوعين: المصالح الفردية، والمصالح العامة للإسلام.
ويعتبر المورد الأول الأصل في النظام المالي للدولة الإسلامية، فبالإضافة إلى تأكيدات الآيات الصريحة التي لا تقبل التأويل باعتبار الزكاة علامة الإيمان والرضا بالإسلام، كما يؤخذ من آيتي التوبة ?فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ? [التوبة: 5]، ?فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ? [التوبة: 11]، فإن أعمال النبي عليه السلام وأقواله وأعمال الصحابة من بعده تؤيد هذا الاعتبار، أعني اعتبار الزكاة أصل الأنظمة الاقتصادية في الإسلام، وتؤيده بطريقة لا تترك لدولة إسلامية أن تتخلى عنه أو تتهاون في أمره، ففي الحديث: «من أعطاها مؤتجرا فله أجرها -أي الزكاة- ومن منعها فإنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا.. » ويبدو أن قتال أبي بكر للمرتدين حين امتنعوا عن أداء الزكاة لم يكن تثبيتا لمبدأ الإسلام ولا توطيدا لأركانه وعقائده في أذهان الناس، وإنما كان في الحقيقة والواقع قتالا لتحقيق أهم شريطة من شرائط الإسلام، وهي الزكاة في صورتها التنفيذية العملية لا العقدية، لأن أبا بكر أدرك بثاقب نظره أن دولة متضعضعة في الاقتصاد مزعزعة في نظامها المالي لا تقوم لها - وبالتالي لعقائدها- قائمة، ومن هذه الوجهة فحسب قاتلهم وطاردهم مؤكدا في عزيمة المؤمن بما يفعل: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤذونه لرسول الله لقاتلتهم عليه، ومن هذه الوجهة كذلك استطاع أبو بكر أن يلجم المعارضة التي هبت في وجهه، بدعوى عدم صحة وجواز قتال من يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
وحين نقول الزكاة نقصد الزكاة بجميع أنواعها وفي جميع فروعها، أعني زكاة الغلات الأرضية والماشية وزكاة النقد والعروض أيضا، لأن النص القرآني الوارد في شأن وجوب الزكاة ورد مطلقا لا تخصيص فيه ولا استثناء، ولأن النبي عليه السلام قبض زكاة النقد والعروض كما يثبت ذلك حديث علي عنه (ص) قال: قد عفوت لكم عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة.. الحديث، -والرقة: الفضة والدراهم المضروبة منها-
ويراد بالفيء ما يسره الله لرسوله من أموال الأعداء دون حرب أو قتال، وآية الحشر تشير إليه: (وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏ مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى... ) (الآية6-7) ويراد بالخمس من الغنائم الحربية ما أشارت إليه آية الأنفال (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ... ) (الآية41).
ويقصد بالجزية ما توحي به آية التوبة: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [الآية 29].
وأما التبرعات فيمكن الاستدلال عليها من مفهوم آية السورة السالفة (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ... ) (الآية 103)، ولما ورد من أن مجاعة حلت بالمسلمين في عهد الرسول (ص) فنادى المنادي: أن تقدموا معشر الموسرين وليجد كل منكم بفضل من ماله لإخوانه الفقراء، وتقول الرواية إن الموسرين تباروا بالدفع وقدموا الأموال حتى انتهت الأزمة، ومن قول عمر ابن الخطاب: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء وقسمتها على الفقراء).
تلك هي الموارد الخمسة في الإسلام، وأما المصارف فهي لا تخرج كما قلنا عن نطاق هذين الاعتبارين: المصالح الفردية، ومصالح الإسلام العامة، والقرآن فيما يخص الزكاة ينص على أن مصارفها ثمانية أنواع، وجمعها في هذه الآية: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ) [التوبة: 60]، وفيما يخص خمس الغنائم نص على أن المصارف خمسة أنواع وهي قوله: (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) [التوبة: 41]، ومن الطريف أن نذكر هنا أن مفسري الشيعة يوجبون هذا الخمس في جميع ما يكسبه المسلم في سلم أو حرب أو تجارة، فكأنهم بذاك يقرون ما تقرره الأنظمة الضرائبية الحديثة مما يسمى بضريبة الأرباح والدخل، ويدخل ضمن خمس الغنائم التعويضات الحربية التي يفرضها الغالبون على المغلوبين.. وفيما يخص مصارف الفيء ينص القرآن على أنها نفس مصارف خمس الغنائم حيث تصرح آية الفيء: (مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ)[الحشر: 7] ومما لا شك فيه أن كل هذه الأنواع يمكن حصرها في الاعتبارين اللذين ذكرناهما سابقا.. وعدم تنصيص القرآن على مصارف الجزية أو مقدارها، وعدم ثبوت شيء من هذا القبيل في كتب السنة، هو أولا من حيث أن آيتها لم تنزل لتشريع الجزية كما الحال في الزكاة والفيء والغنائم، وثانيا للإيذان بأن مقدارها من خصوصيات الدولة، وأن مصارفها لا تخرج عن مصارف الزكاة.
ومن المؤكد -والآيات الواردة في شأن مستحقي هذه الأموال تقنع الإنسان بذلك- شمولية التشريعات الإسلامية في هذه المصارف، أو بالتعبير العصري في ميدان الضمان الاجتماعي، فالقرآن لم يخص بهذه الأموال المسلمين فحسب، ولكن إطلاق آية يؤكد في جزم ووضوح أن هذا النظام في المحيط الإسلامي يشمل أيضا وبالأصالة جميع رعايا الإسلام، حتى ولو لم يكونوا يدينون بمبادئه، أو يؤمنون بعقائده، وهذه الشمولية لا من حيث العطاء فحسب، ولكن من حيث الإعفاء من الواجبات أيضا، متى ثبت عجزهم وعدم قدرتهم على الأداء. مر عمر بن الخطاب بطريق الشام، عائدا من بيت المقدس إلى المدينة، على قوم قد أقيموا في الشمس فقال: ما بال هؤلاء؟ فقالوا: عليهم الجزية لم يؤدوها، فقال عمر: فما يقولون هم؟ وما يتعذرون في الجزية؟ قالوا: يقولون: إنا لا نجد، قال: فدعوهم، لا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإني سمعت رسول الله يقول: لا تعذبوا الناس، فإن الذين يعذبون الناس في الدنيا يعذبهم الله يوم القيامة، وأمر فخلي سبيلهم؛ وبهذه المناسبة نقرر أن الجزية ليست إتاوة مفروضة على المخالفين للإسلام لعدم رضوخهم لأحكامه، وإنما هي في الحقيقة والواقع للدفاع عن حقوق وحرية من تؤخذ منهم، ففي كتاب الخراج لأبي يوسف.. اضطر المسلمون للانسحاب مرة من إحدى المدن، فكتب أبو عبيدة إلى كل وال خلفه في المدن التي صالح أهلها: يأمرهم أن يردوا عليهم ما جبي منهم من الجزية والخراج، وكتب إليهم أن يقولوا: إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع وأنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحسن لكم على الشرط، وما كتبنا بيننا وبينكم أن نصرنا الله عليهم.. قال أهل الذمة... -أو رعايا الإسلام بالتعبير الحديث، وقد ردت إليهم الأموال التي أخذت منهم: ردكم الله علينا، ونصركم عليهم، فلو كانوا هم لم يردوا علينا شيئا، وأخذوا كل شيء بقي لنا حتى لا يدعوا لنا شيئا...
ثم الإسلام حين قرر دور المال، ومورده ومصارفه، أعطى القائمين على شؤون الدولة الإسلامية، بمشاورة أرباب الحل والعقد وأهل الرأي، كامل الحرية ومطلق التصرف في توزيع هذه الأموال وفق الأصلح والأجدى للطبقات المعوزة، ووفق الخطوط العامة للتلقينات القرآنية والنبوية التي توجب على خزينة الدولة مساعدة هذه الطبقات الفقيرة، وتوزيع الأنصبة المخصصة لهم في موارد هذه الخزينة على الطريقة المثلى التي تكفل لأفرادها راحة البال، وتنجيهم من ضائقات الحرمان والذل والمرض، وتتيح لهم الكفاية من العيش، وتقيهم شرور الأفكار الهدامة، التي تجتاح عالمنا الحاضر بكيفية خطيرة اضطرت معها جميع الدول العالمية إلى سن قوانين تحد من الجيشان الاجتماعي والاقتصادي والإنساني، وتخفف من غلواء التفاوت الفاحش بين طبقات مختلف السكان، ونعتقد أن لا أحد يمانع -لتحقيق هذه الأغراض الإنسانية النبيلة- من اتخاذ جميع الخطوات والإجراءات اللازمة، ولو بسن ضرائب جديدة على جميع الأغنياء حسب ثرواتهم وأرباحهم، حتى تزداد قدرة الدولة على مساعدة الطبقات المعوزة البائسة.
                                                  


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here