islamaumaroc

الصفحة السياسية

  دعوة الحق

العددان 4 و5

الكوكب الروسي:
شهد شهر أكتوبر انقلابا فاصلا جديدا في تاريخ البشرية، وهذا الانقلاب يتمثل في الكوكب الصناعي الذي أطلقته روسيا في الفضاء ليركض حول الأرض في سرعة مذهلة، وبه أجهزة تنقل إلى الأرض للمرة الأولى في التاريخ معلومات لا عهد للإنسان بها.
وقد بلغ من خطورة هذا الحادث أن الرئيس نهرو اقترح أن تسمى سائر العصور التي سبقته بالعصر الحجري...
ولا يهمنا الكوكب الصناعي في هذا الباب من ناحيته العلمية، وإنما تهمنا نتائجه السياسية:
1) كان له أثر كبير جدا في رفع هيبة روسيا، خصوصا من ناحية الأسلوب الذي أطلق به، فلم يسبق بدعاية، وإنما أطلق كأنه شيء عادي لا يدعو إلى جلبة ولا إلى ادعاء.
2) أعطى صبغة خالصة، فهو كوكب في ظاهره قد أطلق لتحقيق دراسات علمية صرفة لا علاقة لها بالاعتداء فأظهر روسيا في صورة الدولة التي تفكر في العلم أكثر مما تفكر في العدوان، أو في صورة من لم يكرس جهوده للتفكير في الشؤون السياسية وحدها.
3) كان له أثر بعيد المدى في الولايات المتحدة، فقد نشطت المعارضة تتهم الرئيس إيزنهاور بالتخاذل، لأنه أنقص في الميزانية القدر المخصص للأبحاث العلمية، وسوف يستغل هذا الحادث لتغليب جانب الديمقراطيين على جانب الجمهوريين في الانتخابات القادمة.
4) قد يكون له أثر في استتباب الاستقرار الدولي، لأن من شأنه أن يبعث الولايات المتحدة على عدم الاطمئنان إلى تفوقها العسكري، وبذلك يزداد شبح الحرب خطورة في نظر الجانبين.

لـيـتـل روك:
وبينما كان الكوكب الروسي يركض في الفضاء، وقع في مدينة ليتل روك الهادئة بولاية أركنساس في جنوب الولايات المتحدة، حادث مروع أعاد إلى الأذهان تاريخا ظن أنه انقرض، وكان سببا في اندلاع الحرب الأهلية بالبلاد في القرن التاسع عشر.
وذلك أن سكان هذه المدينة البيض، صمموا على أن يحولوا دون تطبيق قوانين المساواة بينهم وبين سكانها السود، وتبلغ نسبتهم 23 في المائة، وعبروا عن هذه المشيئة باضطهاد الطلبة السود في إحدى المدارس وطردهم منها.
وقد وقف الرئيس ايزنهاور من هذا الحادث موقفا شريفا، فأنذر حاكم أركنساس - الذي كان يتزعم هذه الحركة الاضطهادية، ولكنه مضى فيها دون أن يلوي على شيء، فطبق الرئيس قانونا لم يطبق منذ سنوات عدة خلت، وهو يقضي بإرسال فرقة المظلات التابعة لجيش الاتحاد إلى الولاية، ومن المعروف أن الحرس الوطني التابع للولاية هو المسؤول عن الأمن، وأن جيش الاتحاد لا يتدخل إلا في حالة الخطر الجماعي.
وتدخل الجيش، وأعاد الطلبة السود إلى المدرسة بالقوة، وأصيب بعض البيض حينما حاولوا الحيلولة دون ذلك، فثارت ثائرة خمس ولايات أخرى في الجنوب ولكن موقف ايزنهاور الحاسم أظهر لحكام تلك الولايات، أنه مصمم على استعمال قوات الاتحاد المسلحة لتنفيذ قوانين المساواة، وهي الخطوة التي لم يكن أحد منهم يتصور أنه يجرؤ على الالتجاء إليها.
وليس هذا فحسب فقد حصل حادث آخر في نيويورك، حينما رفض مطعم بالمدينة السماح لعضو من أعضاء وفد غانا إلى الأمم المتحدة بتناول وجبة الغداء، وقد تأثر ايزنهاور مرة أخرى لهذا الحادث، فدعا العضو إلى تناول الغداء على مائدته الخاصة، وكان من الممكن أن يتطور الموقف إلى طلب نقل الأمم المتحدة من أمريكا، لأن الأمريكيين لا يحسنون استقبال أعضائها ولا يعاملونهم معاملة كريمة.
ويتوقع المراقبون أن يكون لحادث ليتل روك أثره الملموس في السياسة الأمريكية، ويلخصون هذا الأثر في:
1) أن نفوذ الجمهوريين سوف ستعزز في الشمال الذي وقف وما يزال يقف ضد التمييز العنصري، ولكن هذا النفوذ سوف يضعف في الجنوب، إلا أن الجمهوريين سوف يكونون الفائزين في النهاية.
2) أن ينشق الديمقراطيون انشقاقا جديدا يكون من شأنه أن يضعضع صفوفهم ويعرضهم لتجربة جديدة قد تكون قاسية.
3) أن ينشأ في الولايات المتحدة حزب جديد، لأن الخلاف حول الملونين في عمقه، ليس خلافا بين الجمهوريين والديمقراطيين، ولكنه خلاف قومي قد يتطلب نشأة حزب جديد، وهم يتوقعون أن يتم تأليف هذا الحزب قبل الانتخابات المقبلة في سنة 1960.

 الأزمـة الوزاريـة في فرنـسا:
إن كل تعليق شهري على السياسة الدولية في هذه الأيام لا يمكن أن يخلو من الحديث عن أزمة وزارية في فرنسا، فقد أصبحت هذه البلاد مثلا للفوضى الحكومية وتساقط الوزارات، وضربت الرقم القياسي بعد الحرب العالمية الثانية في عدد الذين تولوا رئاسة الحكومة فيها، كما ضربت الرقم القياسي في عدد الأسابيع التي قضتها دون حكومة، وفي عدد الرؤساء المعينين الذين أخفقوا في أداء المهمة التي يعهد إليهم بها رئيس الجمهورية.
وقد دخل عامل جديد على الموضوع منذ سنة 1954 كان له بالغ الأثر في إسقاط الحكومات الفرنسية، هو عامل الحرب في الجزائر، إذ لم تستطع فرنسا أن تنجب زعيما تؤهله صفاته لمواجهة مشكلة الجزائر مواجهة صريحة، بقطع النظر عن كل الاعتبارات الجزئية التي صرفت سائر رؤساء الحكومات عن جوهر مشكلة الجزائر إلى القشور والشكليات، وتعيد فرنسا في الجزائر كل التجارب التي مرت بها في تونس والمغرب وهي تحاول عبثا -ومشكلة الجزائر أكثر تعقدا- أن تحلها على نفس الطريقة التي فشلت في أن تحل بها قضية البلدين المستقلين، وتكوم فرنسا في قضية الجزائر الأغلاط تلو الأغلاط، فتزيدها بذلك بعدا عن الحل الطبيعي، لأنها في الواقع تكوم الحطب فوق نيران الحرب المستعرة، الأمر الذي يتطور بقضية هذه البلاد إلى وضعية لا حل لها إلا بما حلت به قضية الهند الصينية، وإذا تطورت القضية الجزائرية إلى هذه النهاية التي يجعلها موقف فرنسا نهاية محتومة فسوف تكون نتائجها على الجمهورية الفرنسية أخطر جدا من النهاية في الهند الصينية.
وقد أصبح من الواضح منذ زمن أن القواعد الدستورية التي تسير عليها فرنسا، تمكن للأحزاب في البرلمان، وتجعل حصول جانب على أغلبية ساحقة يستطيع بها أن ينتهج سياسة إنشائية متحررة، أمرا يكاد يكون مستحيلا، وقد فطن الفرنسيون أنفسهم إلى ذلك، ومن الموضوعات التي سوف يكون على رئيس الحكومة الجديدة أن يواجهها موضوع تغيير الدستور.
وإذا كانت الأزمة الجزائرية هي التي طوحت بالحكومة الفرنسية السابقة فقد تطورت الأزمة بعد سقوط هذه الحكومة وأصبحت تشمل وضعية البلاد الاقتصادية.
وهكذا ترث كل حكومة لاحقة في فرنسا مشاكل أفدح من كل حكومة سابقة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here