islamaumaroc

لا حق للأب أن يجبر ابنته على الزواج

  محمد الامراني

العددان 4 و5

كان الإمام أبو حنيفة يقول (حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي) وكان إذا أفتى يقول: (هذا رأي أبي حنيفة، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن منه فهو أولى بالصواب)
وقال الإمام الشافعي للربيع: (يا أبا إسحاق، لا تقلدني في كل ما أقول، وانظر في ذلك لنفسك فإنه دين).
وقال الإمام أحمد: (انظروا في أمر دينكم، فإن التقليد لغير المعصوم مذموم، وفيه عمى للبصيرة).
وكان عالم المدينة وإمام دار الهجرة إذا استنبط حكما يقول لأصحابه: (انظروا فيه فإنه دين، وما من أحد إلا ومأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا صاحب هذه الروضة) يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم.
على ضوء أقوال هؤلاء الأئمة الجهابذة المجتهدين، وعلى ضوء الأحاديث الصحيحة الآتية، أحاول أن أبحث مشكلة من مشاكلنا الاجتماعية الخطيرة التي يذهب ضحيتها كثير من الفتيات، هذه المشكلة هي إكراه الولي البنت على الزواج بمن لا ترضاه، فكم من مآسي محزنة، وبيوت تحطمت، وعائلات عاشت وتعيش في جحيم لا يطاق بسبب انعدام روح المحبة والألفة بين الزوجين، تلك المحبة والألفة الضروريتان لبناء حياة زوجية سعيدة، وبالتالي لتشييد مجتمع سليم، ويرجع ذلك في معظم الأحوال إلى فقدان الانسجام الفكري والتوافق الثقافي، وأحيانا إلى البون الشاسع بين السنين، ولا شك أن لدى القارئ صورا عديدة من ضحاياه ناطقة بعواقبه الوخيمة ونتائجه السيئة.
ترى هل التشريع الإسلامي يبيح للولي أن يجبر موليته على الزواج بخطيب دون مشورتها ورضاها؟ كلا، إن الشريعة الإسلامية لم تجعل للرجل أن يزوج ابنته إلا بعد أن يستشيرها في الزوج الذي يود خطبتها، فإن وافقت صح العقد وإن رفضت لم يصح، وليس له أن يجبرها، يدل على هذا الأحاديث الصحيحة الواردة في صحيح البخاري وهي كثيرة يقوي بعضها بعضا.
جاء في نيل الأوطار للشوكاني ما يلي: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البنت أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها، رواه الجماعة إلا البخاري، وفي رواية لأحمد والنسائي: والبكر يستأمرها أبوها، وفي رواية لهما أيضا: واليتيمة تستأذن في نفسها، وفي رواية لأبي داود والنسائي: ليس للولي مع البنت أمر، واليتيمة تستأمر وصمتها إقرارها. 
وعن خنساء بنت خدام الأنصارية أن أباها زوجها وهي ثيب، وفي رواية في البخاري وهي بكر، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها، أخرجه الجماعة إلا مسلما.
فها نحن نرى في الحديث الأول المروي عن أحمد والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والبكر يستأمرها أبوها، ومعلوم أن الاستئمار هو طلب الأمر، فيكون المعنى كما في الشوكاني أن المولي لا يجوز له أن يعقد على الفتاة التي يراد نكاحها حتى يطلب الأمر منها، فإن رضيت فذاك وإلا لم يصح العقد.
وأما الحديث الثاني فهو واضح الدلالة على المراد.
وجاء في عمدة القارئ شرح صحيح البخاري للشيخ العلامة بدر الدين العيني ما يأتي: روى الدارقطني والطبراني من طريق هشيم عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة، أن خنساء بنت خدام الأنصارية زوجها أبوها وهي كارهة، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها، ولم يقل فيه بكرا ولا ثيبا، وقد جاءت أحاديث بمثل حديث خنساء، منها حديث عطاء عن جابر أن رجلا زوج ابنته بكرا ولم يستأذنها فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ففرق بينهما، أخرجه النسائي، ومنها أن ابن عمر رضي الله عنهما تزوج ابنة خالد وأن عمها هو الذي زوجها، وفيه: فأتت النبي صلى الله عليم وسلم فرد نكاحها، أخرجه الدارقطني.
 ومنها حديث ابن عباس، أن جارية بكرا أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارقطني، ورواه أيضا عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وذكر أنه أصح، ثم قال العلامة العيني: (وقد احتج أصحابنا بأحاديث الباب وبهذه الأحاديث على أنه ليس للولي إجبار البكر البالغة على النكاح)
وفي التوضيح: اتفق أئمة الفتوى بالأمصار على أن الأب إذا زوج ابنته الثيب بغير رضاها أنه لا يجوز ويرد احتجاجا بحديث خنساء وغيره.
وقد شذ الحسن البصري والنخغي، فخالفا الجماعة فقال الحسن: نكاح الأب جائز على ابنته بكرا كانت أو ثيبا كرهت أو لم تكره، وقال النخغي: إن كانت البنت في عياله زوجها ولم يستأمرها، وإن لم تكن في عياله أو كانت نائية عنه استأمرها، ولم يلتفت أحد من الأئمة إلى هذين القولين، لمخالفتهما السنة الثابتة في حديث خنساء الأنصارية وغيرها).
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليم وسلم: لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن، قال: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت؛ رواه الجماعة. 
ولعل هذا هو الذي تمسك به المالكية فجعلوا للأب إجبار ابنته البكر على النكاح دون الثيب فقد قالوا في هذا الحديث: إن الرسول صلى الله عليه وسلم غير في جانب الثيب بالاستئمار وفي جانب البكر بالاستئذان، فيؤخذ منه فرق بينهما من جهة أن الاستئمار يدل على تأكيد المشاورة وجعل الأمر للمستأمرة، ولهذا يحتاج إلى صريح إذنها، فإذا صرح بمعنه امتنع اتفاقا، والبكر بخلاف ذلك، والإذن دائر بين القول والسكوت، بخلاف الأمر فإنه صريح في القول، ولكن يعكر على هذا الفهم الآثار الواردة في صحيح البخاري، وقد ذكرت في طليعة المقال، كما يحتج على المالكية بأحاديث أخرى صحيحة مروية عن أم المومنين عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله تستأمر النساء في أبضاعهن؟ قال: نعم، قلت: إن البكر تستأمر فتستحيي فتسكت، فقال: سكوت البنت إذنا للأب بتزويجها إلا إذا كانت تعلم ذلك، فإن كانت لا تعلم فينبغي إعلامها، وكذلك الحديث الذي رواه أحمد عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت ، وأن أبت لم تكره.
ثم لنستمع إلى هذا الأثر الشريف الذي رواه ابن ماجه وأحمد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: جاءت فتاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أنه ليس إلى الآباء من الأمر شيء)، تعني أنه ليس لهم إكراههن التزوج بمن لا يرضينه.
أليست هذه الأحاديث صريحة في اعتبار الرضي من البنت التي يراد تزويجها؟
قال الإمام المجتهد العلامة الشوكاني في نيل الأوطار: (ظاهر أحاديث الباب أن البكر البالغة إذا زوجت بغير إذنها لم يصح العقد، وإليه ذهب الأوزاعي والثوري والحنفية، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم، وذهب مالك والشافعي والليث وابن أبي ليلى وأحمد وإسحق، إلى أنه يجوز للأب أن يزوجها بغير استئذان، ويرد عليهم أيضا بحديث عبد الله بن بريدة وحديث ابن عباس المذكور أن جارية بكرا...الخ.
وأما ما احتجوا به من مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: الثيب أحق بنفسها من وليها، فدل على أن ولي البكر أحق بها منها، فيجاب عنه بأن المفهوم لا ينتهض للتمسك به من مقابلة المنطوق.
وما أجاب به بعضهم من أن المراد بالبكر، المذكورة في حديث ابن عباس، اليتيمة، لما وقع في الرواية الأخيرة من حديثه: واليتيمة تستأمر، فيحمل المطلق على المقيد، يجاب بأن اليتيمة هي البكر، وأيضا الروايات الواردة بلفظ تستأمر وتستأذن (بضم أوله) هي تفيد مفاد قوله يستأمر أبوها وزيادة، فلا تعارض بين الروايات.
وهذه نازلة وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكثيرا ما يحدث شبيهها في أيامنا هذه، (عن ابن عمر قال: توفي عثمان بن مظعون وترك ابنة له من خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون، قال عبد الله وهما خالاي، فخطبت إلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان ابن مظعون، فزوجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة، يعني إلى أمها، فأرغبها في المال فحطت إليه (أي مالت إليه وأسرعت) وحطت الجارية إلى هوى أمها فأبتا، حتى ارتفع أمرهما إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قدامة بن مظعون: يا رسول الله ابنة أخي أوصى بها إلي، فزوجتها ابن عمتها، فلم أقصر بها في الصلاح ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإنما حطت أمها، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها، قال: فانتزعت والله مني بعد أن ملكتها، فزوجوها المغيرة ابن شعبة، رواه أحمد والدارقطني، وهو دليل على أن اليتيمة لا يجبرها وصي ولا غيره.
وهذه نازلة أخرى وقعت في عهد الفاروق عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، وهي تدل على أن اعتبار الرضي من الفتاة التي يقصد إنكاحها مفروغ منه، وهذه النازلة هي: خطب رجل من الموالي إلى رجل من قريش أخته، وأعطاها مالا جزيلا، فأبى القرشي تزويجها إياه، فلما بلغ ذلك عمر قال للقرشي: ما منعك أن تزوجه، فإن له صلاحا وقد أحسن عطية أختك؟ فقال القرشي: يا أمير المومنين إن لنا حسبا وإنه ليس لها بالكفء، فقال عمر: لقد جاء بحسب الدنيا والآخرة، أما حسب الدنيا فالمال، وأما حسب الآخرة فالتقوى، زوج الرجل إن كانت المرأة راضية، فراجعها أخوها فرضيت فزوجها منه.
فهل بعد هذه الدلائل القوية المستندة على الأحاديث والأقوال المأثورة يبقى لأحد أن يعارض أو يجادل؟ وإذا كان قضاة المحاكم الشرعية يتمشون مع مذهب الإمام مالك، فإن مذهبه -كما رأينا- محجوج بالأحاديث الصحيحة التي سقناها في هذا المقال.
وعسى أن تكون هذه البراهين القاطعة مقنعة أولياء الفتيات، حتى يعدلوا عن فكرتهم، وحتى نرى فراشة السعادة الزوجية ترفرف بأجنحتها الملونة على بيوت بناتهم فيسعدن ويسعد معهن المجتمع المغربي المتطلع إلى الحياة الهنيئة والرفاهية المتوخاة، ريثما تبت لجنة تدوين القانون الإسلامي في هذه النقطة، وتصادق عليها بصفة نهائية. 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here