islamaumaroc

[كتاب] إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (للشوكاني، محمد بن علي)

  دعوة الحق

العددان 78 و79

من العلوم الإسلامية المبنية على الفكر والمنطق، والباعثة على بلوغ الكنه من مسائل الفقه الإسلامي ومشاكله التي لا تلين وتذل إلا للمحنك الماهر في مادته – علم الأصول – أصول الفقه – الذي به يعرف أدلة الفقه الإجمالية وطرق استفادة جزئياتها وحال مستفيدها. فكان لهذا موضوعه الدليل الشرعي الكلي – كالكتاب والسنة من حيث معرفة كيفية استنباط الأحكام منه.
ويشرف الفن إن كان واضعه – محمد بن إدريس الشافعي المطلبي – كما ألمع لذلك أبو حيان الجباني في قصيدة له :
هو استنبط العد الأصولي فاكتسى
         به الفقه من ديباج إنشائه وشيا
والكتاب الذي نريد اليوم أن تتعرف به في الفن هو كتاب : "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول" لجامعه محمد بن علي الشوكاني اليمني من أهل صنعاء فقيه مجتهد له مؤلفات تبلغ 114 – منها "نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار" في ثماني مجلدات، "والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة"، "والبدر الطالع"، والإرشاد المتحدث عنه توفي سنة 1250 – 1834.
فبعد خطبة الكتاب رتبه على مقدمة وسعة مقاصد وخاتمة. تناول في المقدمة تعريف الفن ذاكرا موضوعه وفائدتها واستمداده متوسعا في كل نقطة نقطة بعرض شيق وأسلوب سلس سهل يجذب النفوس ويبعث روح الشوق في الطالب المستطلع مذكيا في روعه حب المعرفة وأسسها في نشاط واندفاع صوب ما هو مقبل عليه من شذرات الفن – فتراه يعمد إلى المركب الإضافي "أصول الفقه" ويأخذ في تحليل كل من المتضايفين واحدا واحدا بتعبير محكم بسيط لا يعتم يحب الفن الجديد في تعاطيه عن طواعية وانبساط حيث لا يجد أثناء العرض ما يقف أمام الإدراك والفهم ويسترسل في بحث العلم والنظر والدليل وما وراء ذلك من مبادئ الأصول مثيرا السبيل للطالب في تعابير مبسطة تنشط وينفتح لها الصدر في ذات الوقت وعلى هذا النموذج سار في عرض الحكم والواجب والمحظور والمندوب والمكروه والمباح والشرط والمانع.
ثم تحدث في أحد بنود المقدمة عن بعض المبادئ اللغوية الذي يتناول في صلبه ماهية الكلام أو عن كيفية دلالته، وفي ذلك بحوث خمسة بسطها واحدا تلو الآخر معطيا كل بحث ما يتفق ومدلوله.
إثر هذا عرض لتقسيم اللفظ إلى مفرد ومركب متحدثا عن الاشتقاق الواقع بين اللفظين – المتناسبين في المدلول والتركيب مما يفسح المجال لرد أحدهما إلى الآخر وقد توفرت الأركان الأربعة المطلوب وجودها في هذا الرد، وقد اقتضت هذه العملية الفنية بالطبع ذكر بعض الألفاظ المفردة التي توالت دلالتها على المسمى الواحد كالمترادفات، أو الموضوعة لحقيقتين مختلفتين أو أكثر كالمشترك واستعماله في معنيين أو معاني وما لرجال الفن كواضعه الشافعي وغيره من خلاف. ومن هنا انحدر صاحب الكتاب للحديث عن الحقيقة والمجاز وتعريفهما بما يشفي صدر المستطلع الأولى فأحرى المتضلع في الفن معطيا أمثلة واضحة في الموضوع ومبينا أنواع الحقيقة – لغوية وعرفية وشرعية مدللا على ذلك بأمثلة حية يستسغيها الطالب عن كثب دون أن يجد مشقة في اقتباسها عن فهم.
بعد هذا المدخل القيم الذي عرض له كتاب الإرشاد بأسلوب مبسط حي – دخل إلى المقصد الذي هو عبارة عن أصول التشريع الأربعة – الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
وهنا ترى الكتاب تلبس من جديد حلة قشيبة رمقسية ينشرح لها الصدر أكثر كأثر : طيب يتركه المدخل في النفس.

فيأخذ في عرض الأصل الأول في التشريع وقوانينه معرفا الكتاب المقدس (القرآن) ومسهبا في بيان ذلك بعبارات سهلة يدركها الفهم والذهن دون ما عسر يجده الطالب في صلب بحوث الكتاب كالمنقول آخذا هل يعتبر قرآنا أم لا؟ وكالعرض للبسملة وتحقيق أنها آية من كل سورة، وكبحث المحكم والمتشابه من القرآن ووجود المعرب فيه بما يقرب من المائة كلمة.
ومن القرآن انتقل للحديث عن السنة – الأصل الثاني بنفس الأسلوب ونفس الروح المرنة على السهولة في العرض والتعبير فعرف السنة بما تحمله لغة وشرعا متحدثا عن ذاتيتها واستقلالها بالتشريع وأنها كالكتاب المقدس في تحليل الحلال وتحريم الحرام بالنص الثابت عنه عليه السلام إذ قال : ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه أي أوتيت القرآن وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن – كتحريم لحوم الحمر الأهلية، وتحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير وغير ذلك مما لم يأت عليه الحصر. فكانت لهذا حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورية دينية لا يخاف فيها إلا مذبذب.
ثم تعرض الكتاب للبحث عن عصمة الأنبياء ومعناها، والحديث عن أفعال الرسول وتقسيمها إلى سبعة معان شارحا ما إذا تعارض قوله عليه السلام مع فعله وما تنطوي عليه هذه المعارضة من مشاكل ككون القول خاصا به أو عاما له وللأمة أو خاصا بالأمة كل هذه التقسيمات وما إليها يبينها الكتاب بيانا واضحا قد لا يوجد في مثله من كتب الفن – ومن هذا البحث دخل للأخبار والحديث عن مفردها وما يحمله من معنى لغة واصطلاحا.
بعد هذا تحدث عن المقصد الثالث نم مقاصد التشريع وهو الإجماع فأتى بمعنييه اللغوي والشرعي متكلما عن إمكانيته وإمكان العلم به ونقله إلى من يحتج به، وعارض لحجيته (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس) موردا هذا النص السلس السهل شارحا الآية قال قد أخبر سبحانه عن كون هذه إلا متوسطا والوسط من كل شيء خياره، فيكون تعالى قد أخبر عن خيرية هذه الأمة، فلو أقدموا على شيء من المحظورات لما اتصفو بالخيرية، وإذا ثبت أنهم لا يقدمون على شيء من المحظورات وجب أن يكون قولهم حجة.
وفي هذه الأثناء بسط الكلام عن عدم حجة إجماع أهل المدينة وإجماع الخلفاء الأربعة لأنهم بعض الأمة، وما إلى هذا مما تناوله الموضوع في هذا المقصد التشريعي الهام الطويل العرض والشائك المقدمات والغايات وبالرغم من ذلك كله نجد الكتاب يهضم الكل في طياته السهلة كالعادة ثم أورد بحثا مهما له قيمته الأساسية تناول فيه الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، والإطلاق – والتقييد، والإجمال والتبيين، والظاهر والمؤول، والمنطوق والمفهوم، والناسخ والمنسوخ.
شارحا كل نوع على حدة إزاء مثاله ودليله رغبة منه في زيادة البيان والإيضاح.
وها هو كتابنا الإرشاد يشرف على الختم بعرض الأصل الرابع من أصول التشريع الإسلامي بروح القلم وبنفس الطريقة التي ألفناها فيه – فيعرف القياس لغة واصطلاحا ويذكر حجيته وهل هو دليل بالشرع أو بالفعل وعلى الأول الأكثر وذاكرا أول من باح بإنكاره – كالنظام وقوم من المعتزلة.
عقب هذا بسط أركانه وشروطه ومعنى العلة لغة والأقوال التي وردت فيها اصطلاحا، والخلاف في جواز تعدد العلل، وما إلى هذا من عرض شروط الفرع وذكر مسالك العلة وأنواعها كمسلك الإجماع ومسلك النص.
كل هذا في عرض جذاب وتحليل منطقي أخاذ قد لا يجده الباحث في طيات غيره من كتب الفن كالمستصفى للغزالي والتنقيح للقرافي وجمع الجوامع للسبكي ومفتاح الوصول للشريف أبي عبد الله التلمساني وسواها من الكتب في المادة.
ولا عجب فالشوكاني من رجال الفن الذين قدر لهم أن يدرسوا الكتب الملح إليها شارحا في مهامهما الفيح.(1)
وبديهي أن يخرج من تلك الدراسات الفاحصة والبحوث العميقة بزبدة خالصة يستسغيها الطالب الولوع، ويقبل عليها في شوق أكثر لما يجد من تذليل وتهذيب في متعة تبعث بالطبع على التهام الفن في هواية ولهف يعلقان بنفس الدارس الصادق.
وهذا ما نهفو إليه من الصميم في اختيار كتب لها أهميتها في الفن ولها قيمتها في مساعدة المتعاطي على الاقتناء دون ما حرج وشدة تأتي بعكس النتائج المرجوة من دراسات العلوم والفنون.
فكتاب الإرشاد المتحدث عنه اليوم هو من الكتب المهملة في دراسات الفن والمغفلة فيه بل من الكتب المجهولة لدى الطلبة في الخزانة الإسلامية.
لذا فالكاتب يلفت نظر الأخوة الطلبة أن يبحثوا عنه ويتخذوه الصديق الوحيد في الفن للمزايا التي يتوفر عليها دون غيره خاصة اليوم الذي نعيشه وقد تزاحمت فيه الفنون وأصبحت الحاجة في التسهيل والتبسيط أكثر.



والإرشاد المتحدث عنه اختصره – محمد الصديق حسن المتوفى سنة 1307 هـ.

         

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here