islamaumaroc

التعريب وأبعاده وإمكانياته

  دعوة الحق

العددان 78 و79

سؤال ما فتئ يلقى منذ بداية هذا القرن، أي منذ نهضة العرب الحديثة، وهو هل أن اللغة العربية عجلة قمينة بأن لا  تترك العرب في مؤخرة ركب الحضارة ... ولعمري إن المداد الذي سود الصفحات الطوال سجل ما يكفي للدلالة على إيجاب هذا السؤال.
على أن هناك ملاحظات يسجلها المهتمون بالتعريب، أود إثارتها في هذا المقال عل صداها يكون له رجع كفيل بأن يجد لها حلا مقبولا، ومن هذه الملاحظات أبعاد التعريب في العالم العربي على العموم، وإمكانياته في دول المغرب العربي على الخصوص، التي أبحرت سفينة التعريب.
والأبعاد المعروفة عند دراسي الهندسة هي الطول والعرض والعمق أو الارتفاع، وهذه هي المقاييس التي أريد أن أسبر بها غور الكلمة العربية وأقيسها عرضا وطولا.
وعندما استعمل كلمة مقياس "الطول"، أعني بذلك المدى الذي تقطعه الكلمة العربية للتعبير عن المعنى الكامل للشيء الذي يراد التعبير عنه، وهنا يجب التأكيد - وهذه حقيقة يلمسها الذين يعرفون غير اللغة العربية - أن الكلمة قد تذهب مدى أطول، للتعبير عن شيء ما في لغة دون أخرى، وهذا يفسر ظاهرة إدخال كلمات أجنبية عند التحدث باللغة العربية - وحتى الدارج منها - كان المتكلم يشعر، وهو يتحدث، أن الكلمة الأجنبية المستعملة، تحمل بفعالية أكبر، المعنى الذي يريد التعبير عنه.
إن مسألة بعد الطول تتفاوت فيه اللغات، فبينما نجد أن اللغات الغربية قطعت شوطا بعيدا في التعبير الصحيح عن الخطوات العلمية التي جرها التقدم الصناعي والتقني، نرى أن اللغات الشرقية لا تتوفر في غالب الأحيان على نفس يمكنها من التعبير بدقة عن المعنى أو الشيء المراد تعريب كلمته، ونحن نجد في العربية مثلا اسمين أو أكثر لشيء واحد، كتسمية العرب الشمس بذكاء أو الغزالة وهذا على الخصوص في الأشياء التي عرفها العربي القديم، كما نجد معنيين لكلمة واحدة كما سيأتي ذكره عند تعريب بعض الكلمات الأجنبية نعجز أن نجد لتعريبها كلمة واحدة، فنذهب إلى شرح الكلمة الأجنبية بأكثر من كلمة عربية واحدة، وقد لا يؤدي الشرح الطويل مع ذلك المعنى التام للكلمة الأجنبية فها كلمة Infrastructure لم تترجم إلا بكلمتين هما "التجهيزات الأساسية" أو "المقومات الأساسية" بدل أن توجد لها كلمة واحدة، وغيرها عدة، تحتاج إلى أكثر من كلمة عربية لتعبر عن مدلولها، Bonnterie مثلا، التي ترجمت بـ "ملابس الأطراف" أو كـ Quincaillerie التي يترجمها القاموس بـ "الآلات الحديدية أو النحاسية المستعملة في البيوت أو في بعض الحرف" أو كلمة Vulgarisation التي عربت بـ "تقسية المطاط بالكبريت" أو كلمة Sardinier الجد بسيطة التي ترجمت بـ "مركب لصيد السردين بالشباك".

نتطرق بعد الطول لبعد العرض، فنلاحظ أن الكلمة العربية الواحدة، قد تنطبق على فسيفساء من المعاني، فها كلمة "عين" تطلق على عضو البصر، ومنبع الماء، والمال وشريف القوم... إلخ. بينما تجد في اللغة الأجنبية كلمة خاصة بكل من هذه الأشياء التي عبرت عنها العربية بكلمة واحدة.
إنه نقص في اللغة العربية يجب تلافيه.
أنا لا أنكر أن في هذا النقص ميزة قد تساعد البعض من الشعراء على اللعب بالكلمات في تصفيف أبياتهم عندما يربطون الموسيقي - موسيقى الكلمة - بالمعنى، ولكن الضرر الحاصل من هذا النقص أكثر من النفع، وأجدر بنا أن نعمل من أجل تنمية اللغة العربية بإيجاد كلمة لكل معنى أو شيء.
نأتي بعد هذا إلى بعد الارتفاع أو العمق، وبالعمق نعني المراتب المختلفة لمعنى الكلمة أو ما يعبر عنه بـ Nuances، فأنت تجد المترجم ينقل كلمة أجنبية إلى العربية دون أن يؤدي الكلمة العربية كل معنى الكلمة الأجنبية، في حين نجد أن هناك فروقا تبعد أو تقرب بين كلمتين أجنبيتين تعنيان معنى واحدا بدرجات مختلفة، نجد أن في العربية كلمة واحدة فقط لهذين المعنيين المتقاربين، مثل ذلك كلمتي Force - Puissance فكلتاهما تترجم بكلمة "قوة" أو "بأس" ولكنهما في لغتهما تعنيان شيئين متباينين.
وهذا دليل آخر على أن في اللغات الأجنبية ما وصل إلى درجة في الثروة والصقل، لم تصل إليها اللغة العربية.
إن من المتطلب في المنكبين على التعريب أن يتوفروا بالإضافة إلى معلومات إضافية في اللغة العربية والأجنبية، على حاسة خاصة تمكنهم من أن يقيسوا هذه الأبعاد عند تعريبهم لكلمة ما.
ننتقل بعد هذا إلى موضوع الإمكانيات المتوفرة للمغرب، والإطار الذي يتهيأ له العمل فيه.
فمن حيث الإمكانيات، يمكن أن نخرج بخلاصة كناسة فنقول: إن للعرب كل Sweeping conclusion الإمكانيات لربط اللغة العربية إلى قاطرة القرن العشرين، ولإعطاء الكلمات العربية أبعادا متساوية للأبعاد التي تتوفر عليها بعض اللغات الأجنبية الأخرى.
فاللغة العربية لن تعجز عن اللحاق بأخواتها لغات الغرب، والمثل الذي ضربته العبرية في هذا المجال جدير بالملاحظة، وأسوق هذا المثل لأننا نحن العرب، بذلنا جهدا أهم من جهد العبريين، ولكن جهود المعربين مشتتة، فهناك مبادرات في الشام ومصر والعراق، بل حتى من هنا في المغرب العربي، ولكن هذه الجهود يمكن اعتبارها عملا معادا إن لم يكن بعضها سببا من أسباب عرقلة التعريب، ولنضرب لذلك مثلا: فهؤلاء كتاب مصر عربوا كلمة Civilisation بكلمة مدنية، وكلمة Culture بكلمة حضارة، بينما أولئك في العراق عمدوا الكلمة الأولى حضارة والثانية ثقافة، وبدل أن تهتم المجامع العربية والمؤتمرات بتبني كلمات جديدة نراها تسعى للتوفيق بين التعريبين المتباينين، ولا يخفى ما هناك من نزعات في تبني الكلمات المعربة، فكل - وهذا من الطبيعة البشرية - يرتئي أن اقتراحه هو الأجدر بمحل العناية، وأقرب إلى الصواب.
ولعل السبب في اختلاف هذه المحاولات سعة الأفق الذي تعرف عليه المعربون العرب، فالذي يعرف الجامعات الغربية، يعرف أن الأساتذة هناك قد يعطون مدلولا لكلمة ما يختلف عن المدلول المتعارف عليه، فيزيد أو ينقص عن مدلول القاموس، وفي غمرة الحماس والإعجاب بالأستاذ نجد حوارييه من العرب يقلدونه عند التعريب، فيعطون بدورهم مدلولات تختلف في الدرجة لا في الطبيعة للكلمة التي يعربونها.
ومن المستحسن أن يسعى العرب لتنقيل - Canaliser (وهذه كلمة اقترح إدخالها للعربية) - مجهوداتهم في التعريب، عبر توحيد المجامع العربية، فلا تدخل الكلمة القاموس، إلا من باب المجمع الموحد.

وإطار التعريب يحيط بالمدرسة ثم الإدارة، والوسيلة تختلف من رقعة إلى أخرى في العالم العربي، وهي في المغرب العربي سياسته، حيث يجب أن تأتي بواسطة التشريع، تسنده إلزامية القانون.
ونحن في محاولات التعريب يجب أن لا ندير ظهرنا كليا للتراث العربي، ففي عيونه ما يساعدنا على ربط لغتنا بعصر السفن الفضائية، فبالأمس القريب فقط وجدت - وأنا أقرأ مقامات الحريري - أن العرب أفردوا كلمة لرقصة "التويست" Twist قبل أن تعرف هذه الرقصة في العالم الغربي، والكلمة هي "الزفن" ويكفي أن نتصفح المنجد، لنعلم أن هذه الكلمة هي التعريب الصحيح لكلمة "التويست".
إن في الإمكان أن نأتي بأبدع مما كان، شريطة أن تتضافر الجهود وتشحذ الهمم.
                    

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here