islamaumaroc

حاجتنا إلى تفكير مغربي.-1-

  دعوة الحق

77 العدد

لا أريد أن يتسرب إلى ذهن بعض القراء أني اقصد من وراء هذا البحث أن أضع حدودا للتفكير الإنساني أو أن أدعو إلى «المحلية» في التفكير والثقافة والعلم والأدب. فاني بعيد من الذين يدعون إلى التضييق الفكري بريء من حزبهم ولكن غرضي الأسمى هو أن لا نخرج بفكرنا نحن المثقفين المغاربة عن الاهتمام بقضايا الوطن وشؤون المواطنين وان لا نغوص في أحاديث لا تتجاوب مع مطالب مجتمعنا وآمال قومنا ومتمنيات إخواننا المواطنين كما أن الغاية القصوى من هذه العجالة هي الدعوة عدم استراد الأفكار من الخارج ومحاولة تطبيقها في بلادنا رغم ما لبلادنا من حدود لا يمكن أن تتجاوزها وطاقات لا تستطيع أن تفوقها وإمكانيات بشرية وطبيعية من الصعب حملها على ما لا تستطيعه وإقحام وطننا في كل ما هو في منأى عنه. وقد عرف المغرب قبل الاستقلال وبعده على الخصوص محاولات كثيرة في هذا السبيل كان قصد أصحابها بث بعض الأفكار الغربية والنظريات الأجنبية الجليلة في حد ذاتها ولكن هذه المحاولات ذهبت أدراج الرياح لأنها وإن وجدت من جماهيرنا آذانا صاغية وقلوبا واعية، كانت من القوة والمنعة بحيث لم تستطيع أن تلتحم مع شعور المواطنين ولا أن تتجاوب مع مطالبهم ورغباتهم.
وقد أدرك جميع المثقفين أن هذه المحاولات لم تستطيع أن تنفذ إلى أعماق المواطنين لأنها كانت كبيرة عليهم عظيمة بالنسبة لطاقة إدراكهم وتفكيرهم رغم محاولاتهم اليائسة للأخذ بإرسالها والعض عليها بالنواجذ.
و لكن إني لهؤلاء المواطنين أن ينصهروا مع أفكار منتحلة بعيدة عن طبيعة المغربية متباينة وميول الجماهير في بلادنا متباعدة عن كل ما ألفه المواطن المغربي منذ عرف أن المغرب وطنه الذي نشا فيه وترعرع وتربى فوق ترابه.
وقد اتفق علماء الاجتماع على حقيقة لا تقبل الرد وهي أن المجتمعات البشرية لا تستطيع أن تهضم من المبادئ والأفكار إلا ما يوافق طبيعة أعضائها ومناخ أقطارها بل ذهب البعض من هؤلاء إلى اعتبار هذه الحقيقة قاعدة يقاس عليها في كل شيء، وأدى حب التدقيق والإيضاح بعضهم إلى تعداد مميزات بعض الشعوب وسماتها وخصائصها ومحاولة الموافقة بينها وبين طبيعة هذه الشعوب الفيزيقية والجوية والأرضية.
وبلادنا التي تجتاز في هذه الظروف مرحلة دقيقة من تاريخ تطورها في حاجة ماسة إلى من يعتني بشؤونها فيعكف على دراسة خصائصها ومميزاتها وينكب على التحقيق والعمل المتواصل في إطار ذاتيتها وفي نطاق إقليميتها. فالمغرب بلاد فتية لا زالت تجري في عروق أبنائها دماء الفتوة والحيوية والنشاط وهو ينتظر من أبنائه في هذه المرحلة الحاسمة مرحلة البناء والتشييد سواعد وطنية وعضلات مغربية تعرف طبيعة أرضها وفتوة ترتبها وصفات أحجارها ومميزات مائها وعلة هوائها حتى لا يكون هذا البناء موضوعا على أساس غير متين ودعائم غير مرصوصة وحتى يضع اللبنات بناة وطنيون فكرة وعقيدة وأساء مغاربة يعرفون أسرار السداء وخفاياه حتى يسهل عليهم إيجاد أنجع الدواء وأطيبه.
والمغرب في هذه الفترة الحاسمة يتطلب مجهودات جبارة لتحسين أحواله الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وهو أمام اختيارات صعبة لأنه يشاهد التجارب التي تقوم بها عدد من الدول والشعوب في العالم ويراقب عن كثب النتائج التي ستتمخض عنها هذه التجارب في مختلف الميادين وليس من الممكن أن تبقى بلادنا مشدوهة أمام تجارب الغير بل لابد لها أن تخط لنفسها خطة وتضع منهاجا تسير على ضوئه ولكن نجاح هذه الخطة رهن من سيقوم بها ومتوقف على الأفكار البشرية التي ستهتم بوضعها. ومن هنا ستبدو لنا الصعوبة التي تلقاها بعض التجارب التي لا تتفق وعقلية الشعوب التي تجري بها والتي لا تجد أصداء شعبية تباركها لأنها كثيرا ما تكون بعيدة عن روح هذه الشعوب مخالفة لامالها العظيمة وأمانيها الجسيمة متحدية لشعورها الوطني متناقضة مع ميولها الفطرية ومشاعرها الطبيعية.
وليس غريبا أن نرى بعض التجارب تخفق رغم إخلاص القائمين بها وتفشل بالرغم عن حسن النية عند أصحابها لأنها كانت عبارة عن نقل أشياء من الخارج فتن بها الاغمار وحاولوا قسرا، تطبيقها في ارض أجنبية عنها.
وكثيرا ما يعتقد بعض المغفلين أن الإنسانية طبيعة واحدة لا يشذ عنها إلا سكان بعض النواحي النائية في الكرة الأرضية نظرا لوجودهم في مناخ مخالف للمناخ العام وطقس عنيد متباين مع طقس المعتدل الذي يشمل جل أركان المعمور، وقد تبدو هذه الفكرة وجيهة في حد ذاتها لان ربوعا كثيرة من العالم يشملها طقس مماثل ومناخ مقابل مع اختلاف غير قليل في الحرارة والرطوبة وتباين لا يستهان به في الارتفاع والانحدار اللهم إلا ما كان من بعض الجهات النائية كالأقطار المجاورة القطبين وبعض البلدان التي لا تعدو صحارى قاحلة وغابات متكاثفة والتي لم تستطيع سكانها الأصليون الخروج من حياتهم البدائية إلى حياة مدنية راقية رغم وصول أشعة الحضارة الإنسانية إليهم وأنوار المدنية البشرية إلى جوارهم. ولكن نقطة الخلاف في الموضوع هي أن هؤلاء المغفلين لم يعتبروا شيئا حسبوه يسيرا وما هو باليسير في اختلاف هذه الشعوب وهو التباين الموجود في العقلية التباعد الواضح في التفكير والتنافي الكامل في الطباع، فهل يعقل أن يطيق في إفريقيا ما يطبق في آسيا في كل من أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية؟ كلا ثم كلا! والله..
لقد حاولت الصين أن تقتفي آثار روسيا السوفيتية في السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع ولما وصلت إلى نصف الطريق وجدت نفسها في خلاف كامل مع قدوتها بل أن الخلاف ما عتم أن تقوى وتعزز حتى أصبح يهدد الكتلة الشيوعية كلها لأنه لكل من البلدان عقلية خاصة ولم يستطع احد منهما أن يتقمص شخصية الآخر ولا أن يطبق سياسته بالحرف فنشأ عن ذلك نزاع شديد وخصام عتيد قد يهدد النظام الشيوعي برمته.
ويا ليت المفكرين يعتبرون بهذا المثال الحي الذي مافتئ يصرخ في وجوهنا جميعا مؤكدا أن لكل بلاد عقلية ذاتية يجب أن تحترم وتفكيرا محليا ينبغي أن يقدر ويعظم.
ولعل ميدان الفكر والثقافة أوضح ميدان يتعين فيه على الإنسان أن يعتبر هذه الحقيقة ولا يعدو طورها. ولعل عدم وعينا لهذه الحقيقة هو السبب فيما يعترض تطورنا الثقافي من عقبات كأداء ما زلنا لم نستطع حتى الآن أن نتخطاها وحواجز شائكة لم نقدر بعد على التغلب عليها..
فقد احتكر النشاط الثقافي في بلادنا فريقان تتنافى ميول الواحد منهما ميول الأخر وظن كل حزب منهما أن الصواب ما أرتاه أفراده وطبقوه وان الضلال كل الضلال في أتباع منهج الفريق الثاني.
أما احدهما فقد استمسك بالثقافة العربية الأصلية معتبرا أنها خير مخرج لبلادنا من ظلمات الجهل والجمود إلى نور المعرفة والحيوية، فعكف المنتمون إليه على دراسة ثراتنا العربي القديم وإبراز أعظم جوانبه الخفية التي طمستها معالم الحضارة المعاصرة وأشباح التيارات الفكرية الجديدة. وقد تخصص أصحاب هذا الفريق الأول أو كادوا يتخصصون في القيام بدراسات تاريخية قيمة وأبحاث لغوية متينة واقتباسات فكرية قديمة ونظرات في الأدب الفكري الكامل تاركين، ظهريا، كل ما له مساس يحاضرنا الذي يهمنا أمره وتجرنا عجلته معرضين كامل الأعراض عن كل إنتاج حي يتلاءم ووضعنا الثقافة الحالي ويضع الخطط لمستقبل حضاري زاهر.
أما الفريق الثاني فقد اقبل على الثقافة الحديثة إقبال المتعطش الهيمان على الماء القراح وتهافت إشباعه وإتباعه الكثيرون على كل ما تنتجه المطابع الغربية والأجنبية بالقراءة والدراسة والمطالعة والتمعن واللهفة والتذوق معتقدين انه أحسن ما يتمعن على مثقفي العصر أن يقرأوه ويتدارسوه ويتمعنوه ويتفهموه بل ذهب الطيش والخطل ببعضهم إلى اعتبار هذه الثقافة الحديثة وحيا منزلا وكتابا مقدرا وقضاء مقضيا من اخذ به نجا ومن خالفه غوى. أما الدراسات اللغوية والأبحاث التاريخية فإنها لا تخرج في نظر أصحاب هذا الفريق عن اجترار أغذية قديمة أن لم تكن قد فقدت الطعم فإنها قد فقدت على الأقل المواد المقوية التي كانت تحتوي عليها في زمانها الغابر والفيتامينات التي كانت تتوفر عليها في عهدها الماضي.

                                       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here