islamaumaroc

أم حكيم

  دعوة الحق

العددان 78 و79

من الطريف الكلام على "أم حكيم" وليست هي واحدة في دهر العرب القديم، وإنما كانتا اثنتين مشهورتين، كل واحدة تدعى بهذه الكنية الجميلة.
وإذا شئت الكلام عليهما حسب العصور، كان من حق الأولى التقدم فقد علقت أنسابها في الجاهلية،ت ثم تحدرت إلى صدر الدولة الاموية وكانت مفرطة الموهبة بالجمال والتعقل. وكانت أمها كذلك، فسماها الناس الواصلة بنت الواصلة، لأنهما وصلتا الجمال بالكمال، كما يقول الأصفهاني صاحب الأغاني. وقد أخذ شعراء زمنها يصفونها، ويصفون أمها زينب، بأنهما حازتا البدائع في حسن التكوين.
وتكون الطرافة شديدة حين تزاحم الخطاب على أمها، وقد كان أحد السعداء بها "أبان ابن مروان بن الحكم" أحد السابقين الأمويين. وكان ممتعا بالجاه والمال، فاستطاع أن يحوزها، فولدت له ابنه عبد العزيز، وقد عاش في صدور بني أمية ومات ابان عنها، فتجدد الازدحام عليها، حتى كان عبد الملك ابن مروان الخليفة الأموي من خطابها. ولكن أهلها مالوا عنه إلى المغيرة ابن عبد الرحمن، فغدت له زوجة تملأ بيته بالعز والجمال والرأي الحصيف، فحقد عبد الملك على زوجها الجديد، وقال فيه :
"دخل علي في خطبتي، والله لا يخطب على منبر ما دمت حيا، ولا رأى مني ما يحب".
ويقصد عبد الملك بأنه لن يوليه ولاية قط، وكان الولاة هم خطباء الأمة في شؤون الحكم والدولة.
وتعاورت حوادث فيها الادب وفيها السياسة حتى برزت بنتها "أم حكيم" لتحتل مثل مكانتها في إعجاب الرجال وغيرة النساء، فتزوج أم حكيم –وكان هذا اسمها وليس كنيتها- أحد حفدة عبد الملك وهو عبد العزيز ابن ابنه الوليد، وأدخل عبد الملك الشعراء على عرسها ليصفوها. فقاله الشاعر عدي ابن الرقاع في جمالها شعرا، وقال جرير شعرا مثله، وأجازهما عليه الخليفة.
لكن كثرة الحسان يومئذ أغرت زوج أم حكيم بغيرها، فطلقها، فتزوجها هشام بن عبد الملك.
والغريب في تاريخ هذه المرأة العربية الجميلة، أنها كانت – كما يروي أبو الفرج في أغانيه، منهومة بالشراب، مدمنة عليه، لا تكاد تفارقه. وكأسها التي تشرب فيها مشهورة عند الناس وقد احتفظ بها في خزائن الخلفاء بعدها، وفيها يقول الشاعر الأموي الوليد بن يزيد :

عللاني بعاتقات الكروم
      واسقياني بكأس أم حكيم
إنها تشرب المدامة صرفا
      في إناء من الزجاج عظيم

ولم يفارقني خيال "أم حكيم" هذه، وقد اشتد تمثلي لها، وهي ممسكة بكأسها الكبيرة بكلتا يديها، حين شهدت كأسا روية كبرى، تعب بها شاربة القوم في مقصف من مقاصف فبينا فقلت : إنها تشرب بكأس أم حكيم.
وفارقني خيالها زمنا، حين اشتغلت بكتابة شعر الحرب في أدب العرب وحروب الخوارج وسردت الروائع من بطولاتهم الخارقة العجاب، فإن "أم حكيم الثانية" زوجة البطل العظيم قطري ابن الفجاءة، هي التي زلزلت في خيالي صورة سابقتها التي كانت تسمى بهذا الاسم الجميل.
فلقد كانت أم حكيم هذه بطلة مغوارة، تركب الخيل في الوغى، وتهجم على العدو، وتقود المعركة، وتخوض الدم، وتقهر الأبطال، وتشعل في صدور الجيش عزائم الهجوم، هذه كانت شاعرة، تقول الشعر هاتفة جوف المعمعة، فقد شاهدها الأبطال، وبيدها الحسام، تشد به وتضرب ذات اليمين وذات الشمال، وسمعوها تقول مترنمة هازجة، وهي تقاتل :

أحمل رأسا قد مللت حمله
         وقد مللت غسله ورجله
إلا فتى يحمل عني نقله

وقد تمثلتها من خلال هذا الرجز منفوشة الشعر، عليها الدرع، تتمنى لو تقدم إليها فتى مغوار فأطاح بسيفه رأسها، لتستريح من تمشيط شعرها الأشعث المنفوش الذي ملت كل صباح ومساء غسله وتسريحه من طول ما حشاه غبار الحرب. ورحت أتمنى أن لو كانت صنعت أم حكيم البطلة ما صنع سيد البطولات العربية على العصور سيف الدولة الحمداني، الذي كان إذا عاد من المعركة أمر بأن ينفض غبارها عن درعه وثيابه، وكان يجمع هذا الغبار ويلبك بالعسل، حتى تكونت منه لبنة، أوصى سيد الأبطال أن توضع هذه اللبنة تحت رأسه عند موته في قبره. وكذلك كان، فإنه حين دفن في مدينة (ميا فارفين) إلى جانب قبر أمه، توسد تلك اللبنة التي نام فيها إلى الحشر، هذه الوسادة الشريفة ليصدق فيه قول الشاعر العظيم أبي تمام في رثاء بطل المعارك الشرقية (محمد بن حميد الطوسي) :
فأثبت في مستنقع الموت رجله
وقال لها من تحت أخمصك الحشر
وكانت أم حكيم الخارجية المحاربة تفعم قلب زوجها "قطري بن الفجاءة" بالحب والحرب فراح فيها يقول ويدوي بشعره الزمان :

لعمرك أني في الحياة لزاهد
      وفي العيش ما لم ألق أم حكيم
من الخفرات اليبض لم ير مثلها
      شفاه لذي بث ولا لسقيم

وهذا التمني من قطري بن الفجاءة في أن تشهده أم حكيم وهو يصارع الأعداء لترى بأسه وتعجب بفروسيته، شعور بالعظمة تنبعث مواضعه عند المحاربين العشاق، فوجدتهم جميعا يتمنون أن تراهم معشوقاتهم وهم يجالدون، لكي يستطيعوا أن يكتسحوا قلوبهن كما يكتسحون السياج في الحروب والمعامع.
وهذه الظاهرة الحربية والنفسية وجدتها لدى الأبطال الشعراء في القرون الوسطى، فالبطل "رودريك الإسباني" يؤثر أن تراه في أوج البطولة محبوبته "شيمين" حتى أنه غامر ببطولته هذه فقتل أباها، وهو يثأر لأبيه.
ورحت أحار في الحكم على كل واحدة من "أم حكيم" فالأولى جميلة سحارة القسمات، تواقع عليها الأزواج، هائمين بجمالها ودلالها، وكانت فتنة النساء في عصرها، تتلهى بالشراب بكأسها الكبيرة المشهورة.
والثانية محاربة خارجية عاشت على ظهر جوادها في الليل والنهار، ولم يذكر التاريخ الأدبي ولا التاريخ السياسي كيف كانت خاتمة حياتها، فإن زوجها قطري كان يجتاز جسرا فعثرت رجل فرسه فوقع في النهر، فتراكض عليه أعداؤه حتى قتلوه، وأما هي فلم أجد لها حسيسا في خبر من أخبار الخوارج بعد ذلك.
وكان قطري يؤثر أن يطيل ذكرها في شعره الرفيع المكين، فوصفها وهي تبكي شهيدا حربيا في وقعة "دولاب" ولعله كان أخاها، في تتمة تلك الأبيات حيث يقول :

وضاربة خدا كريما على فتى
         أغر عزيز الأمهات كريم
أصيب بدولاب ولم تك موطنا
         له أرض دولاب ودير حميم

وبعد، فإنهما وجهان حبيبان، سيظلان يلتمعان في خاطري، ما حييت، وجه "أم حكيم" الجميلة الشاربة، ووجه "أم حكيم" الجميلة المحاربة.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here