islamaumaroc

ندرة النبوغ الأدبي في الجيل الحاضر

  دعوة الحق

77 العدد

نظرة عامة شاملة يلقيها الباحث على الإنتاج الأدبي في المغرب في الحقبة الأخيرة، تتكشف له عن ندرة النبوغ في الأدب المغربي الحديث، الأمر الذي يدعوا إلى أن نتساءل عن الأسباب التي أدب هذه الفترة بالضحالة، وقعدت بأدبائنا أثناءها عن اللحاق بإخوانهم في البلاد العربية الأخرى، فكل ظاهرة ادبية ليست الا صدى للمؤتمرات الباعثة عليها، والتي ترد إليها عند الدرس.
ونبدأ بنفي النهمة التي قد توجه إلى المغرب من حيث طبيعته، فهو ذي حاد الذكاء سخي الطبع، مستوفز الحسن قوي الشعور، سريع التطور، شديد الإقبال على الجديد.
فالمغرب استجاب للحضارة الإسلامية الوالدة عليه من الشرق، واندمج فيها، وتفاعل معها، وكيفها حسب طبيعته، وأحواله الاجتماعية، وبيئته الطبيعية، حتى أصبح المغربي يصدر للحضارة إلى الخارج، في فنونه وصناعاته اليدوية البارعة، وهو قد ورث الحضارة الاندلسية فتبناها واحتضنها وحافظ لها لونها الممتاز وطابعها الأصيل، في الموسيقى والنقش والعمارة، وفي الأدب والعلوم، فكان الفضل راجعا إليهفي الحفاظ على الثرات الاندلسي وصيانته من الضياع، وفي ذلك دليل على حيوية المغربي وروحه الفنية، فصيانة الفن كخلقه وإبداعه، كلامها دليل على سمو النازع وجمال الطبع ورقة الذوق، وفي العصر الحديث نشاهد المغربي يهضم الحضارة العربية، يأخذ منها أحسن ما فيها، ويحاول أن يوفق بينها وبين مطالب البيئة التي يعيش فيها، وبينها وبين ثاراته القومي، وإذا كان البعض قد خانه التوفيق في هذا الصدد، فاندفع وراء تلك الحضارة اندفاع الأعمى، وتجاهل وثراته القومي، فليس الأمر كذلك بالنسبة إلى المجموع، والمغرب عاطفي بطبعه-والعاطفة مادة الأدب الحية- سريع التأثير، قوي الاستجابة لما يحبطه من المؤثرات، برئ من جمود الطبع ومن برودة الدم، وهذا علة كثرة الفتن والثورات والقلائل الاجتماعية والسياسية التي كان المغرب مسرحا لها طيلة تاريخه.
وكما نفينا التهمة عن طبيعة المغربي، فإننا تنفي تهمة أخرى عن طبيعة البلاد المغربية، فهي ليست بالجافة ولا بلاقاحلة، أنها جنات تجري من تحتها الأنهار، جبال شامخة تملا النفس بالعظمة،ومروج خضر هي عبارة عن زرا بي مبثوثة تكون فتنة للناظرين، وأودية تهب الخير والبركات عن يمين وشمال، وبحيرات لو اختصر البحر لكان إياها، سعة في جبال، وتدفقا في تطامن، وثلوج تكسو قمم الجبال فتجللها ببياض ناصع نقي كنقاء القلب الطيب والنية الخالصة، وغير ذلك كثير، فهي طبيعة خلقية بالملح والعطاء جديرة بان تلهم النفوس قوة الشاعرية، وتقدم للأديب مادة لا تنفذ، ليصوغ منها أروع آياته، ولو استجيب لطبيعة بلادنا لكان لنا في كل خميلة شاعر، وعلى كل غصن بلبل غريد.
وأذن فما علة ندرة النبوغ الأدبي في المغرب في الحقبة الأخيرة؟ لقد عرفنا أن الأمر لا يتعلق بجمود في طبع المغربي، لأولا بجفاف في طبيعة بلاده، فما السبب إذن؟ هناك بعض من يعللون هذه الظاهرة بكون المغاربة صرفوا كل عنايتهم إلى الفقه، على حساب الناحية الأدبية، الآمر الذي أصاب الحياة الأدبية في المغرب بالعقم، وأنا اشك كثيرا في قيمة هذا التعليل، فالمغرب كان-ولا يزال- بلاد أدب، كما هو بلاد فقه، وملوك المغرب على اختلاف العصور كانوا يشجعون الحركات الأدبية، ويقربون الادباء الافذاء اليهم، ويهيئون لهم الظروف الحسنة، ليتحفوا الناس بأدبهم، باستثناء بعض الفترات التي تصادف بدا تاسيس الدول، إذ أن مشاغل رجال الدولة تستنفذ كل طاقتهم، فلا يجدون متسعا من الوقت للاستماع إلى تطريب القصيد، وقد آن الأوان لينهض الباحثون عندنا بالكشف عن الحركات الأدبية في تاريخ المغرب لدفع هذه التهمة الخطيرة وهي أن المغرب كان بلاد فقه، ولم يكن بلاد أدب وان الفقه جنى على الأدب في المغرب جناية كبرى، بحيث أوشكت هذه الفكرة أن تتحول إلى عقيدة راسخة.
يجب أن نعرف أولا وقبل كل شيء، أن النبوغ في ذاته ظاهرة فردية ترجع إلى مزاج الفرد وطبيعته الخاصة، وعوامله النفسية التي زال علم النفس لم يقل كلمته الجازمة فيها، بالرغم من التقدم الذي حققه في هذا العصر، ففي نفس الإنسانية مناطق وأسرار لم يخضعها العلم بعد لسلطانه، النبوغ لا يعلل بتقدم اجتماعي أو ثقافي أو اقتصادي أو سياسي، فقد يكون هناك تقدم في كل هذه الميادين ولا نبوغ، وقد لا يكون تقدم ما ويكون النبوغ، العرب الجاهليون-مثلا- كانوا متأخرين في النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية، وكان مع ذلك عندهم نبوغ في الميدان الأدبي، فما زهير زعيم مدرسة الصنعة، وما عنترة صاحب الملامح الشهيرة. وما امرؤ القيس واضع أسس القصيدة العربية، وما النابغة الذبياني سيد من اعتذر في الشعر العربي، ما هؤلاء كلهم إلا أبناء بيئة متأخرة من جميع الوجوه إلا من الوجهة الأدبية، النبوغ إذن كما قلنا ظاهرة فردية محضة، تخضع لمؤثرات ما زال الكثير منها غامضا لحد الآن، يتجلى هذا الغموض في الحيرة التي تصيبنا عندما تلقى على نفسنا هذا السؤال: ما السر في أن أدبيين ينشان في بيئة واحدة وعصر واحد، ويتلقان ثقافة واحدة، ومع ذلك ترى احدهما غارعا السماكين، بينما الآخر لاصق بالحضيض، فعندما نعجز عن معرفة السر، نقول هذه الكلمة التقليدية التي لا تحقق شيئا: انه النبوغ، أو إنها العبقرية.
ولكن إذا كان الوسط لا يخلق النبوغ، فانه يؤثر فيه ويوجهه، فهناك الوسط الذي يهيئ الجو لموهبة النبوغ لتظهر وتتفتح، فهو يساعدها على النمو، ويمد لها في أسباب النضج، لتستحيل إلى قوة دافعة في المحيط الأدبي، وعلى العكس من ذلك هناك الوسط الذي يقف حجر عثرة في طريق النبوغ، فهو يحيطه بشتى العراقيل التي تصده عن البروز، فيبقى مكبوتا في الفرد، ليظهر في شكل انحراف، والحقيقة التي يجب أن تقولها هناك بكل صراحة، هي أن الوسط المغربي لا يستعمر النبوغ، ولا يحسن توجيهه، ولا يمهد له السبل، وأنا استعمل هنا كلمة (الوسط) في معناها الواسع الشامل، الذي تدخل فيه القطاعات الخاصة والعامة في الهيئة الاجتماعية، بما في ذلك طرق التربية والتعليم، ونوع الثقافة السائدة، ونسبة المثقفين إلى الاميين، ووجهة الثقافة، وكيفية تنظيم الصحافة، ومقدار الصحف والمجلات والأغراض التي تخدمها، وكذا النوادي الأدبية، ومبلغ تعطش منها غامضا لحد الآن، يتجلى هذا الغموض في الحيرة التي الجمهور للقراءة، او مبلغ انصرافه عنها إلى ما هو من هذا القبيل.
نعم هناك نوع من النبوغ الجبار الذي يتغلب على الوسط العائق، ويشق طريقه في اندفاع وقوة، متخطيا كل العقبات التي تواجهه، حتى يصبح شيئا مذكورا يعترف به الجميع، ويبسط سلطانه وهيمنته على الحياة الأدبية، والنوابغ الذين من هذا النوع أقلية في جميع الأجيال، ولو رزق جلينا واحدا منهم لملا الدنيا وشغل الناس، ولو قامت في وجهه ألف عقبة وعقبة، انه الحظ السيئ الذي حرم جيلنا من مثل ذلك النابغة القوى الجبار.
ومما يستأنس به الصدد أن الشكوى من ندرة النبوغ في الجيل قد شغلت الصحافة في مصر منذ وقت بعيد، فتحضرني الآن تلك المناقشات التي دارت على صفحات (الرسالة) بين الأستاذ العقاد والأستاذ احمد أمين- أن لم تغني الذاكرة- حول ندرة البطولة في جيلهما، بالنسبة للأجيال الماضية، عند الاستاذ العقاد رحمه الله أن من الظلم أن نقيس الجيل الحاضر إلى كل الأجيال الماضية، والعصر الحاضر إلى كل العصور الغابرة، وان من اللائق أن نأخذ خمسين سنة-مثلا-من العصور القديمة، وتقاربها بخمسين سنة من العصر الحديث، فهذه المقابلة هي التي تصحح رأينا في تقدير الجيل الحاضر وحكمنا عليه بأنصاف وقسطاس مستقيم، ذلك هو رأي المرحوم الأستاذ العقاد، قال به منذ عدة سنين، بما عهد فيه من قوة العرضة، ووضوح الحجة، وهو رأي نستأنس به في هذا الصدد، ليكون فيه مقنع لمن يخطر بباليه أن يقابل بين أحوال النبوغ في التقديم والحديث.
وقد يعن لبعض الناس أن يتساءل: ما بال صاحب المقال يبحث عن أسباب ندرة النبوغ في الأدب المغربي الحديث؟ أليس النبوغ نادرا في ذاته؟  انه معدن نفيس، والمعادن النفيسة تكون دائما نادرة، وهذا اعترض يحالفه التوفيق من جهة، وبجانبه من جهة أخرى، فالنبوغ نادر حقا، ولكنه بالنسبة إلى فترة محدودة من الزمن، تقدر بعشرين سنة أو بثلاثين سنة أو نحو ذلك، أما بالنسبة إلى جيل كامل، يستغرق عشرات السنين، فاختفاء النبوغ أو ندرته مما يبعث على القلق، ويدفع إلى التساؤل عن الأسباب والعوامل، فقد عرفنا في تاريخ الأدب العربي أجيالا حافلة كلها بالنوابغ من الأدباء والشعراء، وإذا حدث هذا في الماضي، فما المانع من حدوثه في جيل اليوم؟.
قد يكون من أسباب ندرة النبوغ الأدبي في جيلنا الحاضر إننا تغلب عاينا المنافع العاجلة، ونكل عن طلب الأهداف البعيدة، نميل إلى انتهاز أول فرصة براقة تصادفنا، ولا نصبر صبرا طويلا لكي تبني كياننا الأدبي على أسس صحيحة، ونقترب من المثل الأعلى، ما زلنا لم نتعلم بعد التضحية من اجل أدبي أفضل، جلنا يضعف أمام نفسه عندما تواجهه المادة بوجهها البراق الخادع، فينسى رسالة الأدب، ويرتمي في أحضان المادة، تلك الفاتئة اللعوب، وتكون النتيجة هي خسارة الحياة الأدبية في أبنائها ومعقد الأمل فيها، لا نظنن أن النبوغ الأدبي نتيجة سهلة المنال، انه موهبة غير مكتسبة، ولكنها تحتاج إلى التربية والتهذيب والتعهد بالسقيا، لتتحول من قوة سلبية إلى قوة ايجابية، فهي تحتاج إلى التربية والتهذيب والتعهد بالسقيا، لتتحول من قوة سلبية إلى قوة ايجابية، فهي تحتاج إلى الدراسة المنية، والبحث المتصل، والنضال الأدبي الباسل، والكتابة المثابرة الصابرة، وكل نبغاء الأدب العالمية لو يكونوا إلا خلاصة الدرس والبحث، النبوغ نار تحت رماد، تحتاج إلى مكن يحركها لتتوهج الجمرات، وكنز مخبوء يحتاج إلى المجهود الضخم، ليهب أفضاله وخيراته.
وكثيرا ما يكون النبوغ كموهبة كامنا في نفوس بعض الأفراد، ولكنهم لا يعرفونه، ولا يكتشفونه في أنفسهم إلا بعد دراسة طويلة، ومحاولات عديدة في الكتابة والإنتاج، الأمر الذي يهدي المثقف إلى مواهبه الحقيقة، فلا يبقى ضالا عنها وهي كامنة في نفسه، ذلك أن القراءة الدائمة، والكتابة المتصلة، من شأنهما أن تجعلا نفسه تتفتح وتشرق من خلال تجارب أللآخرين عند يقرا، ومن خلال تجربته الخاصة عند ما يكتب، رياضة الفكر والنفس هنا تشبه رياضة الجسم، فعناصر القوة كامنة في الجسم الإنساني، ولكنها لا تظهر إلا بعد تمرين رياضي شاق طويل، تقوى به العضلات، ودوافعه الإنماء والإخصاب كامنة في الأرض، ولكنها  لكي  تعمل عملها البارع تحتاج إلى المجهود البشري من تقليب وتسميد، وعناصر التغذية كامنة في اللحوم والخضر، ولكن لكي تعمل عملها تحتاج إلى لتهيئ والإعداد، وكثيرا ما يخرج بها الاعداد السئ عن وظيفتها فتصبح ضارة لا نافعة، وكذلك الشأن في قضية رياضة الفكر.
كيف نريد لجيلنا أن ينبغ وهو يقتل أوقاته في الملاهي الرخيصة، منغمسا في مبادلة التي لا يتأتى له معها أن تكون له اهتمامات فكرية وأدبية؟ تلك الاهتمامات التي تخلق رجال الفكر، وتعد الادباء، وتفجر المواهب والعبقريات، مجالسنا وأنديتنا ومقاهينا ومنازلنا ليست مجالي للحديث المثقف، والتجاوب الفكري، بقدر ما هي مجالي للحديث التافه، والاهتمامات الصغيرة، ومن ثم كانت معقمة للفكر، ومتبلدة للشعور، وقاتلة للمواهب.
وشبابنا المثقف يقرا للشهادة لا لتعشق المعرفة، ويدرس للحصول على وظيف، لا للاستجابة لنزوع فكري محض، فإذا حصل على الشهادة والوظيف، تنكر للثقافة، وطوى الصحف، وجعل بينه وبين الكتاب حجابا كثيفا من المصالح العاجلة، فإذا رأى أحدا يكرس حياته للعلم، ويهب نفسه للأدب، اعتبره شاذا عن عن القاعدة، وغير صالح للحياة، يعيش في الخيال، وينعم بالأحلام، وليس معنى هذا أن كل مثقفينا من هذا النوع فمنهم أقلية-ولكنها ضئيلة- تدين بدين الفكر، وتصون قداسة المعرفة، وتهيم بالإطلاع والتثقيف الذاتي إلى حد بعيد.
ما زلت اكرر انه لا نبوغ يمكن أن يوجد عندنا إذا لم تكن لنا اهتماماتنا الفكرية، التي تجعل منا مثقفين لا في مقدار ما نحفظه من القواعد، وما نلم به من العلوم، ولكن في نظرتنا إلى الحياة وحكمنا على الاشياء، وتقييمنا لما يحيط بنا من ظواهر وأحداث.
الاهتمامات الفكرية تخلق القلق الفكري، وتبعث على التأمل، وتثير شتى اللتساؤلات وتدفع إلى مزيد من الإطلاع ومن الدرس، وبذلك يتسع الأفق، وتنمو القدرات العقلية، وتتفتح المواهب الروحية، ويبرز النبوغ ليحتل مكان الصدارة بالنسبة للأفراد الذين ميزتهم الطبيعة بقوة الاستعداد، ومتانة الطبع، وصفاء الذهن، وحيوية القريحة.
والنبوغ ظاهرة تبرز عادة في الأوساط الأدبية التي تظهر فيها الروح العصامية، هذه التي تكشف عن معدن النبوغ في نفوس الأفراد وعقولهم، فأنت لو درست الأوساط التي ظهر فيها نبغاء الإنسانية في الآداب والفنون، للمست فيها هذه الروح العصامية التي تدفع بالفرد إلى تعشق المثل الأعلى، وتعبئة جميع ملكاته وكل طاقاته الفنية لخدمة الفن، وعدم القناعة منه يسوى المستوى الرفيع والقمة العالية.
والروح العصامية لا تتنافى مع الدراسة الجامعية المنظمة كما قد يتبادر إلى الذهن، فالطالب ما لم يكن عصاميا اكتفى من الدراسة بالشهادة التي قد يحصل عليها، وانصرف عن الدرس والمزيد من الإطلاع، ولا تقدم لأي وسط أدبي إلا إذا وجدت فيه هذا الروح العصامية، ذلك لأنها الضمانة الكبرى ليمكن حب المعرفة من القلوب، وسيطرة الفضول الفكري على العقول، وتجنيد الرأي العام الأدبي للجهاد الفكري في سبيل الاقتراب من المثل الأعلى، فالفرد عند ما تتمكن منه هذه الروح يستهين بجميع العقبات، ولا ينتظر أن تتاح له الفرص للإنتاج، بل هو الذي يخلقها ويهيئ لها الأسباب، فإذا ضمت جهود الأفراد العصاميين بعضها إلى بعض، خطات الأدب خطواته العبارة وارتفع في سماء الفكر عملاقا ضخما، يبسط راحتيه ليهب هباته السخية الثمينة، وكانت له أصداء تتجاوب بها رحاب النفوس، وفي هذا المعترك، وهو الجو المفجر للطاقات الادبية ينبثق النبوغ، وهذا لا يتنافى مع ما قلناه سابقا من أن ظهور النبوغ لا يتوقف دائما على رقي الوسط الاجتماعي، ذلك إننا لا نزيد على القول بان الوسط إذا كان لا يخلق النبوغ، فهو قد يوجهه، ويساعد على دفعه نحو الظهور، مهيئا له الجو المناسب.

وأستطيع القول بان تلك الروح العصامية التي تهيئ للنبوغ الجو وتؤثر في انبثاقه نادرة جدا عندنا في المغرب، سرح الطرف في حيلتنا الأدبية على ضيق رقعتها، تجد أن العصاميين منا اقلية ضئيلة جدا، تكاد لا تذكر، ولا يكون لها وزن بالقياس إلى الأكثرية التي تأخذ الأدب من اقرب موارده ومصادره، وتكتفي منه بالشيء اليسير الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
ولكن لما ذا كانت عندنا العصامية بهذه الندرة النادرة؟
لا أرى هناك سببا واضحا يمكن الاطمئنان إليه، فالعصامية قد تظهر ولا باعث على ظهورها من تقدم عملي ونهوض أدبي، وقد تختفي وبواعثها موجودة، ولكن إذا توفرت بواعثها كانت فرص ظهورها أكثر، وظهورها لا بد أن يقترن عادة بالطبائع القوية، والقرائح المتفجرة التي توهب لبعض الأفراد، فنحن نرى أن مئات المدارس وعشرات المعاهد لا تطلع إلا عصاميين قلائل من بين آلاف الطلبة، بينما نرى هناك بعض الأوساط التي كان التعليم فيها متأخرا وفي أضيق الحدود، وبوسائل وطرق عتيقة، ومع ذلك فقد برز منها العصاميين الذين تخطوا الرقاب وترجعوا على القمة، ويحضرني الآن اسم المرحوم العقاد الذي يعرف القارئ الكريم عنه ما فيه الكفاية، فهذا العملاق قد ظهرت عصاميته في وقت كانت فيه الأوضاع التعليمية والثقافية في مصر فاسدة عيمقة لا تساعد على ظهور العصاميين، ولعل التحدي الذي يتحدى العصامي الجبار من محيطه ومجتمعه، هو الذي يحمله على مجابهة التحدي بتحد مثله، فيصمد في موقفه، حيث بكل العصاميون الذين يقلدون عنه عزما وقوة إرادة وموهبة، فلا ينقطعون عن مزاولة الإنتاج ولكن يقصرون عن إدراك شاؤه ومجاراته في خطواته الجبارة، هنا نلتقي بتلك الفكرة القديمة التي تقول بان الأديب النابغة إنما هو ابن الشقاء والحرمان. فالألم-ذلك الزاد الإلهي الذي تقتات منه الأرواح على حد تعبير بعضهم- يعمق احاساسه بالحياة، ويضاعف من شعوره بما تفعله الأيام، فينعكس ذلك على أدبه، وزوده بمادة غزيرة من العواطف الجياشة، والمشاعر المتدفقة، وعندي أن هذه الفكرة ليست صادقة على الإطلاق، فإذا صحت بالنسبة إلى بعض الأفراد الذين يكيف الألم طبائعهم، فهي لا تصح بالنسبة إلى آخرين جلبوا على طبيعة متفتحة متفائلة رضية، وكثيرون هم الأدباء الذين عاشوا في ظروف مواتية، وأحاطتهم النعمة من كل جانب،فبرزوا وأجادوا في فنون القول وكانوا ملء السمع والبصر.

                           «اللامعقـــول... أو الفــن المريــض»
اللامعقول، دعوة متشائمة مريضة قام بها من اللاجئين المجتثين من أصولهم الاجتماعية والمقيمين الآن بباريس، مثل يوجين يونسكو الروماني الأصل، وصمائيل ببكبت الايرلندي الأصل، وآداموف الارمني السوفيتي الأصل، وهم قوم كفروا بالحياة فظنوا أنها لم تعد تسير على منطق مفهوم أو قابل للفهم، وان بديهيات العقل البشري قد انهارت، ولم يعد هناك وجود لقانون السببية، وقانون الهوية الذاتية، وقانون التناقضات الفكرية، واخذوا يرسمون صورا لا معقولة يزعمون أنها المرآة الصحيحة لحياة البشر المعاصرين، وأنا ارفض هذه الدعوة اليائسة المتشائمة، وأدعو إلى التمسك بسلامة العقل البشري، وقوة إرادة الإنسان القادرة على المحافظة على مبادئ العقل والفهم، بل والسيطرة على الحياة... فانا من أنصار إرادة الحياة... بل وإرادة القوة كما قال الشاعر الخالد:

                  إذا الشعب يوما أراد الحياة  *  فلا بد أن يستجيب القدر
                                                                    «الدكتور محمد مندور»

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here