islamaumaroc

تاريخ الأدب الجغرافي العربي (كتاب لكراتشوفسكي)

  دعوة الحق

77 العدد

هــنــــاك
في عالم الاستشراق مدارس أخذت طابعها واتجاهها في البحث عن تاريخ الشرق وحضارته منذ أن أصبح الاستشراق ذا مكانة مرموقة في المعاهد والجامعات الأوربية.
وقد امتازت المدرسة الروسية في الاستشراق بعمق البحث ودقة النظر. والبحث في حضارة شعوب آسيا الوسطى والحضارة البيزنطية.. وقد أصاب إعلام الاستشراق الروسي كما يصيب غيرهم من إعلام الاستشراق في الأمم الأخرى.. واخطاوا كما يخطئ غيرهم.. ووراء صوابهم وخطئهم تمكن الحقيقة التي هي وليدة البحث..
والكتاب الذي بين أيدينا اليوم هو (تاريخ الأدب الجغرافي العربي) وهو من تأليف المستشرق الروسي الشهير (كراتشكوفسكي) المتوفى سنة 1951م.. وقد قراناه في ترجمته العربية التي قام بها صلاح عثمان هاشم من الخرطوم عاصمة السودان. باختيار الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية. وطبع بالقاهرة آخر سنة 1963م.
والكتاب سفر ضخم تتجاوز صفحاته 460 صفحة من القطع الكبير.. شغل المؤلف به نفسه ما يقرب من سبع سنوات من سنة 1938م إلى سنة 1945م وكتب قسما منه في لينينغراد والألمان على أبوابها في الحرب العالمية الثانية... وحالت منيته دون إتمام فصله الأخير المتعلق بالقرن الثامن والتاسع عشر...
ولنرافق مؤلف الكتاب في جولته الاستقصائية عبر تاريخ الحضارة الإسلامية يوم كان رواد المعرفة من طلاب العلم، وحملة الشريعة وعشاق البحث وإبطال المغامرات يجوبون المجاهل والمفازات ويعانون أعاصير البحار والمحيطات في إرجاء العالم المعروف الآن، المجهول إذ ذاك.
ولنرافق موضوع الكتاب في دراسته الواسعة للأدب الجغرافي العربي في أقلام إعلام الجغرافيين والرحالين والمغامرين الذين ارتادوا صحاري إفريقيا.. وممالك أوربا وآسيا وجزائر المحيطات النائية بوسائل وإمكانيات محدودة. ولكنها كانت مفيدة..
ولتكن هذه الصفحات من الأدب الجغرافي العربي دليلا-لمن كان يلتمس الدليل- على اتساع آفاق الأدب العربي في ضروب من المعرفة والثقافة والبحث إلى جانب ما يمتاز به من ربط حلقات الثقافة والحضارة... واستيعاب منابع الفكر الإنساني. مع استجابة، وانسجام. وأخذ وعطاء..
ولنعط الكلمة الآن لهذا المستشرق الروسي ليتحدث في مدخل كتابه بعرض عام للموضوع فيقول:
«أن المكانة المرموقة التي تشغلها الحضارة العربية في تاريخ البشرية لأمر مسلم به من الجميع في عصرنا هذا. وقد وضح بجلاء في الخمسين عاما الأخيرة فضل العرب في تطوير جميع تلك العلوم التي اشتقت لنفسها طرقا ومسالك جديدة في العصور الوسطى. ولا زالت حية إلى أيامنا هذه-اعني علوم الفيزياء والرياضيات والكيمياء والبيولوجيا والجيولوجيا- أما فيما يتعلق بالأدب الفني العالمي فان العرب قد أسهموا فيه ينصبب وافر يمثل جزاءا أساسيا من التراث العام للبشرية كما امتد تأثيرهم كذلك إلى عدد كبير من المصنفات والفنون الأدبية التي نشأت في بيئات غير عربية.
«وبالطبع ليس في وسع جميع الفنون المختلفة للأدب العربي الحافل أن تدعي لنفسها مكانة واحدة من حيث القيمة. ومن حيث الأهمية العلمية. وإذا كان بعضها مثل علم اللغة والعلوم الشرعية يمثل موضوعا لدراسات المتخصصين. الأمر الذي لا يمنع بالطبع من أهمية استقراءاتهم. في حالات معينة بالنسبة للنواحي العريضة في تاريخ الحضارة إلا أن عددا من فروع الأدب العربي قد اكتسب أهمية تجاوزت بكثير حدود اختصاصاته الضيقة.. ولعل هذا يصدق قبل كل شيء على الأدب التاريخي والجغرافي العربي الذي اعترف العلماء به منذ عهد بعيد بأنه المصدر الأساسي والموثوق به في دراسة ماضي العالم الإسلامي. إذ تتوفر فيه مادة لا ينضب معينها لا للمؤرخ والجغرافي فحسب. بل أيضا لعلماء الاجتماع والاقتصاد ومؤرخي الأدب والعلم والدين وللغويين وعلماء الطبيعة ولا يقتصر محيط الأدب الجغرافي العربي على البلاد العربية وحدها بل يمدنا بمعلومات من الدرجة الأولى عن جميع البلاد التي بلغها العرب أو التي تجمعت لديهم معلومات عنها. وذلك بنفس الصورة المتنوعة التي وصفوا بها بلاد الإسلام.. وقد يحدث أحيانا أن تمثل المادة الجغرافية العربية أما المصدر الوحيد أو الأهم لتاريخ حقبة معينة لقطر ما..»
هكذا يقبل هذا المؤلف على دراسة موضوع الأدب الجغرافي عند العرب وهكذا يقدر أهمية هذا الإنتاج باعتباره إنسانيا لا يهم العرب وحدهم ولا يشغل حيزا معينا من أدبهم ولكنه في نفس الوقت يحتفظ لفكر البشري والثقافة الإنسانية العمة بجواهر ثمينة ورصيد قيم خالد لا تبليه الأيام...
ولعله من المفيد أن نستعرض المهم من فصول الكتاب لنرى عمقها في البحث والدراسة بعد أن عرفنا المدخل الذي قدمه المؤلف لتصوير الموضوع وأهميته ومنهجيته...
بدأ المؤلف فصله الأول بالبحث في الجغرافيا عند العرب قبل ظهور المصنفات الجغرافية.. وهذا الجانب من الموضوع له مادة خصبة في الشعر الجاهلي وأيام العرب وإخبارهم وأنسابهم وقد شحنت كتب اللغة والتاريخ والأنساب والأدب القديم بأسماء المسالك والمفازات والصحاري والوديان والجبال والدارات والإحساء والحرات... ولا تخلو قصيدة من الشعر الجاهلي من ذكر عدة إعلام جغرافية عرف اللغويون منها شيئا وغابت عنهم أشياء.. الأمر الذي استدعى من الباحثين تأليف كتب خاصة لضبط هذه الإعلام وبيان مواقعها من جزيرة العرب مستعينين على ذلك بالشعر الجاهلي نفسه.. وجاء المؤلف فاستعمل هذه المادة الشعرية في بحث ونقل الشيء الكثير مما دونه رواة الأدب واللغة وما ضمته المعاجم والمجاميع..
ولا يكتفي بتدوين معلومات العرب في الجغرافيا الوصفية ولكنه يتعدى ذلك إلى الفلك والسماء والنجوم والأنواء وما كان للعرب في ذلك من أساطير وتجارب توارثوها جيلا بعد جيل. وبنوا عليها كثيرا من تصرفاتهم ومعتقداتهم...
ويعتمد المؤلف في ذلك على عمدة المستشرقين في علم الفلك عند العرب «نالينو الإيطالي» الذي كان أستاذا بالجامعة المصرية القديمة... واخذ عنه المؤلف أيام إقامته بالشرق العربي من اجل الدراسة والاطلاع على تراث العرب والإسلام...
ويبدو أن المؤلف مولع بالاستقصاء والتتبع فبحث عن الجغرافيا في القرآن... وهنا زلت به القدم حيث حسب أن الكتاب العزيز كتاب علم بدون الحقائق العلمية المجردة. مع انه قبل كل شيء كتاب هداية وإرشاد إلى العقيدة الصحيحة والسلوك المستقيم... وفيه من حقائق العلم ما يساعد هذه الهداية ويكمل هذا الإرشاد...
وعند انتقاله إلى البحث الجغرافي عند العرب في صدر الإسلام والدولة الأموية يتحفنا المؤلف بنصوص ومعلومات دقيقة ومفيدة عن الامتداد العربي في الفتح والكيفية التي كانت تجمع بها المعلومات الجغرافية عن الأقاليم التي سيدور فيها عمليات الغزو... والتي ستصبح مركز للاستيطان ولقامة المدن والمركز الحربية والتجارية...
وقد نقل عن المسعودي إن عمر بن الخطاب كان يستفسر دائما قواده وذوي الرأي والمعرفة عن جغرافية الأقاليم المفتوحة لينظم خططه على ضوئها...
«وقد ورد أن عمر بن الخطاب حين فتح الله البلاد على المسلمين من العراق والشام ومصر وغير ذلك من الأرض كتب إلى بعض حكام ذلك العصر. أنا أناس عرب وقد فتح الله علينا البلاد ونريد أن نتبوأ الأرض ونسكن الأمصار فصف لي المدن واهويتها. ومساكنها وما يؤثره التراب والاهواية في سكانها»
ورد عليه «الحكم» يوصف الشام ومصر والعراق والجبال وخرسان وفارس والجزيرة... وتوقف عن وصف الهند والصين وأرض الروم...
أما في العصر الأموي وهو عصر الفتوح الواسعة فان العرب ضبطوا المسافات ونظموا المسالك والبريد وأقاموا على جانبها حجارة لتوضيح المسافات.!. وهي ما يسمى بالأميال وكانت تبدأ من مركز الخلافة في دمشق... وقد عثر على بعض هذه الحجارة بفلسطين وترجع إلى عهد عبد الملك بن مروان (أي قبل 86هـ) كما أن المؤلف يرد ظهور المصورات الجغرافية إلى هذا العصر... حيث بدأت الضرورة في الميدانين الإداري والاقتصادي تفرض ذلك على القواد والولاة والجباة والفاتحين...
وفي الفصل الثاني ينتقل المؤلف بنا إلى الجغرافيا العلمية عند العرب... وهون يعني بذلك اتساع آفاق البحث بسبب الترجمة عن اللغة اليونانية وظهور أبحاث الجغرافيين الفلكيين اليونان والهنود والسريان... وقد لعب المنجمون وهم خليط من رجال العلم والشعوذة والأساطير دورا خطيرا في الحياة إذ ذاك... وسيطروا على عدد من رجال الحكم والسياسة بما كانوا يتحدثون به عن عوامل السعد والنحس حتى قال أبو تمام مادحا الخليفة المعتصم العباسي يوم تحدى هؤلاء وذهب لفتح «عمورية» رغم اندارهم له بأنه سينهزم...

السيف اصـدق أنباء مـن الكتـب
               فـي حده الحد بيــن الـجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصفائف في
               متونهن جــلاء الشـك والريــب
والعلم في شهب الارماح لامعة
               بين الخمسين لا في السبعة الشهـب
أين الرواية؟ بل أين النجوم وما
               صاغوه من زخرف فيها ومن كـذب

فالبحث الجغرافي اخذ طريقة البحث عن الحقائق كما اخذ طريقة أخرى بسبب الأسطورة والشعوذة...
ولكن هذا كان كله في البداية. ولم تلبث الحقيقة أن قهرت الأسطورة. ولم يلبث الفكر العربي الناضج أنشق طريقه إلى الابتكار والتجديد فدونت الأبحاث العربية في ميدان الفلك ثم  في ميدان الجغرافية الوصفية والرحلات والمسالك والممالك..
ولئن كان التأثير اليوناني باديا فيما أخذه العرب من المعلومات في الفلك فان الابتكار العربي في الميادين الأخرى عظيم الأهمية...ولا سيما في دراسة الإبعاد والمسافات ومعرفة الممالك والأقاليم وخطوط عرضها وطولها... بالإضافة إلى استكشاف المجاهل والجزائر النائية والأقاليم المهجورة...
وفي الفصول: الثالث والرابع والخامس والسادس تناول المؤلف بالجمع والاستقصاء المدارس الجغرافية ومميزاتها في البحث والتدوين.. وقد رجع فيذلك إلى عشرات المصادر بالعربية واللغات الأجنبية فجمع ما تفرق هنا وهناك جمعا غريبا..تناوله بالمقارنة والاستنتاج مما يعد مثاليا في الموضوع:
والغريب أن المؤلف في هذه الفصول وسع مفهوم الأدب الجغرافي فحشر فيه الأرصاد الجوية. والأبحاث الفلكية والزيجات والجداول وكل ما يمت إلى الجغرافية بصلة ما... وكثيرا ما ينسى موضعية البحث الذي يعالجه فينغمر في عدة ملاحظات وآراء ذاتية فيها إعجاب بعباقرة الجغرافيين والرحالين المسلمين ثم يرجع وكأنه يحمل مصباحا جديدا ينير لنا به الطريق ولا يدع قصة من قصص المغامرات البرية أو البحرية إلا ويتتبع روايتها في نطاق الحقائق والأساطير و-الفولكلور- كما فعل في قصة الفتية المعروفة بقصة (المغرورين الذين خرجوا من لشبونة في المحيط الاطلنتيكي وغامروا في البحر مغامرة قبل أن الغرض منها كان استكشاف العالم الجديد قبل (كلومبس) بقرون..!!
ويناقش المؤلفين الرحالين كالمسعودي والمقدسي والاصطخري وابن حوقل ويعطينا ملاحظات دقيقة عما في مؤلفاتهم من عمق وسطحية وحقيقة وخيال متتبعا الترتيب الزمني عبر القرون... وذلك في الفصول: السابع والثامن والتاسع...
وجدير بالملاحظة أن المؤلف يريد أن يجعل الرحالين في القرن الرابع والخامس مدرسة (كلاسيكية) في الأدب الجغرافي.. لما طبعوا به هذا الفن من طابع ظل ملازما له إلى نهاية العصور الوسطى..)
وينتقل المؤلف إلى البحث عن الجغرافيين والرحالين المغاربة والأندلسيين وهذا الموضوع يهمنا بالذات. أن نعرف آراء المؤلف فيه ويناقشها على ضوء ما عندنا من معلومات..
ولكن مع الأسف فان الفصل العاشر من الكتاب الذي يتناول الجغرافي القرنين الحادي عشر والثاني عشر بالمغرب والأندلس.. لم يأت فيه المؤلف بشيء زائد عن استعراض حياة البكري والتدريسي وإنتاجهما مع عرض عن كتاب «الاستبصار» الذي ألف في المغرب على عهد دولة الموحدين.. بقلم مؤلف ما زال يعتبر مجهولا إلى الآن...ويلاحظ أن المؤلف لم يربط حلقات الموضوع هنا كما ربطها في الفصول الأخرى فلم يشر إلى رحلة يحيي الغزال إلى أوربا وما أحاط بها من إخبار وأساطير..
ومن حسن الحظ أن هذا الموضوع قد قراناه بقلم الدكتور حسين مؤنس في مجلة «الدراسات الإسلامية» بمدريد وقد أحاطنا علما بأشياء لم يتيسر لمؤلفنا هذا أن يدونها في كتابه.. وهي معلومات على جانب كبير من الأهمية في الآداب الجغرافي والتاريخي..
وكان المؤلف على موعد آخر مع الجغرافيين والرحالين في الأندلس والمغرب العربي في فصوله التالية... حيث حدثنا عن ابن سعيد ومؤلفته ورحلاته ثم العبدري إلحاحي*..
وقد كرر المؤلف الخطأ الشهير في انتساب هذا الرحالة المغربي إلحاحي إلى بلنسية..! كما ظن أن الذي رافقه في رحلته ابنه محمد.. مع أن الواقع الذي يذكره المؤلف في رحلته المخطوطة هو انه رافقه أخوه يحيي..
ويختم المؤلف حديثه عن العبدري باحتمال طريف في بابه وهو أن يكون المؤلف المعروف بابن الحاج صاحب كتاب (المدخل) ابنا للرحالة العبدري...؟!
فكلاهما مجهول الترجمة..!! وكلاهما عبدري..؟!
وقد توفي الأول بحاجة قريبا من مدينة الصويرة بينما اقبر الثاني في مصر...
وهذا الاحتمال لا يعدو نطاق التخمين ولعل الأيام تعطي حكمها البات في الموضوع عندما نطلع على ترجمة دقيقة لأحدهما..
ومن العسير أن نستعرض جميع فصول الكتاب ولكن يحب أن نقول أن مطالعة هذا الكتاب ودراسة فصوله لم تزدنا إلا اقتناعا باتساع آفاق الأدب الجغرافي عند العرب في مشرق الأرض ومغربها...
كما أنها قدمت لنا بحث المؤلف في إطار من الموضوعية والإحاطة والاستيعاب في جل الفصول التي تناولها في كتابه الطريف..
والكتاب بعد هذا عمدة للدارسين.. ومرجع للباحثين...


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here