islamaumaroc

نحو انطلاقة مستقيمة

  دعوة الحق

77 العدد

إنه تمر بالأمم ظروف وفرص مناسبة لتربية الأجيال في محيط ثقافي خلاق، وفي تلك الظروف تزرع بذور النهضة والحضارة وهناك يتحدد مصير الأمة ونوعه. والقادة الواعون هم الذين يحسون بابان تلك الفرص، فيبادرون إلى بناء الأرواح والأنفس والعقول، ويشكلون الطليعة والجماهير في إطار من الفعالية والاندفاع البناء الخالد عن طريق إشاعة ثقافة قومية سليمة تستمد عناصرها من عقيدة الأمة ونبع حضارتها الفياض.
ومن سوء حظ بعض الأمم أنها تبتلى أحيانا بقيادات نسجت ثقافتها وأفكارها على أنوال وبخيوط أجنبية، ولذا فهي لا تحس بمكامن القوة والاندفاع في كيان أمتها وبالتالي تجهل، الجهل كله مزاج ومشاعر شعوبها، حتى إذا تهيأت لها فرصة بناء أمتها، أضاعتها بكل بلادة وغرور. وهكذا، تزداد مشاكل الأمة في ظل هذا النوع من القيادات، وتتعقد ويضطرب سيرها، فتتهرب هذه القيادات، الغربية عن أمتها، من المسؤولية، وتبتدع «متهمين» عن هذه الأوضاع، وقد يكون الشعب، أحيانا متهما في نظرها، تعتقد ذلك مع نفسها وان لم يكن لها الشجاعة لإعلانه، أو قد تندفع، تحت جنون الحماس أو بمقتضى خطة التهريج، إلى الحملة على «الاستعمار» في وقت تكون، في الحقيقة، هي المتهمة (بفتح الهاء). وكم بددت مثل هذه القيادات من فرص عظيمة فرزات شعوبها في نهضتها وتطورها.
وإذا كانت فرص الحل و اللقح تتكرر، فان فرص اللقح الحضاري قلما تتكرر، وكذلك تجديد ذلك اللقح، ومن ثم كان ضياع تلك الفرص من اشد أنواع الكوارث التي تحل بالأمم والشعوب.
وقد ينعم الله على امة ما، بخصيصة دوام الاستعداد بتجديد نفسها، وبظهور تلك الفرصة عبر تاريخها، واستجاباتها السريعة للنهضة واستدراك ما فاتها، ولعل الأمة الإسلامية من هذه الأمم، فهي لم تستنفذ بعد، الاستعداد للنهضة، واستعادة مكانتها التاريخية، شرط أن تهيأ لها الظروف والأجواء التي تفجر طاقاتها، ومن المحزن حقا، أن يكون الاستعمار وأعداء الإسلام ادرى بهذه الحقيقة منا، فيخططون لتخريبنا على ضوء تلك الحقيقة.
و إن هذا الاستعداد ليبدو واضحا متوهجا نشيطا في بعض الفترات الخطيرة التي تمر بنا، ولكننا نهمله أو نستفيد منه بمقدار تلفه، دون أن ندرك مدى قيمته، وذلك ما يسمى بالسفه.
وضياع مثل هذه الفرص للبناء لا يعني بقاءنا نحن فقط بل يعني، اخطر من ذلك، تعريضنا لمضاعفات أمراضنا الاجتماعية، عن طريق تأثراتنا للجانب المرضي من المدنية الغربية التي أصبحت تحيط بنا من كل جانب، وتحاصرنا في كل مجالات حياتنا وتهجم علينا عن طريق الصحافة والتلفزة في عقر بيوتنا.
إن محاولات «إكراهنا»على «نسخ» وتقليد الحضارة الغربية ليدل على الجهل المطبق بأبسط الحقائق الاجتماعية والتاريخية. ويزيد في نفس الوقت، في تعقيد المشكلة.
إننا امة في بداية الطريق، لم نعان ما عانته أوربا من مشاكل، ولم نعش ما عاشته من تطورات، ولذا فان المظاهر الاجتماعية التي وصلت إليها عبر تاريخها لا تقبل بحال الانتقال «وحدها» مقطوعة عن تلك السلسلة الطويلة التي أسهمت في إخراجها على هذا النوع. وفرق أيضا بين امة في طريق النمو وأخرى قد استنفذت إمكاناتها، وبلغت أوج نضجها، وأصبحت مستعدة للسقوط والتدهور، وتفجرت في جميع أنحائها دعوات الهدم في صور مختلفة من الاستعمار وبعض الفلسفات المنحرفة والموسيقى الصاخبة والرقص الجنسي الجنوني. وليس من الغريب أن يلتقي الغرب بالشعوب المنحطة في بعض تلك المظاهر الانحطاطية لأنه منحدر نحو المصير المحتوم بعد أن وصل إلى شوط يعيد إلى المرحلة الانتقالية من الحضارة إلى التدهور. فإنه لما يبعث على الحزن أن نجد شعوبا فتية تحاول أن تتخلص من الاستعمار فلا تكاد تستلم وثيقة استقلالها حتى تفتح قلبها له، وتعلن في ذات الوقت استسلاما عاما لعاداته وأخلاقه، وتعتنق نظرياته في حل مشاكلها.
إن الرقص الجنسي المنحل الذي يشاهده المرء في سراديب وحانات بعض بلداننا ليشبه ذلك الذي يشاهده في حانات وسراديب أوربا وأمريكا إلا أن الفرق بين المظهرين: انه في الغرب نتيجة تطور طويل، وعندنا قفزة من «انحطاط» إلى «انحطاط» دون تطور أو مقدمات.
وإن القول بأننا في فترة انتقال، وأننا لا بد أن نجرب، وان هذه المرحلة ضرورية لشعب كان مغلوبا على أمره فأصبح يشعر بالحرية-إن هذا القول يدل على سطحية واستهتار بالفكر، وانه يشبه القول بوجود تعريض الشخص إلى تجربة الموت، كي يسفيد من ذلك أن عاد للحياة. وهنا تحضر ني طرفة معبرة: عندما مثل مجرم خطير أمام القضاء وسمع من القاضي الحكم عليه بالإعدام، قال أمام الجميع: إن هذه تجربة تنفعني في المستقبل .
نحن امة شابة يجب أن تعيش شبابها لا أن تقلد مدينة قد دبت في جسمها عوامل الشيخوخة، وتهرأت  روحها فأصبحت لعنة على البشرية. إن مدينة تسهم في إبادة الشعوب وتتواضع على استعباد العالم عن طريق القروض «والفنية» وتقسو على الإنسان لمجرد انه ملون، وتتحلل فيها الأسرة تحللا مخيفا، وترتفع فيها أرقام إجرام الأحداث ونسبة عدد الأبناء غير الشرعيين لهي مدينة يجب تطهيرها والإجهاز على الجوانب الفاسدة منها وانقاد أصحابها من شرورها وأمراضها بل الاستسلام لها وتقليد تعفناتها.
إننا في بداية الطريق ويجب علينا أن تكون لدينا القدرة على الاختيار لنختار الطريق الذي يجب أن نسيره. وإن الاختيار يفرض علينا بادئ ذي بدء التخطيط الثقافي والبعث الحضاري، وإثارة الأجواء النفسية والروحية لبث مضمون ذلك التخطيط وفلسفته في النفوس والأرواح. هذا التخطيط يجب أن يكون منبثقا من ضمير الأمة وتاريخها، ومستلهما أساسا عوامل تفجير طاقاتها الروحية على ضوء تجاربها خلال حياتها، وإن كل تخطيط أو دعوة تتجاهل هذه الحقيقة وتتخطى هذه البداهة إنما «تعوق» سير الأمة وتضيع عليها الوقت وتساعد على بلبلتها، وبالتالي على بقائها دائما في ركب المتخلفين.
إن إهمال الأمة وتركها عرضة للتأثيرات الأجنبية، دون أن تكون لها أية فكرة سليمة عن دينها وحضارتها، معناه جعلها تواجه مصيرا ككل مصير المآسي.
وإن المجتمع الذي كان ينطوي على خصائص الصعود ضد «الخارج» قد أصبح يندثر شيئا فشيئا بمحاسنه ومساوئه، والمشكلة اليوم أننا أمام مجتمع جديد ينشا في ظروف جديدة، ليست له حصانة آبائه، كما انه لا يملك «إيديولوجية» فهو لذلك لا يستطيع الصمود كما لا يقدر على الإبداع والتكوين لأنه فاقد لعناصر الصمود والإبداع معا. و لذلك فإننا مدعوون بإلحاح إلى التخطيط الثقافي على أساس فكرة هذه الأمة وإلى اغتنام فرصة استعداداتها...
إننا إن فعلنا ذلك، سنكون قد اتجهنا نحو انطلاقة مستقيمة.

                                  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here