islamaumaroc

نقد مقال العوائق النفسانية للتخطيط -4-

  دعوة الحق

77 العدد

التدين والإلحاد في أوربا وأمريكا
من الأمور التي شاعت وذاعت عند أدعياء الثقافة والمعرفة والتجديد والعصرية وانتقلت منهم إلى عامة الناس أن الأوربيين والأمريكيين، وخصوصا الولايات المتحدة، التي تساوي أوربا في الرقي أو تفوقها، قد تركوا دينهم ونبذوه نبذ النواة، أو نبذ الحذاء المرقع بعد حصول الجديد، كما يقول الحريري، قالوا: وبذلك تمكنوا من إدراك العلوم الكونية وتسخيرها في مصالحهم السامية والحربية وقطعوا شأوا بعيدا في المدنية والحضارة، وتركوا الأمم المتخلفة بسبب تمسكها بالدين، وما يسمونه بالتقاليد العتيقة، تركوها تغط في نوم ثقيل وتتخبط في جهالة عمياء، وزعموا كما يزعم ريني الحبشي أن هذه الشعوب لا تنهض ولا تحي وتسير في طريق الرقي إلا إذا تركت الدين، وأنا لا تعجب من الذين يسمعون هذه الدعاية الاستعمارية الروحية فيتلقونها بالقبول والتصديق مثل ما أتعجب من الوقت المتعلمين في جامعات أوربا وأمريكا من العرب وسواهم من الأسيويين والإفريقيين الذين يرون هذه الدعاية ولا يكذبونها، بل قد يشجعونها (وقد ،هنا للتحقيق) ويبثونها بأنفسهم، فإما أن يكونوا قد ذهبوا إلى أوربا وأمريكا واشتغلوا باللهو والعبث والحصول على الشهادات، ولم يهمهم شيء من أحوال سكان تلك البلاد فلم يطلعوا عليها، وإما أن يكونوا قد اطلعوا على الحقيقة وكتموها واخبروا بخلافها تدليا وغشا لشعوبهم. فهما خطتا خسف لا خير فيهما لمختار.
ومنذ أقمت في أوربا وخالطت أهلها، أي منذ ما يزيد على ثلاثين سنة علمت علم اليقين أن الأوربيين متمسكون بدينهم، وكثيرا ما يبلغ بهم هذا التمسك إلى حد الغلو والتعصب. وقد شاهدت في ذلك حوادث عجيبة، لست الآن بصدد ذكرها، ولكن مناقشتي لريني الحبشي وشيعته من معاول الهدم والتخريب اوحت إلي بفكرة جديدة، وهي أن اعمد إلى سفارات الدول الأوربية والأمريكية التي بلغت أعلى مستوى في الحضارة فأوجه إليها سؤالا عن عدد المتدينين وعدد المجدين من سكان بلدانهم، وقد حصلت الآن على جوابين رسميين من سفارتين لدولتين في مقدمة الدول الراقية. وهما سفارة الولايات المتحدة بالرباط وسفارة الجمهورية الاتحادية الألمانية في الرباط عاصمة المغرب. وقد ترجمت الجوابين باللغة العربية، واصلهما محفوظ باللغة الأصلية، فدونكم أيها القراء الأعزاء جواب سفارة الولايات المتحدة الأمريكية.
جواب مكتب الاستعلامات بالسفارة الأمريكية بالرباط في 25 نونبر 1964.
عزيزي البروفسور الدكتور تقي الدين الهلالي.
أرجو من فضلكم المعذرة في تأخير الجواب عن سؤالكم المتعلق بالحياة الدينية في الولايات المتحدة، فان هناك أمورا مستعجلة منعتني من مراجعة الإحصاء الذي التمستم معرفته.
تفضلوا فانظروا في الإحصاء أسفله تجدون العدد الذي تهمكم معرفته.
مجموع عدد الأشخاص الذين أعلنوا عدم انتسابهم لأي دين في إحصاء سنة 1960 ثلاثة ملايين ومائة وخمسة وتسعون ألفا (3195000) من مجموع السكان البالغ عددهم مائة وتسعين (190) مليونا. والعدد الأكبر من هؤلاء، هم بلا شك من المتوقفين اللاادريين، أو غير المتمسكين بالمسيحية تمسكا عمليا، لا من الملحدين المنكرين (لوجود الباري).
المخلص مالكولم ماكونيل مساعد ملحق الشؤون الثقافية.
فإذا كان العلم والتقدم في المدنية لا تكون إلا بترك الدين، كما يعزم الافاكون، كان ينبغي أن يكون عدد المتدينين في الولايات المتحدة الأمريكية قليلا جدا، وقد رأيتم أن عدد الذين لا ينتسبون إلى الدين لا يزيد على واحد ونصف في المائة تقريبا، وأكثر هؤلاء ليسوا ملحدين منكرين لوجود الله ورسله، ولكنهم مهملون ومتكاسلون، فهذا الإحصاء الرسمي يكذب مزاعم أدعياء التجديد ويأتي على بنياتهم من القواعد فينهار بهم في نار جهنم، والله لا يهدي القوم الظالمين.
جواب السفارة الألمانية
وقد طلبت من السفارة الألمانية بالرباط أن تخبرني بعدد الملحدين من سكانها، فجاءني الجواب التالي، وهذه ترجمته: سفارة الجمهورية الألمانية بالرباط. في 121 فبراير 1965.
سيدي الأستاذ الدكتور تقي الدين الهلالي مكناس. جوابا عن طلبكم، لي الشرف أن أخبركم أسفله بالإحصاء الأخير فيما يتعلق باعداد الأقليات الدينية المختلفة في الجمهورية الاتحادية الألمانية.
1- المسيحيون البروتستانتيون: 51.13=28.725.600 ثمانية وعشرون مليونا وسبعمائة وخمسة وعشرون ألفا وستمائة وواحد وخمسون فاصلة ثلاثة عشر في مائة.
2- المسيحيون الكاثوليكيون: 44.12= 24.786.100 أربعة وعشرون مليونا وسبعمائة وستة وثمانون ألفا ومائة وأربعة وأربعون فاصلة اثنا عشر في مائة.
3- اليهود: 0.04=22.700 إثنان وعشرون إلفا وسبعمائة وصفر فاصلة صفر أربعة في المائة.
4- المسلمون وأهل أديان أخرى: 4.05= 2.272.100 مليونان ومائتان واثنتان وسبعون ألفا، وأربعة فاصلة صفر خمسة في المائة.
5- الملحدون الذين لا ينتمون إلى أي دين، أما إهمالا وتهاونا، وأما ادعاء أنهم أحرار الفكر: 0.66= 368.400 ثلاثمائة وثمانية وستون ألفا، وأربعمائة وصفر فاصلة ستة وستون في المائة.
هذا على مقتضى الإحصاء السنوي الثابت في مكتب الإحصاء الاتحادي لسنة 1964. هذا وأرجو أن تكونوا دائما بصحة طيبة وثقوا يا سيدي الأستاذ بمشاعري الطيبة نحوكم.
                             «فسترنك سكرتير السفارة الأول»
فآنت ترى أن الملحدين في الشعب الألماني الاتحادي اقل من واحد في المائة. وهؤلاء الملحدون ليسوا كلهم ينكرون وجود الله ورسله، بل بعضهم لا يعترف بالكنيسة ولا يريد أن يخضع لها ويؤدي الضريبة الدينية الشهرية ولا يتزوج إلا بإذنها، ولا يطلق إلا بإذنها، ولا يدفن الميت إلا بإذنها، فلذلك حرمتهم وكفرتهم.
أما القسم الأخر فيزعمون أنهم أحرار الفكر وينكرون الدين كله.ومجموع الطائفتين لم يبلغ واحدا في المائة.فأين ما يدعيه أدعياء التجديد؟ ومن أين جاءتهم هذه العلوم، بل الجهول التي علموا بها أن التدين ينافي الرقي والتقدم، وان الانحلال من جميع القيود الأخلاقية والإباحية والفوضى والتخنث والجبن والعبودية لداعي الشهوات وموت الإدارة التي تكبح عن ارتكاب الدنايا، وما أشبه ذلك من مساوي الأخلاق هو الوسيلة الوحيدة للتقدم والرقي، فهذه الأمم التي بلغت أوج المدنيةة والعلم والتقدم وذاقت ثمرة ذلك وسعدت شعوبها به متمسكة بدينها اشد التمسك، ولم يمنعها ذلك من إحراز ما أحرزته من المراتب العالية والحياة السعيدة والعيش الرغد. وسأستمر في هذه الطريقة إن شاء الله من توجيه الأسئلة إلى سفارات الدول الديمقراطية الحرة التي بلغت الغاية القصوى في العلم والحضارة. أما الدول التي تفضل الحكم الدكتاتوري الاستبدادي فسأؤخر الكلام عليها إلى حينه المناسب، ولا اترك لريني الحبشي وأمثاله متعلقا يتعلقون به، ولا ملجآ يلتجئون إليه فيفتضح أمرهم ويظهر مكرهم وينكشف دسهم. قال الله تعالى في سورة الإنباء 18 (بل تقذف بالحق الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ولكم الويل مما تصفون).
«أقوال الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين وآراؤهم في وجود الباري عز وجل وفي تدبيره للعوامل كلها».
يقول محمد تقي الدين سأذكر المصادر في آخر ما انقله من كلام الفلاسفة. قال العلامة الأستاذ محمد فريد وجدي في دائرة المعارف له:
ولما كان الإنسان لا يقف من معقولا ته عند حد تعارف بعض أفراده من الفلاسفة والمفكرين فانكروا وجود الخالق، وزعموا أن الكون قديم، وأن ليس فيه غير المادة ونواميسها الأزلية الأبدية، وسرت تعالمهم إلى بعض الجهال فألحدوا بالله واستتبع إلحادهم خروجا على نظام الخليفة، وتعديا على حقوق الغير، فتصدى الفلاسفة قديما وحديثا للرد على هؤلاء الملحدين. ولا بد لنا من إيراد الكثير مما قالوه في هذا الكتاب ليكون مرجعا يرجع إليه من يريد استعراض مواهب الحكماء في هذا الأمر الجدير بالعناية والنظر، ثم نتبع ذلك بمذهبنا الخاص في هذا الباب إن شاء الله. ونحن قبل أن نخوض لجة هذا البحث الخطير نأتي على كلمات لكبار الفلاسفة في هذا الصدد فنقول. قال الفيلسوف اليوناني ابيكتيت:
(العقيدة بالله يجب أن تكون مستمرة كاستمرار التنفس) وقال الفيلسوف باسكال (الخالق كرة لا نهاية لها، مركزها في كل مكان، ومحيطها ليس له مكان) وقال هو أيضا (كل شيء غير الله لا يشفي لنا غليلا) وقال شاتو بريان (لم يتجرا على نكران الله غير الإنسان) وقال لامنيه (الكلمة التي تجحد الخالق تحرق شفة المتلفظ بها) وقال هو أيضا (البحث عن شيء خارج عن الله هو البحث عن العدم المحض) وقال لوكورديو (الله هو الشمس الوحيد التي تمد أشعتها الخالدة للموجودات) وقال فيو (الله عليم بكل شيء، متصرف في كل شيء، ومدير لكل شيء، إدارة الرب المطلق السلطة) وقال جوردان (الله هو الناموس الأزلي الثابت الذي تستمد منه الكائنات وجودها وترقيها) وقال هو أيضا (الله هو كل ما هو موجود) وقال كوتيه (الجمال في حقيقة، معناه هو الله).
وفي دائرة معارف القرن التاسع عشر قال العلامة الاقتصادي برودون (الله هو الكائن الذي لا يدرك ولا يوصف، ومع هذا فهو ضروري) وكقوله (إن ضمائرنا قد شهدت لنا بوجود الله قبل أن تكشفه لنا عقولنا) ونقلت عنه أيضا قوله (أني لا اعرف إلها، لان ذلك من الأمور الغامضة، وقال (كل من يكلمني عن الله، إنما يقصدني في دراهمي أو حريتي) ونقلت عنه دائرة المعارف ما هو اشد في الإلحاد مما يدل ظاهره على أن الرجل شديد العداء لهذه العقيدة، فلما انتشر هذا الجزء الذي يشمل لفظه (الله) ورأى أقواله ممثلة فيه كتب إلى لجنة تحرير الدائرة يخبرها، انه ليس ملحد بالله كما تدل عليه بعض ألفاظه، وإنما هو يقصد أن رجال الدين يتخذون العقائد أحابيل لصيد حطام الدنيا واستغلال عقول البسطاء، فوافق ذلك ما روى عنه من العبارات المفيدة لإيمانه).
وقال لامارتين أن (ضميرا خاليا من الله كالمحكمة الخالية من القاضي)، وقال بيلوتان (الله هو الحياة العامة، فهي الأصل والمرجع لكل حياة) وقال توريه (الله كل شيء وكل شيء هو الله)
بعد هذا يحسن أن نورد براهين أشهر الفلاسفة أقدمين ومحدثين على وجود الخالق ثم نتبعها برأينا الخاص فنقول: (براهين سقراط) سقراط فيلسوف يوناني كان عائثا قبل عيسى عليه السلام بنحو أربعة قرون. قال المسيو بوشيت في كتابه المسمى (التذكرة في تاريخ البراهين على وجود الخالق) قال: إن اعتقاد الأفراد والنوع الإنساني بأسره في الخالق، اعتقاد اضطراريا، قد نشا قبل حدوث البراهين الدالة على وجوده. ومهما صعد الإنسان بذاكرته في تاريخ طفولته (كذا) فلا يستطيع أن يجد الساعة التي حدثت فيها عقيدته بالخالق، تلك العقيدة التي نشأت صامتة، وصار لها أكبر الآثار في حياته. فقد حدثت هذه العقيدة في أنفسنا ككل المدركات الرئيسية على غير علم منا. ولا شك أنها تحت تأثير الأغاني الأموية (كذا) والدروس التهذيبية الأولى قد نمت تدريجيا، وزادت نموا في أدوار الحياة، سواء بالدرس والبحث أو بالتغيرات التي تحدثها الأحوال على ارق عواطفنا. وكل ما يحدث في طفولة الإنسان يحدث نظيره بالضبط في طفولة الأمم، سواء اعتبرنا ذلك في أول الخليقة أو درسناها في الأزمنة القريبة منا حيث تجمع قبائل وثنية ذات تقاليد خرافية على ديانة جديدة. ففي الحالة الأولى يرينا التاريخ الناس حاملين عقيدة فطرية على وجود قدرة خالقة وحافظة للعالم، وحاكمة بين الناس بالعدل، تكافئ على الحسنة والسيئة، سواء في هذه الدنيا أو في الحياة المستقبلة.
في هذه الدور لم تظهر الشكوك بأي مظهر من مظاهرها، وعلى ذلك لم تك من حاجة تدعو إلى ظهور البراهين المثبتة لوجود الله. وفي الدور الثاني، لم تظهر الحاجة أيضا إلى الاستدلال على وجود الخالق بالبرهان والعقل والفكر، والرجال الذين يتصدون لنشر هذه العقيدة جعلوها ارقى من أن يجادل فيها وابدوا دعاويهم بإحداث المعجزات أو بالانتصارات الباهرة.
من هذا القبيل كان في الأزمة المتقدمة زوروواستر وموسى ومشرعو المصريين القدماء الخ، وقريبا منا عيسى ومحمد. ففي المسالة الخاصة التي تشغلنا اليوم لم تستفد البراهين على وجود الله شيئا من زوروواستر ولا من موسى ولا من عيسى ولا من مشرعي المصريين، فقد اكتفى الجميع بإعلانهم إنهم رسل الله إلى خلقه. وقد خلفهم عيسى ناهجا خطة الاسرائلية (كذا) فقرر عقيدة وجود الخالق تقريره لأمر لا نزاع، ولا يصح النزاع فيه. ولم يشك لحظة في أن هذه العقيدة يقول بها جميع الذين أرسل إليهم على السواء، أما محمد فقد بني العقيدة بوجود الله ووحدانيته على أنقاض العقيدة المشوشة بتعدد الآلهة التي كان يدين بها العرب، والتي اخذ على عهدته مكافحتها، ولكنه في مواعظه المختلفة لم يظهر بمظهر من يريد أن يعطي على هذه المسالة البرهان الدقيق. فقرر الحقيقة وطالب بالاعتقاد بها، وأمر منها بما أمر، وفرض فيها ما فرض، ولم يظهر منه أو لم يكد يظهر منه انه مال لسد حاجة العقل منها بطريق منطقي أو جدلي. انتهى كلام الميسو بوشيت.

التعليق على كلام بوشيت
يقول كاتب هذا المقال محمد تق الدين: يفهم من كلام العالم بوشيت أن الأنبياء والرسل الذين جاءوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم لم يقيموا دليلا على وجود الله وربوبيته، ولا على توحيده في إلهيته، وإنما قرروا الحقيقة دون أن يقيموا عليها برهان. أما محمد (ص) فقد أقام البرهان على توحيد الإلهية والعبادة، ولم يقم دليلا على وجود الله وربوبيته بالطريق المنطقي. وأنا أقول، أن القرآن قد أقام البرهان المنطقي على وجود الله وربوبيته لكل من سواه. قال الخازن في قوله تعالى في سورة الطور 335-36 (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون.

أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون) قال ابن عباس، من غير رب خالق. والمعنى أم خلقوا من غير شيء خلقهم فوجدوا بلا خالق، وذلك مما لا يجوز أن يكون، لان تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم، فان أنكروا الخالق لم يجز أن يوجدوا بلا خالق (أم هم الخالقون) أي لأنفسهم، وذلك في البطلان اشد، لان ما لا وجود له كيف يخلق، فإذا بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بان لهم خالقا فليؤمنوا به وليوحدوه وليعبدوه.
وقال البيضاوي: أم أحدثوا وقدروا من غير محدث ومقدر، فلذلك لا يعبدونه.
وقال محمد جمال الدين القاسي في تفسيره لهذه الآية:«الم تر إلى الذي حاج» البقرة 258، أي جادل (إبراهيم في ربه) كيف أخرجه الطاغوت من ونر نسبة الإحياء والأمانة إلى ربه إلى ظلمات نسبتها إلى نفسه (أن أتاه الله الملك) أي لان أتاه الله، يعني أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر فحاج لذلك، أو حاجة لأجله. وضعا للمعالجة التي هي أقبح وجوه الكفر موضع ما يجب عليه الشكر. كما يقال: عاداني فلان، لأني أحسنت إليه. تريد انه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان، ونحوه قوله تعالى في سورة الواقعة 82 (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون).
قال الجرالي: وفي أشعاره أن الملك بلاء وفتنة على من أوتيه، (إذ قال إبراهيم) حين سأله من ربك الذي تدعونا إليه (ربي الذي يحيي ويميت) أي بنفخ الروح في الجسم وإخراجها منه (قال أنا احيي وأميت) أي القتل والعفو عنه. ولما سلك الطاغية مسلك التلبيس والتمويه على الرعاع، وكان بطلان جوابه من الجلاء والظهور، بحيث لا يخفى على احد والتصدي لإبطاله من قبيل السعي في تحصيل الحاصل، انتقل إبراهيم عليه السلام، إرسالا لعنان المناظرة معه، إلى حجة أخرى لا تجري فيها المغالطة ولا يتيسر للطاغية أن يخرج عنها بمخرج مكابرة أو مشاغبة أو تلبيس على العوام. وهو ما قصه تعالى بقوله: (قال إبراهيم فان الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب) أي إذا كنت كما تدعي من انك تحي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود، في خلق دواته وتسخير كواكبه وحركاته. فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فان كنت آلها-كما ادعيت- فأنت بها من المغرب (فبهت الذي كفر) تحير ودهش غلب بالحجة،ـ لما علم عجزه وانقطاعه، وانه لا يقدر عن المكابرة في هذا المقام (والله لا يهدي القوم الظالمين) أي لا يلهمهم حجة ولا برهانا، بل حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد. انتهى
وقال تعالى في سورة الأنعام 76-79 (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي، فلما أفل قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي، فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الظالمين. فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي،هذا اكبر، فلما افلت، قال يا قوم إني برئ مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا، وما اتا من المشركين.»
قال القاصمي في تفسير هذه الآيات:(فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي) قال المهايمي: لما رأى-يعني إبراهيم عليه الصلاة والسلام- الملكوت، وأيقن أن شيئا منها لا يصلح للإلهية، أراد الرد على قومه في اعتقاد إلهيتها لخستها، باعتبار افتقارها في أفعالها إلى أجسام لها دناءة الأفول وان كانت علوية، كذا في اعتقاد ألاهية تلك الأجسام، كما رد عليهم في اعتقاد ألاهية الأصنام، فلتظهر ظهور الكواكب التي كانوا يعبدونها. انتهى
وبالجملة، فالآية بيان لكيفية استدلاله عليه الصلاة والسلام، ووصوله إلى رتبة الإيقان. معنى (جن عليه الليل) ستره بظلامه. و(الكوكب) قيل، الزهرة، وقيل، المشتري.
أقول (الكوكب) لغة، النجم، قال الزبيدي في شرح القاموس:وكونه علما بالغلبة على الزهرة غير معتد به، وإنما هي الكوكبة بالهاء. انتهى.
قال الزمخشري: كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم، وان يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى أن شيئا منها لا يصح أن يكون الاها، لقيام دليل الحدوث فيها، وان وراءها محدثا إحداثها، وصانعا صنعها، ومديرا دبر طلوعها ولقوالها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها. وقول إبراهيم لقومه (هذا ربي) إرخاء للعنان معهم بإظهار مواقفه لهم أولا، ثم إبطال قولهم بالاستدلال، لأنه اقرب لرجوع الخصم.
قال الزمخشري، قول إبراهيم ذلك، هو قول من ينصف خصمه، مع علمه بأنه مبطل. يحكي قوله كما هو غير متعصب، لمذهبه، لان ذلك ادعى إلى الحق، وانجي من الشغب. ثم ينكر عليه بعد حكايته، فيبطله بالحجة.
(فلما أفل) أي غاب (قال لا أحب الآفلين) أي لا أحب عبادة من كان كذلك، فان الأفول دناءة تنافي الإلهية، بل تمنع من الميل على صاحبها، فضلا عن اتخاذه ألها أو معبودا، فضلا عما يفتقر إليه.
(فلما رأى القمر بازغا) أي طالعا منتشر الضوء (قال هذا ربي) على الأسلوب المتقدم (فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين) فإن ما رايته لا يليق بالإلهية لدناءته بمحوه.
قال الزمخشري: وفيه تنبيه لقومه على أن من اتخذ القمر الاها، وهو نظير الكواكب في الأفول فهو قال، وان الهداية إلى الحق بتوفيق الله تعالى ولطفه.
وفي (الانتصاف): التعريض بضلالهم ثانيا أصرح واقوي من قوله أولا (لا أحب إلا الآفلين) وإنما ترقى إلى ذلك. لأن الخصوم قد أقامت عليه، للاستدلال الأول، حجة فانسوا بالقدح في معتقدهم، ولو قيل هذا في الأول فلعلهم كانوا ينفرون، ولا يصغون إلى الاستدلال. فما عرض صلوات الله عليه بأنهم في ضلالة، إلا بعد أن وثق باصغالئهم إلى تمام القصود، واستماعهم إلى آخره. والدليل على ذلك انه ترقى في النوبة الثالثة إلى التصريح بالبراءة منهم، والتقريع بأنهم على شرك حين ثم قيام الحجة، وتبلج الحق، وبلغ من الظهور غاية المقصود.
وقوله تعالى (هذا اكبر) أي اكبر الكواكب جرما، وأعظمها قوة، فهو أولى بالإلهية. وفيه تأكيد لما رامه عليه الصلاة السلام من إظهار النصفة، مع إشارة خفية إلى فساد دينهم من جهة أخرى، ببيان أن إلا كبر أحق بالربوبية من الأصغر. 
فلما افلت قال) صادعا بالحق (يا قوم إني برئ مما تشكرون) أي من الأجرام المحدثة المتغيرة من الحالة إلى أخرى، أو من إشراككم.
(إني وجهت وجهي) أي وجه قلبي وروحي في المحبة والعبادة، بل جعلته مسلما (للذي فطر السموات والأرض حنيفا) أي مائلا عن الأديان الباطلة، والعقائد الزائغة، (وما أنا من المشركين).
ثم قال، قال الرازي: تدل هذه الآية على أن الدين يجب أن يكون مبنيا على الدليل لا على التقليد، والألم يكن لهذا الاستدلال فائدة البتة.
وقال تعالى في سورة الأعراف 54 (أن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوي على العرش، يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين).

تلخيـــص واستـــدلال
لو أردت أن أورد من مثل هذه البراهين القرآنية شيئا كثيرا جدا لفعلت، ولكني اقصر على هذه النقول الأربعة وأوضح وجه الاستدلال على طريق الجدلي ليعلم من يقرا كلام بوشيت أن القرآن لم يهمل الاستدلال على وجود الله تعالى، وعلى كونه الخالق المهيمن على خلقه المدبر لجميع شؤونهم.
1- آية الطور، تقدم أن حبر الأمة عبد الله بن عباس فسرها بقوله (أم خلقوا من غير رب خالق، والاستفهام هنا إنكاري، فهو نفي لان تكون هذه العوالم المحكمة الصنع المتقنة وجدت من غير موجد ينصف بالربوبية، وهي القدرة على التربية.
قال البيضاوي: الرب في الأصل مصدر بمعنى التربية، وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا انتهى. وهذا هو الاستدلال بالمصنوعات الكاملة على الصانع الكامل، وقوله سبحانه (أم هم الخالقون) ينفي كون المصنوعات قادرة على صنع نفسها، فضلا عن غيرها لما سبقها ويلحقها من العدم، ولما يلازمها من التغير الذي اثبت لها جواز الوجود ونفي عنها وجوبه، وبهذا البرهان استبدل جميع الحكماء على وجود الله تعالى واتصافه بصفات الكمال، كما سترى ذلك صريحا في أقوالهم التي ننقلها بعد إن شاء الله.
2- قصة إبراهيم مع تمرود ملك العراق، فقول إبراهيم له في محاجته (ربي الذي يحيي ويميت) معناه، الذي أوجدني وأوجدك واوجد جميع العالمين، ورباهم بقدرته ونعمته أن بلغهم كمالهم وحفظه عليهم، وهو المتصرف فيهم بالأحياء والأمانة، وإظهار الشمس وإخفائها، ومثلها جميع الطوالع. وكل ما سواه مصنوع فان، ويستحيل أن يوجد شيء منه بدون صانع، أو أن يقوم بنفسه ويدبر شانه. وهذه حجة الفلاسفة يعينها بطريق اللزوم، وهو فيما يقول علماء البلاغة أبلغ من دلالة التصريح.
3- استدلال إبراهيم واحتجاجه على قومه بطريق لطيف لأنهم كانوا عبادا للإجرام السماوية، فبدا بأصغرها في عين الرائي واقلها ضوءا وهو الكوكب، وقال على سبيل الفرض إيناسا للخصوم ودفعا لهم إلى الإمام (هذا ربي) فلما تغير النجم بالأفول والاختفاء قال، هذا لا يصلح أن يكون ربا، أي صانعا ومدبرا، لأنه مصنوع ومدبر بفتح الباء. فلما طلع القمر وهو أعظم حجما وضوءا في أعين الناظرين قال مثل ذلك، فلما تغير بالأفول وظهر انه مصنوع وميسر قال، لا يصلح أن يكون ربا، فلما طلعت الشمس التي هي أعظم ضوءا وحجما، فضلا عما تعطيه من الحرارة والحياة بإذن الله لما يتبعها قال مثل ذلك، فلما اختفت وتغيرت قامت حجته عليهم فقال، يا قوم، إني لبريء مما تعبدون، إني وجهت وجهي بقلبي وكل حواسي ومشاعري للذي خلق تلك الأجرام السماوية والأرض وسائر العوالم، إذ لا يمكن أن تخلق نفسها ولا أن تسير نفسها، بل هي متغيرة، وتصرف غيرها فيها واضح. فالمتصرف فيها بالجاد والإمداد هو ربها، وهو واجب الوجود وخالق كل شيء والحجة في قوله فطر السموات والأرض، استدلال بالصنعة على الصانع، وهذا هو الطريق الجدلي المنطقي بعينه. ولا حاجة أن يكون على طريقة العجم، لان أسلوب العربية يأباه، والمعنى واحد.

4- من سورة الأعراف، أكد القرآن بلفظ (إن) والجملة الاسمية كون الله، وهو علم على الباري، ربا لجميع العالمين. ولم ذلك؟ لأنه خلق السموات والأرض في ستة أوقات ثم استوى على العرش، وتصرف في خلقه تصرف الصانع في مصنوعاته. وعلى قدر كمال الصنعة يكون كمال الصانع، ثم اخبرهم بتصرفه في مصنوعاته واحتياجها إليه بقوله (يغشي الليل النهار) أي يغطيه به فيتعقبان متصلا، وهو الذي يسخر الشمس والقمر والنجوم ويدبرها في أفلاكها بغاية الإتقان، ثم عقب ذلك بالنتيجة المطلوبة، وهي قوله (ألا له الخلق والأمر) فله وحده الصنعة والإبداع، والتربية والتسيير، وله وحده الأمر القدري الكوني والشرعي، تبارك وتعالى رب العالمين.
5- وهذا أيضا احتجاج منطقي كامل لا يستري فيه إلا جاهل بالعربية أو معاند.

خــاتمـــــــة
قد يخفى على العالم الفرنسي بوشيت وأمثاله، أن القرآن برهن على توحيدين اثنين، توحيد الربية، أي توحيد الصانع المدبر مع ما يلزم من صفات كماله، وتوحيد الإلهية، وهي العبادة، وقد يخلط بينهما كثير ممن يدعي العلم،ـ أو يدعي له من المسلمين، فكيف بالأجانب؟ ومن ذلك أتى مسيو بوشيت، فظن أن محمدا صلى الله عليه وسلم، إنما خاصم المشركين وأقام لهم الحجة على توحيد الإلهية، وأهمل إقامة الحجة على توحيد الربوبية، وقد علمت بطلانه.
وموعدنا المقال التالي لذكر أقوال الفلاسفة، إن شاء الله. 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here