islamaumaroc

الدراسات الإسلامية بأمريكا

  روم لاند وتعريب عبد الكبير الفاسي

العددان 4 و5

أكتب هذا المقال بصفتي إنجليزي من النصارى وأستاذ للدراسات الإسلامية في كلية أمريكا، وكوني لست مسلما لربما خولني ذلك استعدادا للتجرد في الحكم، على أنني مقتنع بأن في الإمكان اليوم، أكثر من ذي قبل، مناقشة الإسلام بتجرد يكاد يكون أسلوبا من أساليب العلم. فهناك من ينتقدون الإسلام على أنه دين خرافي، والدين الذي يدعو للجهاد، والدين الذي لا يعرف التسامح، ذلك من جهة، ومن جهة أخرى فهناك من يقولون عن الإسلام إنه الدين الحق الوحيد، ولو أن العالم كله اعتنق الإسلام لعاش في خير وسلام مدى الدهر.
وسأحاول في هذا المقال أن أتحدث عن الإسلام كما يتحدث رجل غير مسلم، غير أنه يهتم بمشاكل الإسلام هذه مدة تنيف على ثلاثين سنة، وهو إلى ذلك يعمل جهده لشرح الإسلام لطلاب أمريكيين، لم يسبق لهم أن سمعوا عن الإسلام شيئا ولو اسمه. وقد ثبت لدي في تجربتي مع هؤلاء الطلاب، أن الذي ينطبع في أذهانهم عن هذه الديانة هي بساطتها وموافقتها لواقع الحياة، وخلوها من الخرافات، وطابعها بطابع توحيد الله تعالى توحيدا لا شائبة للشرك فيه.
وأهم ما يتأثرون به من أخلاق الرسول محمد، هو شعوره الخارق للعادة بضرورة نزوله على ما يقتضيه واقع الحياة من البشرية، فمن ذلك أنهم يعتبرون تسامح النبي في مشكلة الزواج شيئا كبيرا، لأن التزوج من امرأة واحدة بين النصارى لا يوجد إلا نظريا، إذ يخالف واقع الأمر فيهم هذا المبدأ النظري ويستدلون على ذلك الشعور المذكور بنوع التشريع الإسلامي، لأن منهم من لا يرى أن القرآن من كلام الله، ويعتقدون أنه تعبير عن سمو النبي نفسه في عالم الروحيات.
ومما يستدعي اهتمامهم في التشريع الإسلامي على كل حال، قابليته للاجتهاد، تلك القابلية التي مكنت الفقه الإسلامي من التطور في إطار القرآن.
ولا يقتصر في الكلية التي أدرس فيها على دراسة الإسلام، بل هناك أقسام لدراسات الديانات البوذية والبراهمانية، كما أن هناك من الطلاب من درسوا كبريات الديانات الشرقية الأخرى.
ومن البديهي أن يخطر ببالهم ضرورة مقابلة هذه الديانات بالإسلام، وكثيرا ما صرحوا لي بأنهم وجدوا أن الديانات البوذية والبراهماتية تنبنيان على شيء من الوهم، وأن مبادئها عديمة الصحة لا تلمس، بينما لا يوجد شيء من ذلك في الإسلام، لأن الإسلام يجيب أجوبة ملموسة عن المشاكل التي تشغل الفكر البشري.
وإنه لمن المفيد أن يلاحظ الإنسان الفرق بين طلاب الدراسات الشرقية وبين طلاب الدراسات الإسلامية، ويوجد من بين أولئك أفراد لا يعرفون حق المعرفة غايتهم من الحياة، ويستبدلون بسهولة فلسفتهم بأخرى، ويفضلون الدراسة على أنهم غواية من غير محاولة ليصبحوا ذوي كفاءات، وبالعكس من ذلك نرى طلاب الدراسات الإسلامية ذوي عقلية مثقفة الجوانب، ذات جد، لا ترتاح للوهم، مصممين على أن يصبحوا ذوي خبرة في الدراسات التي جنحوا لها.
ومن الواجب علي أن أقر أن من بين طلبتي في الدراسات الإسلامية من لا يستسيغون نظريات الإسلام في يسر، فالجهاد مثلا مما يصطدمون به، لأن الدعوة للسلام شيء شائع الآن في الولايات المتحدة، فمنهم من لا يعرفون كيف يصرفون الآيات القرآنية الداعية للجهاد، كذلك الأمر فيما يخص آيات الردة، ويقولون بأن من مقتضيات العهد الذي نعيش فيه، عهد الحرية والديمقراطية، أن يكون لكل أحد الحق في استبدال ديانته بديانة أخرى. ويتساءلون في آخر الأمر:
((إذا كان الإسلام حقا دينا ساميا وإذا كان في صفاته تعبيرا عن إرادة الله، فكيف والحالة هذه، نعلل المظالم والحروب التي دارت رحاها في العالم الإسلامي؟ وهم لا ينكرون أن مثل هذه الحروب ومثل تلك المظالم قد سالت من أجلها الدماء في عالم المسيحية، غير أنهم يقولون: إن المسيحيين لا يعتقدون أن كل كلمة كلمة من التوراة هي من كلام الله؛ فإذا كان القرآن من كلام الله حقا، فكان عليه أن يتنبأ بوقوع جميع تلك الكوارث، التي وقعت في عالم المسيحية، في العالم الإسلامي. وأنا إذ أذكر هذا الانتقاد، لا أعبر عن نظرية شخصية في الموضوع، ولكن قصدي هو التمثيل ببعض المشاكل التي تسترعي اهتمام طلاب الدراسات الإسلامية بأمريكا.
ولعله من الضروري أن أضيف إلى ذلك ذكر بعض القضايا الإسلامية الأخرى التي تهم أولئك الطلبة، فالأولى هي الإسلام كدين، والثانية شخصية نبي الإسلام محمد، تلك الشخصية التي كثيرا ما تسحرهم؛ فنحن نقضي الساعات الطوال في الجدل حول هذه الشخصية القوية الوحيدة من نوعها بين شخصيات العالم.
ومن البديهي أن لا يدرس الإسلام علميا مع إهمال الكبار من فلاسفته، وبذلك نتوصل إلى العمق في تفهم الإسلام بواسطة دراسة رجاله، مثل الفارابي وابن سينا والغزالي وابن رشد. وحيث أن فلسفة الإسلام قريبة من التصوف، فليس في الإمكان أن نهمل دراسة التصوف نفسه، والذي يأخذ كثيرا من الوقت المخصص لهذه الدراسات، هي تلك الشخصية المتناقضة، شخصية محي الدين ابن العربي، وهو في نظري المفكر الوحيد من بين مفكري الغرب الذي استطاع أن يجد حلا كاملا لمشكلة الثانوية في العالم.
أما تاريخ الأمم العربية فإنه يهم الطلبة أقل من الشؤون الأخرى، رغما عن كونه من مواد الدراسات التي يدرسونها بتفصيل، وهم يهتمون أكثر من ذلك بشؤون العروبة، وبالمشاكل التي يواجهها الإسلام في العصر الحاضر، ولذلك فإننا ندرس العلوم السياسية في علاقتها مع العالم الإسلامي، وأخيرا فإننا نخصص قسطا من الزمان للمملكة المغربية، لان كليتنا هي الوحيدة في أمريكا التي أخذت تختص بدراسات حول المغرب.
ولربما كان من المفيد أن يعرف القراء الكرام أننا أحدثنا في مدينة سان فرانسيسكو مركزا إسلاميا ليس أعضاؤه في الغالب لا من الطلبة ولا من العلماء، وهم في جملتهم من مطلق الناس، من صغار التجار والموظفين والمزارعين، ولكنهم ولدوا مسلمين، إما من أصل عربي يمني، أو شامي، أو هندي.
وأنا ممن يديرون هذا المعهد، وغرضنا أولا هو تشييد مسجد في مدينة سان فرانسيسكو، وقد تفضل جلالة الملك سعود بن عبد العزيز فأنعم علينا بأربعة ملايين من الدولار لتحقيق هذا الغرض، ونكتفي الآن باجتماعات دورية تلقى أثناءها أحاديث حول قضايا العالم الإسلامي، كما تعرض على الحاضرين أفلام تتعلق بنفس الموضوع، وأرى لزاما علي أن أصرح أن أكثر الناس مواظبة على هذه الاجتماعات ليس أولئك الذين ولدوا في الإسلام، ولكنهم المسلمون من الأمريكيين الذين اعتنقوا الإسلام بعدما ولدوا مسيحيين.
وإنه لمما يبعث على الأمل أن يوجد في ولاية كاليفورنيا، وهي أبعد ولاية من كل بلاد إسلامية، أمريكانيون يهتمون جديا بالإسلام، وأن بين الطلبة من هم مستعدون لتكريس حياتهم كلها للتعمق في فهم هذه الديانة كل التفهم، ولعل هؤلاء هم الذين سيكون منهم المبشرون بالإسلام في هذا الجانب من القطر الأمريكي الواقع على المحيط الهادي.
إن شاء الله
                                                                      

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here