islamaumaroc

صلاح الدين الأيوبي ويعقوب المنصور

  عبد القادر الصحراوي

العددان 4 و5

عندما بدأت أقرا لهذا البحث، كنت أرجو أن أصل منه إلى نتيجة معينة، هي تزييف هذا التعليل التاريخي التقليدي الذي أجمع عليه كل الذين كتبوا عن قصة استنجاد صلاح الدين الأيوبي بيعقوب المنصور، ذلك التعليل الذي يقول إن الذي منع يعقوب المنصور من أن ينجد صلاح الدين، إنما هو كونه لم يخاطبه في الرسالة التي كتب إليه بلقب ((أمير المومنين))
ولعل القارئ الكريم ما زال يذكر أننا استعرضنا في القسم الأول من هذه المقالات، النصوص التاريخية الواردة في الموضوع.
كنت أرجو أن أصل إلى تزييف هذا التعليل، لأنه يبدو غير معقول، وغير منطقي، وغير مقنع، ولأن يعقوب المنصور كما يصوره التاريخ نفسه يبدو أكبر وأعقل من أن يقف مثل هذا الموقف السلبي في حرب عدوانية جماعية، يشنها الغرب المسيحي على الشرق المسلم باسم الدين، لا لشيء، إلا لكونه لم يخاطب في الرسالة التي وصلته من صلاح الدين الأيوبي بلقب أمير المومنين.
نعم، كنت أرجو أن أجد لهذا الموقف أسبابا أكثر معقولية من هذا التعليل التاريخي المتداول المعروف، ولعلي أكون قد وفقت إلى شيء من هذا، فقد حاولت ما استطعت أن أجلي بعض هذه الأسباب، وأن أشرح التوتر الذي كان يسود العلاقات بين الدولة الموحدية في المغرب والدولة الأيوبية في مصر وسورية، بسبب الاعتداءات التي شنتها الدولة الأيوبية على شرق المغرب العربي تحت قيادة تقي الدين الأيوبي أولا، ثم تحت قيادة قراقوش التقوى، تلك الاعتداءات التي كلفت الدولة الموحدية غاليا، والتي اضطر يعقوب المنصور بسببها إلى أن يضحي بانتصاره على ألفونس الثامن ملك قشتالة، كما مر بنا في القسم الثالث من هذه المقالات.
كذلك أشرت إلى أن يعقوب المنصور كان مشغولا هو الآخر بحروب صليبية في الأندلس من نوع التي كان يخوض غمارها صلاح الدين الأيوبي في مصر وسوريا.
لكن استمراري في القراءة مع ذلك بدأ يقنعني بأن من الصعب جدا أن أنتهي إلى الغاية التي كنت أرجو أن انتهي إليها، وهي إبعاد قصة أمير المومنين عن الموضوع، فإن قصة أمير المومنين هذه، جعلت تبدو لي أكثر من مسألة لقب، أكثر من مسألة بروتوكول أو تشريفات، إنها جعلت تبدو لي مسألة اعتراف أو عدم اعتراف، مسألة اعتراف أو عدم اعتراف من الدولة الأيوبية للدولة الموحدية بالوضع التي كانت تريده لنفسها، والصفة التي كانت تريد أن تعامل على أساسها، والأمر بعد ذلك يحتاج إلى شيء من الشرح والتفصيل.
    فنحن نعلم أن لقب أمير المومنين كان خاصا بالخليفة لا يخاطب به غيره.
وقد استقل المغرب عن التبعية لدولة الخلافة منذ أن قدم إليه المولى إدريس الأول وأسس به الدولة الأدريسية.
وتعددت بعد ذلك الخلافات في العالم الإسلامي، فقام إلى جانب الخلافة العباسية في بغداد، خلافة أموية ثانية بالأندلس، وخلافة فاطمية في مصر.
ومع ذلك فقد ظل الملوك الذين تعاقبوا على عرش المغرب من عرب وبربر، بعيدين عن التسمي بالخلافة أو التلقب بألقابها، وجاءت دولة المرابطين، وأصبح بطلها يوسف بن تاشفين ملكا لإمبراطورية قوية واسعة الأرجاء، لا نسبة بين قوتها وبين الضعف الذي كانت الخلافة العباسية في بغداد قد آلت إليه، ولكن يوسف بن تاشفين مع ذلك لم يعلن نفسه خليفة، ولم يتلقب بأمير المومنين، وإنما تلقب بلقب آخر، يدل على مكانته وقوته من جهة، ويحفظ عليه تأدبه مع الخلافة واحترامه لها من جهة أخرى ذلك هو لقب ((أمير المسلمين)).
بل إن يوسف بن تاشفين قد ذهب إلى أبعد من ذلك، فبعث إلى المستظهر بالله، الخليفة العباسي يطلب منه أن يعقد له على ما تحت يده من البلاد، وبلغة العصر، فإن يوسف بن تاشفين، حاول أن يدعم مركزه بالاعتراف الشرعي أو الرسمي من دولة الخلافة وقد كان له ما أراد، فاعترفت به دولة الخلافة رسميا، وظلت العلاقات بينها وبينه على خير ما يمكن من الود والطيبة، تعترف له الخلافة بالسلطة المدنية على مملكته، ويعترف لها هو بالسلطة الروحية المستمدة من الشرع، واستمر الحال على ذلك، إلى أن انقرضت دولة المرابطين وقامت على أنقاضها الدولة الموحدية.
توفي المهدي بن تومرت مؤسس دولة الموحدين، وولي الأمر بعده تلميذه وصديقه عبد المومن بن علي جد يعقوب المنصور، فلم يجد نفسه في حاجة إلى أن يقف من الخلافة العباسية في بغداد، ذلك الموقف التقليدي الذي اختطه يوسف بن تاشفين من قبل، وإنما أضرب عن دولة الخلافة صفحا، فلم يتعرض لها بمعروف ولا منكر.
لم يعلن في المغرب -رسميا- خلافة أخرى كما فعل الأمويون بالأندلس من قبل، والفاطميون في مصر، وإنما اكتفى بأن يتخذ لنفسه لقب الخلافة الخاص، وأن يدعى هو الأخر: (أمير المومنين).
قد يكون الذي منعه من أن يعلن رسميا هذه الخلافة، ما تواتر واستقر في الأذهان من أن الخلافة في قريش، وعبد المومن لم يكن قريشا كالعباسيين والأمويين والفاطميين، وإنما كان مغربيا بربريا، برغم ما حاوله هو نفسه أن ينتحل لنفسه نسبا في قريش.
ومهما يكن فإن عبد المومن لم يجد أي حرج في أن يتلقب باللقب الخطير، وأن يعتبر نفسه في مركز لا يقل عن مركز معاصريه من الخلفاء العباسيين والفاطميين.
 ومات عبد المومن فخلفه على العرش ابنه يوسف ثم حفيده يعقوب المنصور، وأصبح لقب أمير المومنين أمرا واقعا، لا يكدره على أمراء الموحدين إلا أنهم بربر، وأن الخلافة في قريش. ويبدو أن حساسية الموحدين بذلك كانت مرهفة جدا، فقد كانوا بربرا بحكم الواقع، وكانوا يحرصون في نفس الوقت على أن يتجاهل الناس ذلك منهم، وأن يغضوا الطرف عنه، وأن يلقبوهم باللقب الذي اختاروه لأنفسهم، لا يجدون في ذلك غضاضة، ولا يحسون بما يشم فيه من تناقض، ذلك التناقض الذي لا نستطيع نحن أن نحسه إلا إذا انسلخنا من عقليتنا العصرية، وتقمصنا روح العصر الذي كان يعيشه الموحدون، يوم كان النسب عاملا من العوامل الرئيسية في تحديد مركز الشخص وقيمته وأهليته، بل وفي تحديد الألقاب التي يمكن له أن يختارها لنفسه أيضا.
المسألة إذن نفسية معقدة عميقة الجذور أكثر مما يبدو لأول وهلة.
ويكفي أن نعلم أن مما يذكره المؤرخون في تعليل محنة الفيلسوف أبي الوليد بن رشد على يد يعقوب المنصور نفسه أن ابن رشد قال في شرحه لكتاب الحيوان لأرسطو، عند ذكر الزرافة: (وقد رأيتها عند ملك البربر)، يعني يعقوب المنصور.
ويكفي أن نعلم أيضا أن هذا اللقب الذي كان يحرص عليه الموحدون، لقب (أمير المومنين) كان يعرضهم أحيانا للتنكيت والسخرية والأجوبة اللاذعة، وهذا يوسف بن عبد المومن والد يعقوب المنصور، يطلب من حاجبه أن ينظر له من بالباب من الأصحاب والندماء، فيغيب الحاجب قليلا، ثم يعود ليعلن إليه أن بالباب أحمد الكوارني الشاعر، وسعيد الغماري الطبيب، وكانا معا بربريين، فيقول يوسف بن عبد المومن:  من عجائب الدنيا، شاعر من كوران وطبيب من غمارة !! كأنما استكثر على البربر أن يكون فيهم الأطباء والشعراء، ويعلم الشاعر الكوراني بجواب يوسف بن عبد المومن، فيقول: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه، أعجب والله منهما خليفة من كومية)، يعني: أعجب من ذلك، بربري يتلقب بلقب الخلافة وينحل مركزها.
الآن وقد عرفنا شيئا عن لقب أمير المومنين في حد ذاته، وعن موقف الموحدين من هذا اللقب، وإحساسهم النفسي المعقد نحوه، نريد أن نعود إلى موضوعنا لنرى ما إذا كان لهذا اللقب فعلا أي تأثير في قصة استنجاد صلاح الدين بيعقوب المنصور.
عدت إلى الجزء السادس من كتاب صبح الأعشى للقلقشندى أعيد قراءة نص الرسالة التي بعث بها صلاح الدين الأيوبي إلى يعقوب المنصور، فإذا أول هذه الرسالة:
(فتح الله بحضرة سيدنا أمير المومنين، وسيد العالمين، وقسيم الدنيا والدين، أبواب الميامين، وأسباب المحاسن...) إلى آخر هذه الرسالة التي وردت في صبح الأعشى في أربع صفحات كاملة.
وكدت أختم الموضوع لأنني وصلت إلى النتيجة التي كنت أتوخاها منذ البداية، وهي تزييف تعليل المؤرخين لامتناع يعقوب المنصور عن إنجاد صلاح الدين الأيوبي بكون هذا الأخير لم يخاطبه بأمير المومنين.
وكيف لا أختمه، وهذا القلقشندى الذي يعد المرجع الأول في تاريخ البرتوكول الإسلامي، وخصوصا فيما يتعلق بالمكاتبات الرسمية على اختلافها، واصطلاحاتها وآدابها وما يراعي فيها من الألقاب والصفات والتقديم والتأخير والإفراد والجمع وما إلى ذلك، هذا القلقشندى، يقول في المقدمة التي كتبها للفصل الذي أورد فيه نص رسالة صلاح الدين الأيوبي إلى يعقوب المنصور، متحدثا عن أسلوب (المكاتبة الصادرة على خلفاء الموحدين بالمغرب) عندما تكون من ملك آخر:
 والرسم فيه أن تفتتح بالدعاء المناسب للحال، ويعبر المكتوب إليه بأمير المومنين، كما كتب القاضي الفاضل عن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المومن أحد خلفائهم، في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، يستجيشه على الروم الفرنج القاصدين بلاد الشام والديار المصرية، وهو: فتح الله بحضرة أمير المومنين... إلى آخره)
كدت أختم الموضوع، ولكني آثرت أن استمر في القراءة، فعدت إلى كتاب (الروضتين في أخبار الدولتين) لأبي شامة شهاب الدين المقدسي، أعيد فيه هو أيضا قراءة نص رسالة صلاح الدين إلى يعقوب المنصور، فإذا بي أمام رسالة تختلف في نصها اختلافا  كاملا عن نص الرسالة التي قرأتها في (صبح الأعشى)، وإذا نص الرسالة الواردة في كتاب ((الروضتين)) يشتمل على كل ما يمكن أن يخطر بالبال في المخاطبة من ألفاظ التمجيد والتبجيل والاحترام والتعظيم، ما عدا... ((أمير المومنين)).
وعدت اقرأ في كتاب ((الروضتين)) نفسه، ما قبل نص الرسالة وما بعده من التعليقات والشروح والأخبار والتواريخ، فإذا أبو شامة متثبت مما يقول، وإذا هو لا يكتفي بأن يورد نص الرسالة فقط، وإنما يذكر أيضا الطريقة التي حصل بها على نص هذه الرسالة كما يذكر الرسول الذي حملها إلى يعقوب المنصور، وما زود به من النصائح والإرشادات، وما لقنه من الأجوبة، كما يذكر الهدايا التي حملها معه، وتاريخ سفره بالضبط، بل ويذكر نوع المركب الذي حمله من الإسكندرية، وحمولته، وتاريخ وصول الرسول إلى طرابلس، ثم إلى مراكش، واجتماعه بالوزير أبي يحي ابن أبي بكر، وأخيرا تاريخ دخوله على يعقوب المنصور، ثم تاريخ خروجه من مراكش ووصوله إلى الإسكندرية من جديد.
ويختم أبو شامة هذا الكلام الطويل العريض، بفصل يقول في أوله:
(لم يحصل من جهة سلطان الغرب ما التمس منه من النجدة، وبلغني أنه عز عليهم كونه لم يخاطب بأمير المومنين على جاري عادتهم في ذلك)
إذن فنحن لا نزال ندور في فلك أمير المومنين.
ومع ذلك فإن أبا شامة المقدسي لا يكتفي بكل هذا، وإنما يورد إلى جانبه نصوصا كثيرة تعد ثروة في الموضوع.
منها- إلى جانب نص الرسالة الموجهة إلى يعقوب المنصور، وهي من إنشاء القاضي الفاضل- نص رسالة أخرى من القاضي الفاضل نفسه إلى شمس الدين عبد الرحمن بن منقذ الذي حمل الرسالة إلى يعقوب المنصور في رحلة استغرقت عشرين شهرا.
ومنها أيضا نص رسالة اعتذار من القاضي الفاضل أيضا، إلى السلطان صلاح الدين، عندما أخفقت سفارة ابن منقذ، وعلم أنها إنما أخفقت بسبب ما أغفله القاضي الفاضل من مخاطبة يعقوب المنصور بأمير المومنين.
فإذا أضفنا إلى كل هذا أن القلقشندى متأخر- في الزمن- عن أبي شامة المقدسي، وأن المقدسي كان، قريبا جدا من الأحداث التي يتحدث عنها في الجزء الثاني من كتابه، وهو الذي خصصه للحديث عن حياة صلاح الدين الأيوبي، جاز لنا أن نرجح النص الوارد في كتاب المقدسي، وأن نعتمده مع احترامنا للقلقشندى، ولكتابه صبح الأعشى.
نعم، لو أمكن التوفيق بين النصين لما ترددنا في بذل الجهد في ذلك، ولكنهما مختلفان كل اختلاف، خصوصا فيما يتعلق بموضوع الإشكال الرئيسي، وهو لفظ (أمير المومنين) فإن أحدهما يثبته على أنه قاعدة مقررة، وثانيهما ينفيه، ويؤكد هذا النفي بنصوص أخرى كثيرة، وعلى جانب عظيم من الأهمية في الموضوع
هناك افتراض، لا أستطيع الآن أن أثبته ولا أن انفيه، هو أن تكون الرسالة الواردة في صبح الأعشى رسالة ثانية بعثها صلاح الدين إلى يعقوب المنصور، ليتدارك بها ما أغفله كاتبه، لكن الذي يطعن في هذا الافتراض منذ البداية، أن القلقشندى، يؤرخ الرسالة الواردة فيه بتاريخ متقدم على التاريخ الذي أورده أبو شامة المقدسي لرسالته، بنحو سنة على وجه التقريب.
إن هواي -شخصيا- مع القلقشندى، لأنه يثبت لقب أمير المومنين، وينهي الإشكال، ويزيف التعليل التاريخي الذي كان يبدو لنا منذ البداية غير منطقي وغير معقول، ولكن ماذا أصنع وحجج أبي شامة المقدسي أقوى، وبيانه أوضح؟، وهو يذكر الحادثة بكل ملابساتها ويؤيدها بالنصوص الكافية، مما لا يدع زيادة لمستزيد.
لم يبق بين يدي إذن إلا أن اعتمد كتاب الروضتين لأبي شامة المقدسي، وأن أسوق أطرافا من النصوص الواردة فيه.
إن أهم هذه النصوص، هو كتاب صلاح الدين إلى يعقوب المنصور، وهذا الكتاب لم يكتب بمحضر صلاح الدين، ولم يطلع عليه قبل إنفاذه، وإنما أرسل صلاح الدين رسوله من الشام إلى القاضي الفاضل في مصر، يأمره أن يكتب الكتاب ويبعثه.
فالظروف ظروف حرب، والحصار على أشده داخل أسوار عكا وخارجها، والأزمة مستفحلة، ولا مجال للأخذ والرد والمراجعة والمناقشة.
وقد فعل القاضي الفاضل، فكتب إلى يعقوب المنصور، كتابا يعد من عيون البلاغة العربية، وإن القارئ لهذا الكتاب ليعجب أشد العجب من يعقوب المنصور، كيف يقرأ هذا الكتاب أو يسمعه، فلا تتحرك له أريحيته، ولا تهتز عاطفته، ولا ينسيه ما كان بينه وبين الدولة الأيوبية من سوء تفاهم سابق، ولا يسرع بالنجدة المطلوبة منه، خصوصا وأن هذه النجدة، كما ورد في كتاب القاضي الفاضل إلى عبد الرحمن بن منقذ، غير محصورة في شكل واحد قد يتعذر تنفيذه، فإن في استطاعة يعقوب المنصور أن يبعث قطعا من أسطوله القوي، وفي استطاعته أن يقفل بوغاز جبل طارق في وجه الإمدادات العسكرية الغربية الزاحفة إلى الشرق الإسلامي، وفي استطاعته أن يساعد بالرجال أو بالمال إن عز عليه كل ذلك.
يقول القاضي الفاضل مخاطبا يعقوب المنصور على لسان صلاح الدين، بعد أن يذكر فتح المسلمين لبيت المقدس، ولكثير من الثغور التي كانت بأيدي النصارى:
(ولم يؤخر فتح البلاد بعدها إلا أن فرع الكفار بالشام استصرخ بأصل الكفار من الغرب، فأجابوهم رجالا وفرسانا، وشيبا وشبابا، وزرافات ووحدانا، وبرا وبحرا، ومركبا وظهرا، وركبوا إليهم سهلا ووعرا، وبذلوا ماعونا وذخرا، وما احتاجوا ملوكا ترتاهم، ولا أرسانا تقتادهم، بل خرج كل يلبي دعوة بطريكه، ولا يحتاج إلى عزمة ملكه... وجلب الكفار إلى المحصورين كل مجلوب، وملأوا عليهم ثغريهم من كل مطلوب، لا تشرق شارقة، إلا طلعت على العدو من البحر طالعة، تعوض من الرجال ما قتل، وتخلف من الزاد ما أكل، فهم كل يوم في حصول زيادة ووفور مادة، وقد هان عليهم موقع الحصر، وأعطاهم البحر ما منعهم البر... كلما أفناهم القتل أخلفتهم النجدة، فكأنهم قبل الممات يعودون.
وفي الإشارة إلى مضيق جبل طارق، واستعمال الغزاة الغربيين له في زحفهم على الشرق الإسلامي، يقول القاضي الفاضل:
(فإنه لولا احتجاز مقيمهم بالخنادق، واجتياز واصلهم بالمضائق، لكان لنا ولهم شأن).
ثم يقول: (كان المتوقع من تلك الدولة العالية.. أن يمد غرب الإسلام المسلمين بأكثر مما أمد به غرب الكفار الكافرين، فيملأها عليهم جواري كالأعلام، ومدنا في اللجج سوائر كأنها الليالي مقلعة بالأيام).
ومع ذلك، فإن يعقوب لم يتحرك، لماذا؟ لأنه لم يخاطب بأمير المومنين كما تقول كتب التاريخ، ولأسباب أخرى متعددة في الواقع، شرحنا بعضها فيما سبق، وإن كنا لا ننكر أن منها قصة أمير المومنين.
وقبل أن ننتقل إلى النص الذي سيساعدنا على استجلاء قصة أمير المومنين هذه، نريد أن نورد فقرات من الرسالة الخاصة التي كتبها القاضي الفاضل إلى الأمير عبد الرحمن بن منفذ، الذي كلف بالوفادة على يعقوب المنصور، تبليغ الرسالة إليه، يشرح له فيها مهمته، ويلقنه الأجوبة التي قد يكون في حاجة إليها، وقد نقلنا من هذه الرسالة فقرات في بعض الفصول السابقة، فيما يتعلق بقضية قراقوش التقوي، وغزوه لأطراف المملكة المغربية، وننقل منها الآن فقرات أخرى.
فهو ينصح له أن (يستقري في الطريق وفي البلاد من أخبار القوم -الموحدين- في أحوالهم وآدابهم وأشغالهم وأفعالهم، وما يحبونه من القول، نزره أو جمه، ومن اللقاء منبسطه أو منقبضة، ومن القعود بمجالسهم مخففه أو مطوله، ومن التحيات المتهاداة بينهم، ما صيغته وما موقعه، وهل هي السنن الدينية أو العوائد الملوكية، ولا يلقه -أي يعقوب المنصور- إلا بما يحبه، ولا يخاطبه إلا بما يسره).
والعبارة الأخيرة مهمة في الموضوع، فإن القاضي الفاضل، يوصي عبد الرحمن بن منقذ ألا يخاطب يعقوب المنصور إلا بما يسره، ولكنه هو، القاضي الفاضل، لم يخاطب يعقوب المنصور في الكتاب الذي كتبه إليه بما يسره، ولم يكن ذلك عن غفلة منه، وإنما كان متعمدا مقصودا، كما سيبدو لنا بعد حين.
ثم يمضي القاضي الفاضل في تلقين الرسول، إلى أن يقول:
(.. وإن كانت دون الأسطول موانع، إما لقلة عدة، أو شغل هناك بمهمة... فالمعونة ما طريقها واحدة، ولا سبيلها محدودة، ولا أنواعها محصورة، تكون تارة بالرجال وتارة بالمال.. فلا ترضى همته أن يعين الكفر الكفر، ولا يعين الإسلام الإسلام، وما اختص بالاستعانة الا لأن العدو جاره، والجار أولى بالجار، وأهل الجنة أولى بقتال أهل النار).
عاد عبد الرحمن بن منقذ بعد رحلة استغرقت عشرين شهرا، وعلم أن سفارته لم تنجح، بسبب ما أغفله القاضي الفاضل من خطاب يعقوب المنصور بأمير المومنين، ويبدو أن القاضي الفاضل قد تعرض لبعض اللوم أو التوبيخ بسبب ذلك، وأنه قد اعتبر مسؤولا عن إخفاق هذه السفارة، خصوصا وأن الرسول الذي جاءه من الشام، يحمل أمر صلاح الدين بتحرير كتاب إلى يعقوب المنصور، بلغه أن صلاح الدين نفسه يأمر بأن يخاطب يعقوب المنصور بلفظ أمير المومنين، بل أن الرسول قد امتنع من أخذ الكتاب ما لم يصرح فيه بهذا اللقب، لكن القاضي الفاضل كان له رأي في الموضوع تعصب له، وظل متعصبا له مستعدا للدفاع عنه، حتى بعد إخفاق السفارة.
إنه يعتبر خطاب يعقوب المنصور بأمير المومنين، اعترافا له بصفة الخلافة التي كان يريد أن يضفيها على نفسه، بل إنه يعتبر ذلك مبايعة، ومعنى ذلك نقض الولاء للخلافة العباسية التي كانت لا تزال قائمة حتى ذلك الحين، وإن لم يكن لها من الأمر شيء، والتي كان الأيوبيون يعترفون لها بالسلطة الروحية ويعتنقون بيعتها، بعد أن قضوا القضاء المبرم على دولة الفاطميين في مصر.
كان من رأي القاضي الفاضل أن في إمكان الرسول أن يخاطب يعقوب المنصور -مشافهة- بلفظ أمير المومنين، أما أن يكتب ذلك في كتاب رسمي، فإن ذلك قد يعتبر حجة، وقد يعتبر ضعفا وتخاذلا واستسلاما.
ولعل كل هذا واضح تمام الوضوح في الفقرات التالية، وهي فقرات من كتاب كتبه القاضي الفاضل إلى السلطان صلاح الدين، بعد إخفاق السفارة، وتحميله مسؤولية إخفاقها، يشرح له فيه القضية، ويبرر موقفه منها، يقول القاضي الفاضل:
(... وعند وصول الأمير نجم الدين من المخيم المنصور-يعني مخيم صلاح الدين- فاوضه المملوك -يعني نفسه- بأنه لا يمكن إلا التعريض، لا التصريح، بما وقع له أنه لا تنجح الحاجة إلا به من لفظة أمير المومنين... فأمسك مقدار عشرة أيام، ثم أنفذ إليه الأمير المذكور على يد ابن الجليس، بأن الهدية أشير عليه بالا يستصحبها، وإن استصحبها تكون هدية برسم من حواليه، وأن الكتاب لا يأخذه إلا بتصريح أمير المومنين، وأن عز السلطان عز نصره، رسم له ذلك... فأجابه المملوك بأن الخطاب يكفي، وطريق حجتنا له ممكن، والكتابة حجة تقيد اللسان عن الإنكار، ومتى قرئت على منبر من منابر المغرب، جعلنا خالعين في مكان الإجماع، مبايعين من لا ينصره الله، ولا شوكة فيه، ولا يحل اتباعه... شاقين عصا المسلمين، مفرقين كلمة المومنين.. والمومن لا يذل نفسه، وقاسم الأرزاق يوصلها وإن رغم من جرت على يده، فما يتخلى الله عنا، ولا تستمر هذه الشدة، ولا نسيء الظن بالله ... ولو علم المملوك أن هذا الذي استعفي منه يضره بحيث ينفع المولى أبقاه الله، لهان عليه، ولكنه مضرة بغير منفعة، وتعرض لما تذم عاقبته، أو يبقى على الخوف منه).
وبعد، فقد كنت استهدف من كتابة هذا البحث، أن أزيف قصة أمير المومنين، ولكن يبدو أنني لم أزد على أن أكدتها وشرحتها بالرغم مني، وعذري في ذلك أنه ليس لي أن أتحكم في تاريخ، أو أن أفرض عليه هواي، لقد أقنعتني النصوص، أو خففت من غلوائي على الأقل، وجعلتني أنظر إلى القصة التي كنت أريد أن أزيفها من زوايا متعددة، فإذا هي واقع ثابت لا سبيل إلى إنكاره، وإذا هي أعمق جذورا، وأكثر تشعبا وتعقيدا مما يبدو لأول وهلة.
ومع ذلك فإن في استطاعة هذا البحث المتواضع، أن يفضي بي إلى نتيجة مهمة، هي أن امتناع يعقوب المنصور عن إنجاد صلاح الدين الأيوبي، كانت له أسباب متعددة، ليست قصة أمير المومنين على تشعبها وتعقدها إلا واحدة منها، أو ليست إلا السبب المباشر، أو التعلة التي وجدها يعقوب المنصور أقرب إليه ليتوكأ عليها ويتعلل بها.
إنها أشبه بقصة جحا، عند ما قصده أحد جيرانه، يطلب منه أن يقرضه حبل الغسيل، لينشر عليه ملابسه، فاعتذر بأن الحبل مشغول، ولأنه وجد أهله قد نشروا عليه الدقيق !!!
أما باقي الأسباب وأهمها وأكثرها معقولية، فهو أن يعقوب المنصور كان مشغولا بفتوحاته وحروبه التي كانت هي الأخرى- كما ذكرنا من قبل- جزءا من الحروب الصليبية أو نوعا منها، خاض يعقوب المنصور غمارها وحده ضد الاسبان والبرتغاليين، كما كان من جهة أخرى موتورا ضد الدولة الأيوبية، بسبب ما جرت عليه من المتاعب والويلات، وما كبدته من الخسائر، عندما غزت مملكته بقيادة تقي الدين الأيوبي أخي صلاح الدين، ثم بقيادة مولاه قراقوش التقوي، وخلفائه من بني هلال وبني غانية، كما شرحنا ذلك بتفصيل في الفصل السابق.
ومهما يكن، فإن موقف يعقوب المنصور بالرغم من كل ما ذكرنا، لم يكن مشرفا بالنسبة إليه، ولا لائقا بما عرف به في التاريخ من عظمة ونبل وغيرة وعلم واتساع أفق.
لقد كنا نريد له أن يتوج عظمته بتناسي هذه الاعتبارات الثانوية التي لا تستطيع، أولا ينبغي لها، أن تصمد في وجه الاعتبارات الأولية الصحيحة، اعتبارات وجوب التماسك والتآزر والوحدة، والوقوف صفا واحدا في وجه العدو المغير، سواء حاول أن يغزونا باسم الدين، أو باسم المدنية، أو بدافع التنازع على النفوذ، أو باسم الطرد والإبادة والاحتلال الصريح، كما فعلت معنا إسرائيل في جزء من وطننا العربي الكبير.
إن التاريخ لا يعيد نفسه بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة، ولكن الأسباب والمقدمات إذا تكررت ولو في صورة مقاربة، تنتج عنها عادة نفس النتائج أو ما يشبهها ويقاربها.
إن التاريخ يعيد نفسه بهذا المعنى الأخير، فهل من اللازم أن نعيد منه نحن نفس الأخطاء والأغلاط ؟؟
هذه إسرائيل تجلب علينا بالمدافع والدولار والدس والرشوة وشراء الضمائر، في حرب شديدة الشبه بالحروب الصليبية، باعثها الحقيقي الغزو والاحتلال والسيطرة والتحكم، واسمها الذي تظهر به للعيان، تنفيذ وعد الله بالرجوع إلى أرض الميعاد، ولم شعث الشعب اليهودي، شعب الله المختار.
ويشاء الله أن يكون ذلك مرة أخرى على نفس الأرض التي كانت الهدف الرئيسي للحرب الصليبية.
وإذا كانت التجربة الأولى قد كتب لها أن تفشل على يد صلاح الدين، فإن كل واحد من رجال الحكم في البلاد العربية والإسلامية اليوم، يستطيع إذا أراد أن يكون صلاح دين، على شرط أن يتساموا جميعا عن السخافات والترهات والاعتبارات الزائفة، وعن الأنانية الحمقاء وعن عقلية جحا في قصة حبل الغسيل.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here