islamaumaroc

بين الجمود والجحود

  المختار السوسي

العددان 4 و5

حدث بعضهم قال: كنت في حين من الأحيان منهمكا في شغل متعب حتى ضجرت ضجرا عظيما حال بيني وبين الطمأنينة التي أستمد منها دائما في حياتي متعة الحياة، ولذة الفؤاد، فتمنيت لو أتيح لي سفر مريح أسترد به ما فقدته من البهجة والسرور، فلم يطل الزمان عن جولان هذه الأمنية في صدري إذ ألقى إلي موزع البريد هذه الرسالة:
وجدة 20 ربيع الثاني 1340
الأخ الذي لا أنساه...
لا أدري هل تسر كثيرا باقتراح سنح لي أمس أن أعرضه عليك، فقد أجمعت على أن أعقد من أسرتنا مجمعا عاما، لحل ما كنت أشكو إليك به دائما من أننا إخوة أربعة، كل واحد منا مول وجهته إلى فكرة ارتضاها لحياته.
فأخونا الأكبر السيد العربي، غارق في صوفيته، لا ينبغي بها بديلا، ولا يرى للذتها في الحياة مثيلا، حتى أداه ذلك إلى أن كاد يطلق أسباب المعاش، فأوشك أن يقف على عتبة الإعواز، وأن يعرض ما بيده من الرباع والعقار للبيع.
وأخي الآخر السيد سعيد سادر في غلوائه، يتسكع بين المقاهي البلدية القديمة، فلا يكاد يفارق متجره الذي يتابع فيه النمط القديم في المقايضة والأخذ والعطاء، حتى يندغم ثانيا بين جماعات أغمار أنذال، ثم لا يزال الأفيون والحشيش والمعجونات المخدرة تفعل فعلها فيهم إلى أن يبهار الليل، وربما يبقون كذلك إلى الثلث الأخير، وفي هذا يمضي جل دخله، وإن كان ما يدخل عليه ليس بقليل، ومتى عاتبه معاتب على ما فيه تظاهر حينا بالتوبة والإقلاع، وحينا احتج بالقضاء والقدر، وهو كما تعلمه منه لسن لا يعوزه البرهان، ولا ينقصه علم يستمد منه الأجوبة المقنعة، إلا أن الواقع أنه سائر في طريق غير محمود العاقبة، ولا مرجو السلامة.
على أنه أحسن حالا في الجملة من أخينا الآخر الصغير، العظيم الطيش، الكثير النزق، الذي لم يدع له تفرنجه أذنا يسمع بها نصيحة من أحد بين قومه، فقد رأى من نفسه بعد أن حاز الدكتوراه في الحقوق وفي الأدب، أنه من أعاظم العالم، فلم يسمع لما كنا نسديه إليه من نصح يوم عاقد تلك المرأة النمساوية التي اقترن بها، اقترانا مدنيا، ثم أقبل بها إلى قومه، فلم تزل تستنزف ماله بتبرجها وتبذيرها، وحياته وعقليته بمعاقرتها، حتى كاد يقف موقف المدقعين، فلم يجد بدا من مفارقتها ليسترجع حريته، ولكنه حين لم يكتسب عقلية قومه الذين يعيش بينهم، وليسوا تحت بصره إلا همجا رعاعا جهالا، صار كالزئبق الذي يترجرج في كف المرتعد، فلا يستقر على حال، ولا يكاد يستبين محجة تعبد أمامه إلى الحياة، فنظرت إليه نظرة الإشفاق والحنو لمكانة الرحم بيننا، وقد تناسيت كل ما كنت سمعته منه قبل اليوم من المجابهة بالسوء -فواصلت به يدي- وأتيته من الباب الذي أعرف أنه لا ينفتح لعقله سواه، فلم أزل أرادّه بأقوال حكماء الفرنج، وأمثل له حياتهم، حتى أسلس القياد لما أقوله، فاستطاع أن يقر به قرار في عمل جديد استقبله، ولم يبق إلا أن أراوغه على الزواج من امرأة من قومه الذين يعيش بينهم، فلم يزل معي ولم أزل معه في ذلك بين اختيار وشروط، حتى وقع رضاه على إحدى الأوانس التي ربما ترضيه إن تماسك عن ميدان تفرنجه ولو تماسكا ما، فها هو ذا قد أملك، وسيعرس في شوال إن شاء الله، كذلك كان الأخ حماد أصلحه الله.
إنني كنت دائما في حيرة من هؤلاء الإخوان الثلاثة، فبينهم جميعا بون بعيد، فقد انقطعت صلة الرحم بينهم، وذهبت وصية والدنا المرحوم هباء منثورا، فقد كان آخر ما وصانا عليه ونحن نغمض عينيه، أن نجعل أمرنا واحدا، وشملنا مجتمعا، وأن لا نفرط فيما ورثناه من الرباع والعقار، وقال: إن رضاه مقصور على من تتبع هذه الوصية.
وإذ  كنت دائما حريصا على أن لا أفلت رضى والدي المرحوم، حاولت أن أحمل إخواني-فضلا عن نفسي - على أن يسير الجميع في الصراط المستقيم الذي يوصل إليه، ولهذا كنت أبذل دائما جهدي على قدر طاقتي في استصلاح حالهم، والتئام شملهم، وفي تعهد المواصلة بينهم.
إلا أنني دائما ألقى المشقة الفادحة في وصل الحبل بين الأخ السيد العربي الصوفي، وبين الأخ حماد المتفرنج، فإن ناريهما لا تتراءيان، فإن حمادا ينفر أشد النفور من المذكور وينعته بأسوأ الأوصاف، ولا يسميه إلا بالخرافي الجاهل المغفل- وإن لم يكن في الحقيقة في نظري أنا كذلك- وكذلك الآخر قلما يريد أن يذكر حماد بين يديه، ومتى ذكره ذاكر يثور ثائره، ولا يزال يصب اللعنات على الكفار والملحدين المشاقين لله والرسول. ومتى حاول محاول أن يخفف من غلوائه قال: إنني منه براء، فليشهد الله والملائكة والناس أجمعون بذلك، ثم يتلو قوله تعالى: ?‏‏ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ? [المجادلة: 22]، ثم لا يزال يثر بمثل هذه الحجج والبراهين من الآيات والأحاديث، حتى يتمنى جليسه أن يسكت.
وما كانت سبب هذه النفرة الشديدة إلا تربية السيد العربي لحماد في حين طفولته، فكان يحاول أن يسلك به في طريقته، ولكنه بعد أن أثرت فيه البيئة تأثيرها، ومالت به التعاليم التي تلقاها ميلا آخر، صار يواجه أخاه الكبير من غير حياء بكل ما يكره، وربما سب دينه سبا يكاد به السيد العربي يخرج من جلده حنقا وغيظا، وهو معذور إن غضب لدينه ولقوميته.
ثم بعد أن شب حماد، واستغنى عن المسح شاربه، وهاجر إلى أوروبة سنين، رجع كما يرجع غالب أمثاله إلا من عصمه الله، فحين سمع أخوه الأكبر أنه يلبس البزة الفرنجية وأنه محلوق الذقن، لا يفارق الدخان فاه، ولا المحجن يده، وأنه لا يعرف الصلاة ولا يقوم بها، صار يتبرأ منه في كل مجلس ذكر فيه أمامه، فينقل نقلة الخبر السيء كل ذلك إلى حماد فيجيب بأقبح وأشنع.
هكذا اتسعت الشقة بينهما، ثم لما عثر الزمان بحماد تلك العثرة المتقدمة، يوم فجعه في قرينته الفرنجية، وحاولت أن يصيخ لي، وأن يجعل بعض ما أقوله له -إن لم يكن كله- في موقع القبول، كنت أبين له برفق وتؤدة، وكلام لين، مقدار غلظته بينه وبين أخيه الأكبر الذي كان أمضى زمنا في تربيته، وفي الأخذ بيده في عهد طفولته، فسردت عليه من كلام فكتور هيجو، وشكسبير، ولامارتين، فيما يتعلق بمثل ذلك، فاستطعت أن أخفف قليلا من الذي يحمله في صدره نحو مربيه، وبعد ما استقر ذلك في نفسه ذكرت له في عرض حديث: أن الأولى للإنسان أن يجتمع مع مخالفيه، ويناظرهم، فلعل الحق يكون في رأي مخالفيه، ويكون هو له من الجاهلين، فالحقيقة بنت البحث، فما دمت مستقر الرأي على ما تمسكت به إلى الآن، يمنعك من أن تجتمع مع أخيك السيد العربي وتناظره، فإن كنت أنت فيما ذهبت إليه محقا ازددت بصيرة، وإن كان هو عين المحق ازددت علما جديدا كنت تجهله قبل، فقد قال فلان الفرنسي: لا يذهب بك العجب والبطر مذهبا بعيدا في رأي تراه، ولو أمضيت فيه جل عمرك، من أن تستمع إلى رأي يعاكسه، فلولا هذه الطريقة في الفلسفة وفي العلوم المادية لما ترقت المدنية الغربية هذا الترقي، ولما غاص الناس بالعلم على أعماق البحار، ولما طاروا في أجواز الجو كل مطار، ولما اتصلت أطراف الكرة الأرضية بالمذياع والبرق حتى زالت الأبعاد بين سكانها.
فلم أزل به تحت كلام الغربيين حتى وعد أن يجتمع بأخيه السيد العربي متى دبرت ذلك الاجتماع، فلم يصعب علي أن اقنع الآخر الصوفي في الذي سيؤول به هذا الاجتماع من دعوة حماد إلى الإسلام من جديد، فإن الواجب على المسلم أن يكون داعية إلى دينه، ثم اعتقاد أن الهداية من الله (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ. لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) [الغاشية: 21-22] (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء) [البقرة: 272].
والآن صح العزم على عقد هذا الاجتماع في أواخر هذا الشهر، وحين كنت عرفت أنك معروف عند كل هؤلاء الإخوان بأنك من أصحابي المعتمد عليهم، سنح لي أن تحضر المجمع، فلعلك تكون فيه حكما مرضيا، أو مؤيدا مسلم الحجج، أو تكون شاهدا على الأقل، لأنني بفضل ما من الله به علي من مشاركة السيد العربي في علومه الإسلامية المتداولة، ومن مشاركة حماد في علومه الغربية مع معرفة اللسان الفرنجي الذي يعرفه،  سأمثل ما استطعت دور الوساطة بين الطرفين، فأرادّ كل واحد منهما بما أراني الله، على وفق ما أرانيه حقا. 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here