islamaumaroc

ملوك ورسائل.-4-

  دعوة الحق

العددان 78 و79

القسم الرابع :
الأمير محمد الناصر (595هـ610)
حياة الناصر تمثل دورين مختلفين تمام الاختلاف متناقضين تمام التناقض.
فهو في الدور الأول كان ملكا يحالفه السعد في حروبه ويواتيه الحظ في انتصاراته، كان على نهج آبائه يجر فلا يخيب ويتقدم فلا ينكسر ويطمح فلا يقف دون طموحه عائق ثم انقلبت الآية في الدور الثاني فلم يواته الحظ وخاب مسعاه وفسدت سياسته وأصبح في انكسار بعد انكسار حتى ظل اسمه شؤما على الإسلام في بلاد المغرب والأندلس بعد انهزامه في موقعة العقاب.
أما الدور الأول دور الازدهار والظفر فهو الذي نجد جزءا منه مسجلا في الرسائل المنشورة.
لقد وردت عنه رسالتان إحداهما تمثل موقفه مع المتمردين من بني غاتبة في بلاد الأندلس، والثانية تمثل موقفه معهم في بلاد تونس التي جعلوها مركزا تمرديا يحتلونه كلما واتتهم الفرصة وساعدتهم الظروف.
وكلتا الرسالتين من تأليف أبي عبد الله بن عياش وهو أديب رائع التصوير قوي الخيال صادق العاطفة تنبعث نم نفسه صور جذابة تبرز موقف الناصر مع أعدائه وترسم مواقفه الخالدة رسما موفقا.
لقد جعل الرسالة الأولى تبشيرا باحتلال جزر البليار(1) وإخبارا بقتل الثائر عبد الله بن إسحاق بن غانية بعد أن وجه إلى هذه الجزائر جيشين عظيمين ملآ البر والبحر واستطاعا أن يدخلا الرعب في قلوب الأعداء.
لقد ذكر في هاته الرسالة بأن نصره كان إرهابا بالنصارى الأندلس لأنهم كانوا كلما رأوا ملك الموحدين مضطربا هدأت نفوسهم واطمأنت وتشجعوا على التفكير في حرب تعيد لهم ملكهم ونزيح العرب عنهم.
لقد كانت هاته الرسالة بحق تصور موقف الموحدين تصويرا جميلا لا يخلو من تأثير، لقد نجحت في تصوير غرور بني غانية الذين كانوا يتطاولون على الحكم مرات مختلفة وينطلقون إليه دون تفكير كأنهم لا يعلمون أن الخيبة تنتظرهم وأن الخسران سيكون مآلا لهم، أنهم كانوا يظنون أن الأمر ليس بجد وأن الحكم لم يعد حكما نهائيا للموحدين، تخدعهم بوارق خلب من حين لآخر، فيعمدون إلى المقاومة ويتحصنون بجزرهم الواهية ويدافعون عن مبادئهم المتعفنة، ولكنهم لا يستطيعون مقاومة ولا دفاعا ولا ثباتا أمام جيوش الموحدين الظافرة المؤازرة بنصر الله.
لقد سجل كاتب الرسالة أن قلوب الموحدين كانت في هذه الحرب على التظافر متوافقة، ولكن شعار الميورقيين لم يكن إلا الهون والذل والصغار.
قال في هذه الرسالة :(2) "لم يكن بين الحلول بالجزيرة والظفر بجهاتها الأربع والاستيلاء على شيطانها الرجيم ومعقلها الأمنع إلا سبع ليال سخر الله فيها على الأعداء سبع ليال حسوما، ثم هجم الموحدون عليهم في عقر دارهم هجوما، وكانت بين الفريقين حرب ظن فيه الأشقياء أن الزمان كما عهدوه طعن وضرب، ولم يعلموا أن أمر الله في مزيد، وأن سعده من جديد إلى جديد، وأن سيأتي الأيام بما لا يبقى معه من الباطل باق، ولا يقوم به الضلال والمحال على ساق. ثم أجلي ذلك الموطن عن قتل الشقي وأتباعه، ومحو الباطل المموه وأشباعه، وحصول أسرته في قبضة الموحدين، ومغالبة أهل الجزيرة مآل الضالين الملحدين، ورفعت أعلام التوحيد في أعالي جدرانه، التي لم يكن لها عهد بعز تلكم الأعمال ولا استظهار في قديم وحديث بالحرب المثمر في خدمة الإيمان والإسلام، وأقيمت الخطبة على منبر كان أشعت أغير، ثم عاد بالقول الصادق والاعتقاد الحق أزهر وأنضر، وعرفت الرعايا بأن الله أخرجهم من الظلمات إلى النور، وأعتقهم نم الجور والخوف إلى يوم النفخ في الصور...".
واستمرت الرسالة تتحدث عن الانتصار الرائع الذي نالته جيوش الناصر في الاتجاه البحري والاتجاه البري أيضاًز
وكيف لا تنتصر هذه الجيوش وقد اختار لها قائدين عظيمين شهيرين في تاريخ الموحدين.
أما قائد الأسطول فعمه أبو العلاء إدريس بن يوسف بن عبد المومن الذي كان يتصف بالحزم والجسارة وبعد النظر، وأما قائد الجيش البري فأبو سعيد عثمان بن أبي حفص الهنتاني الذي كان له ولأهله فضل عظيم على الموحدين وتاريخهم، بل إنه من الأسرة التي استطاعت فيما بعد أن تؤسس دولة عظيمة في البلاد التونسية.
ولنعد إلى الرسالة الثانية التي تتحدث عن موقف الناصر إزاء الأحداث التي أقيمت بتونس بسبب بني غانية الذين ظلت ثورتهم قائمة إلى أن قضى عليها الناصر نهائيا.
ولما ذهب إلى تونس احتل مدنا كثيرة كانت نكصت عن الطاعة وتوجهت من جديد إلى الدعوة المناوئة دعوة بني غانية وحاول أن يدرس الأسباب التي تجعل التمرد قائما ببلاد تونس وأن يفكر في الحلول الصالحة الناجحة التي لا تكون قائمة على الدعاية الديماغوجية، وإنما يريد حلولا ترتكز على أسس من الواقع تحمي التونسيين من ظلم الولاة والعمال، لذلك ارتأى أن يجعل على تونس واليه وقائده القدير أبا محمد عبد الواحد ابن أبي حفص الذي استطاع أن يأخذ بزمام الأمر وأن يقضي على كل ثائر أو متمرد.
كان اختياره لهذا الوزير اختيارا موفقا لأنه كان كريم الخصال عاملا على نشر الفضائل وإبعاد الظلم والحيف عن التونسيين ولم يعد بعد ولايته أثر لبني غانية أو لأنصارهم.
لقد استأنس به أهل إفريقية ونسوا معارضتهم للموحدين حتى أننا نجدهم في أيامه مطمئنين، آمنين يعيشون في رخاء وازدهار، ولما تحدث عنه المؤرخ الشماع قال : "وساس الناس سياسة حسنة طال عهدهم بها. وأمنهم وحاباهم فقرأوا من بركته وبركة أيامه وحسن رعايته ما غبطهم به وأحبوه الحسب الشديد.
ولما أصبح الانتصار على بني غانية في البلاد التونسية أمرا واقعا أرسل الناصر كتبه بذلك، ومن بين كتبه هذه الرسالة التي أرسلها من منزل الموحدين بظاهر المهدية قبل فتحها فقال : "والذي نوصيكم به تقوى اله تعالى والعمل بطاعته والاستعانة به والتوكل عليه وأن تعلموا أن دعوة الإمام المهدي –رضي الله عنه- منار لا يضل عليه بصر سليم وشعار لا يغبه فتح مبين وصنع كريم ونهار كلا طرفيه إلى يوم القيامة وضاح وسيم بها جدد الله تعالى ريعان الحق وهو هشيم وانتشر ميت الشرع وهو رميم وأحياه كما أنشأه أول مرة وهو بكل خلق عليم...".
ثم قال : "(3) وهذه إفريقية قد خلت من الوسواس ونقيت من الأدناس وصفت من شوائب الأرجاس وطهرت من الدعوة المنسوخة دعوة بني العباس وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس...".
ثم قال : "فانشروا هذه المسرات واشكروا الله تعالى على تواتر الأنباء المنشرات واحمدوه جل جلاله على نفحات رحمته المنثرات. ونحن نقول : اللهم قد فتحت لنا أبواب نصرك وأعنتنا على ما ستحفظنا من أمرك وأريتنا في عدو الحق أحكام سطوك وقهرك، وأريتنا من آلائك وعوارف نعمائك ما يوجب صلة حمدك وشكرك فتمم علينا النعمة تتميما وعرفنا في كل محاولة نصرا عزيزا وصنعا كريما...".
ولكننا مع الأسف نجد أن هذا النصر لم يتم وهذا الأمل لم يتحقق، فإن الناصر بعد هذه الانتصارات المتوالية على المتمردين والثائرين حاول أن يضيف إلى ذلك نصرا جديدا على الإسبانيين ولكنه أخفق فساءت سمعته ودالت دولته وتلك الأيام نداولها بين الناس.
لقد عزم على غزو الإسبانيين ولكنهم كانوا استعدوا للطوارئ، وعلمتهم موقعة الأرك كيف يجابهون أي موقف جديد.
لقد ألف جيشا عظيما هيأه لمحاربة نصارى الأندلس واتصل بهم في مكان يعرف بالعقاب (موضع بين جيان وقلعة رباح) ولكن الهزيمة لحقته في هذه الوقعة التي كانت سبب انهيار الدولة الموحدية بل كانت مبدأ الهزيمة التي لحقت المسلمين في بلاد الأندلس.
إذا كانت وقعة الأرك قد رفعت راية الإسلام وأعلنت شأن الموحدين فإن وقعة العقاب هاته كانت ذات نتائج عكسية وأودت بحياة عدد كبير من الجنود المسلمين سواء من كان منهم متطوعا أو كان في الجيش النظامي.
إن هاته الوقعة هي التي تمثل الدور الثاني في حياة الناصر لقد تقلص ظل دولته واضطر إلى الفرار نم الأندلس إلى بلاد المغرب حيث قضى بعد سنة من وقوعها فتوفى سنة 610 هـ.
لقد اجتمعت عوامل متعددة على انهزامه في هذه الوقعة المشؤومة التي تعرف عند الإسبانيين بموقعة ناقس دي تولوزا (Navas di Toloza) أو موقعة أبده، ومن هاته العوامل عدم صبر الجنود الأندلسيين على القتال ومنها استخاف بعض الجنود الموحدين بأوامر الملك لأنهم ذهبوا إلى الحرب مكرهين فهم لم يأخذوا مرتباتهم الرسمية في وقتها المحدد وبذلك ضعفت هيبة الناصر في نفوسهم ومنها الاستعداد القوي الذي أظهره ملوك إسبانيا آنذاك فإن اتحاد مملكة قشتاله مع مملكة أرغون ومملكة ليون ومملكة البرتغال التي يترأسها ابن الريف واستنجادهم بالألمانيين والفرنسيين كان له أثر في الانهزام.
ويقول المقري في نفح الطيب(4) نقلا عن صاحب "الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية" : "وهذه الوقعة هي الطامة على الأندلس بل والمغرب جميعا وما ذاك إلا لسوء التدبير، فإن رجال الأندلس العارفين بقتل الإفرنج استخف بهم الناصر ووزيره فشنق بعضهم ففسدت النيات فكان ذلك من بخت الإفرنج والله غالب على أمره، وكانت وقعة العقاب سنة 609 هـ ولم تقم بعدها للمسلمين قائمة تحمد".
ولما مات الناصر تولى بعده ابنه يوسف ولم يكن قادرا على إرجاع هيبة الملك للموحدين واستمر في الملك عشر سنوات كاملة لم تستفد الدولة الموحدية منها شيئا فلما توفي تعددت الثورات الداخلية وكثر التنافس بين أبناء عبد المومن ولم يوجد منهم من يفكر تفكيرا جديا في إرجاع مجد الدولة والعمل على تحقيق تصميمها القوي الذي كان يطمح المنصور في البلوغ إليه بل انقطعت الوحدة السياسية بين الأندلس والمغرب واستقل بالإقليم الأندلسي أحيانا بعض الملوك الموحدين وتعاون بعضهم مع الإفرنج وظل أمر الدولة في انهيار متواصل ورأى الحفصيون الذين كانوا بتونس أن انهيار الحكم في الأندلس والمغرب يدفعهم إلى إعلان الانفصال عن الدولة الموحدية، وإعلان الاستقلال بالقطر التونسي وأصبحت الدولة الحفصية آنذاك موئل المستنجدين وأمل الخائفين.
ولما رأى الأندلسيون أن بلادهم تتخطفها الدولة المسيحية اضطروا إلى الاستغاثة بالملك أبي زكريا، يحيا بن عبد الواحد ابن أبي حفص.
ومن القصائد الرائعة التي أرسلت إليه قصيدة ذكرها المقري في نفحه ولم يذكر اسم قائلها، منها ما يأتي :

نادتك أندلس فلب نداءها
      واجعل طواغيت الصليب فداءها
صرخت بدعوتك العلية فأحبها
      من عاطفاتك ما يقي حوباءها
تلك الجزيرة لا بقاء لها إذا
      لم يضمن الفتح القريب بقاءها

ومن الرسل الذين وفدوا على هذا الملك بعد احتلال بلنسية العالم القدير والمؤرخ الشهير ابن الأبار القضاعي صاحب التآليف القيمة أرسله زيان بن مردينش صاحب شاطبة يحمل بيعته ومعه قصيدة ما زالت إلى الآن تنطق بتلك الآلام التي أصابت المسلمين بعد احتلال بلدان الأندلس وفي هذه القصيدة يقول :

أدرك بخيلك خيل الله أندلسا
      إن السبيل إلى منجاتها درسا
وهب لها من عزيز النصر ما التمست
      فلم يزل منك عن النصر ملتمسا
وحاش مما تعانيه حشاشتها
      فطالما ذاقت البلوى صباح مسا
يا للجزيرة أضحى أهلها جزرا
      للحادثات وأمسى جدها تعسا

وهكذا نجد في هاته الحقبة عواطف الحرمان تبدو في قصائد الشعراء ورسائل الكتاب حتى أن المطلع على الأدب الأندلسي سيرى كيف انقلب التيار الأدبي من الغزل والعبث إلى التصوير البارع لحاضر الأندلس والبكاء على ماضيها.
هذه نظرات حول الأندلس حينما أصبحت تتساقط في أيدي الإسبانيين مدينة مدينة وحصنا حصنا كأنها قد أصيبت بعدوى لا تجد لها دواء وتلك نتيجة من نتائج الانهزام الذي لحق الناصر في وقعة العقاب.
وبهذه النظرات ننهي الحديث عن الرسائل الموحدية تلك الرسائل التي دفعتنا إلى بعث الحديث عن هاته الدولة الرائعة والتي ذكرتنا بإمبراطورية عظيمة لو وجدت السبيل للانطلاق لأفادت العالم كثيرا ولكنها رغم عدم استمرار حكمها فقد ظلت خالدة لا ينساها التاريخ السياسي ولا تاريخ العلوم.

(1)  كان ذلك سنة 599 هـ ولكننا مع الأسف نجد الرسالة خالية من التاريخ وكذلك الرسالة التي بعدها.
(2)  الرسالة السادسة والثلاثون، صفحة 246.
(3)  من الرسالة السابعة والثلاثين، والرسالة هاته تتحدث عن النصر الذي حققه الناصر ضد يحيى بن غانية سنة 602 هـ.
(4)  نفح الطيب للمقري، الجزء السادس صفحة 117.
     

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here