islamaumaroc

نقد النقد [حول كتاب "النقد والنقاد المعاصرون" لمحمد مندور]

  دعوة الحق

77 العدد

يعتبر الدكتور محمد مندور من الباحثين والنقاد العرب المعاصرين، وله آثار أدبية هامة في هذا المجال، مثل كتابه «النقد المنهجي عند العرب» ومثل «النقد والنقاد المعاصرين». ويهمنا هذا الأخير الذي لا أدري متى صدر عن مكتبة نهضة مصر بالقاهرة، لان الطبعة خالية من تاريخ الصدور، وكل ما أدريه التي اشتريته أمس وشرعت في قراءة صفحاته الأولى، فهالني ما وجدت فيها مما سأعرضه عما قريب على أنظار القراء الكرام.
تناول الدكتور مندور طائفة من النقاد المعاصرين، وجعل فاتحتهم الشيخ حسين المرصفي باعتباره واحدا من رواد النقد الحديث، ولا ازعم أني قد قرأت الكتاب كله، ذلك أني في الحقيقة لم استطع، ووجدت نفسي مضطرا أن اتركه جانبا-وإلى حين- لكي أحرر هذه المقالة التي عنونتها بنقد النقد، وان كانت في الحقيقة نقدا لبعض صفحاته الأولى التي عالجت موضوع الشيخ حسين المرصفي ذلك الأديب الجليل المتوفى سنة 1307هـ 1889م وليست نقدا للكتاب كله.
لا يكاد القارئ يفرغ من قراءة مقدمة كتاب «النقد والنقاد المعاصرين»، حتى يشعر بطابع الاستعجال-وربما الارتجال- في طبع الكتاب وإخراجه للوجود، قبل التمكن من مواد الموضوع، خصوصا أن الكتاب كتاب نقد، وتمحيص، وتمييز، للغث من السمين.
والظاهرة الثانية التي تصادف قارئ الموضوع الأول من الكتاب هي إعجاب المؤلف بالشيخ المرصفي وبجهوده في التأليف والنقد، وخاصة في كتابه الضخم «الوسيلة الأدبية للعلوم العربية» الذي هو عبارة عن المحاضرات التي كان ألقاها على طلبة (دار العلوم) التي أنشئت لأول مرة سنة 1871، فكان هذا العالم الضرير من الذين وقع عليهم الاختيار للتدريس بها إلى جانب علماء من العرب والعجم، أن هذا يثير الإعجاب حقا، وقد بلغ من إعجاب المؤلف بالمر صفي انه صار يتلمس تأثيره في تلاميذه أمثال الدكتور طه حسين أستاذ الدكتور مندور.
كل هذا جميل، ويعتبر عرفانا للجميل أن يذكر التلميذ أستاذه أو أستاذ أستاذه بالخير والتقدير والثناء، وغير أن الذي يدهش قراء الدكتور مندور أو يؤسفهم حقا، هو أن ذلك الثناء والإعجاب الذي يصبه على الشيخ المرصفي، لم يكن في محله، ذلك أن الآراء النقدية التي أتى بها مؤلف (النقد والنقاد المعاصرين) على أنها للشيخ المرصفي، لم تكن في الحقيقة للشيخ المرصفي، بل كانت لغيره من فطاحل الأمة العربية، هو العلامة أبو زيد عبد الرحمن ابن خلدون صاحب المقدمة والتاريخ المشهورين.
لا أتوفر في الوقت الحاضر على نسخة من كتاب (الوسيلة الأدبية) لأعرف علة الخلط بين كلام المرصفي وكلام غيره، بيد أن الكتاب ربما كان إملاء مؤلفه الضرير على احد تلاميذه، ولكن، الم يكن في مقدور الكاتب أو الطابع أن يستعمل علامات الترقيم؟ وإذا لم تكن هذه غير مستعملة حينئذ، إنما كان للمؤلف أو تلميذه أن يشير إلى الاقتباس كما هي عادة القدماء فيقول مقالا: قال فلان... وانتهى كلام فلان؟ ؟ ثم الم يكن في استطاعة الدكتور مندور وهو الناقد الحصيف، أن يميز في كتابه «النقد والنقاد المعاصرين» بين الكلام الجديد كل الجدة في عالم الأدب العربي، وبين الكلام الذي مر على قوله مآت السنين، وتدارسه الكتاب والباحثون في أقطار المشرق والمغرب؟ الم يكن في مقدور الدكتور مندور أن يتأتى قليلا، ويرجع إلى المظان والمراجع الأصلية، ويقارن بينها فيقع على الحقيقة الناصعة؟ هذا ما أغفله للأسف، ويظهر أن العصر عصر السرعة، وان الفكرة المسيطرة كانت هي طبع الكتاب وإخراجه ونشره كيفما كان الأمر، وحتى لو كانت النتيجة نسبة كلام ابن خلدون على الشيخ المرصفي.
يقول الدكتور مندور(وأبا ما كان الأمر، فان الشيخ حسين المرصفي، يعتبر بلا شك من رواد البعث الأدبي المعاصر، ومن بناته الأصليين-على نحو ما نحس من قرائنا لوسيلته الأدبية الضخمة، وبخاصة الفصول التي كتبها عن صناعتي الشعر والنثر، وطريقة تعليمهما.... ومن أهم ما تحدث عنه الشيخ المرصفي في وسيلته المنهج الذي رسمه لمعاصريه وتلاميذه لتجويد إنتاجهم الشعري والنثري، والسمو به إلى مرتبة الأدب العربي القديم البالغ الروعة والجمال، فهو يوصي شداة الشعر مثلا بان يحفظوا أكثر ما يستطيعون من الشعر الجزل القديم مضيفا-وهنا موضع الجدة والطرافة (كذا)- أن ينسوا بعد ذلك ما حفظوه حتى لا يظلوا له، وحتى لا ينقلب شعرهم إلى ترقيع من الذاكرة، بدل أن يكون شعر حياة ومعاناة، فيقول في ص 468 وما بعدها من الجزء الثاني من الوسيلة(اعلم أن لعمل الشعر وأحكام صناعته، شروطا أولها الحفظ من جنسه، أي من جنس شعر العرب، حتى تنشا في النفس ملكة ينسج على منوالها ويتخير المحظوظ من الحر النقي الكثير الأساليب، وهذا المحفوظ المختار اقل ما يكفي فيه شعر شاعر من الفحول الإسلاميين مثل ابن أبي ربيعة، وكثير، وذي الرمة، وجرير، وأبي نواس، وحبيب، والبحتري، والرضي، وأبي فراس، وأكثره شعر كتاب الأغاني، لأنه جمع شعر أهل الطبقة الإسلامية كله، والمختار من شعر الجاهلية، وزمن كان خاليا من المحفوظ، فنظمه قاصر رديء، ولا يعطيه الرونق والحلاوة إلا كثرة المحفوظ، فمن قال حفظه، أو عدم، م يكن له شعر، وإنما هو نظم ساقط، واجتناب الشعر أولى بمن لم يكن له محفوظ، ثم بعد الامتلاء من الحفظ، شحذ القريحة للنسج على المنوال، يقبل على النظم، وبالإكثار منه تستحكم ملكته وترسخ. وربما يقال: إن من شرطه نسيان ذلك المحفوظ، لتمحى رسومه الحرفية الظاهرة، إذ هي صادرة عن استعمالها، فإذا نسبها وقد تكيفت النفس بها انتفش الأسلوب فيها، كأنه منوال يأخذ بالنسج عليه لامنالها من كلمات أخرى). انتهى كلام الدكتور مندور في صفحتي 15 و 16.
وما وضعناه بين هلالين(...) هو لكلام ابن خلدون في مقدمته الطبعة الأزهرية سنة 1930 ص 505 بالحرف الواحد، وليس-قطعا- بكلام الشيخ المرصفي... ثم استمعوا إلى تعليق الدكتور على هذه الدرر:« وفي هذه العبارات جماع الأسس السليمة لنبعث الشعري المعاصر، بل خلق شعري سليم. فالشعر لا تنمو ملكته في النفس إلا بكثرة مطالعة الجيد منه وحفظه، كلما استطاع الشباب إلى ذلك سبيلا.
وهذه هي الطريقة الوحيدة لتحصيل ملكة الشعر منذ أقدم العصور حتى اليوم وفي اللغات كافة.
«وبعد حصول هذه الملكة لابد من الدربة الطويلة على النظم، والإكثار منه حتى تستحكم الملكة، كما يقول الشيخ حسين بحق» (كذا) لا يستطيع المرء أن ينكر فضل الشيخ المرصفي وتبحره في العلم والأدب، ولكن مع ذلك يأخذنا العجب من انه اقتبس من ابن خلدون، ثم ما أعجب أمر الدكتور مندور الذي لم يدقق في النص فصار يضرب في حديد بارد، على الرغم من أن أسلوب ابن خلدون معروف مدروس وينم عن صاحبه تماما... ثم يضيف الدكتور مندور قائلا:«وأخيرا يقرر الشيخ حسين (أي ابن خلدون في الحقيقة) المبدأ الثالث وإن يكن لسوء الحظ أسهله بقوله (ربما يقال) وكان الأجدر به أن يحذف حرف الاحتمال من هذا المبدأ، وذلك لأنه من الضروري أن يتحلل كل إنتاج شعري أصيل من الذاكرة لكي يصبح شعر حياة...»(ص17). ثم يبدي الدكتور أسفه لعبارة « ربما يقال» وأنا أرى أن ذلك الاحتمال أو التقليل إلى إفادته «رب» له مغزى عظيم لم يغب عن ذهن ابن خلدون الجبار على الرغم من تقدم عصره، ذلك أن تجارب المربين والنفسانيين في العصر الحديث برهنت على أن الإنسان لا يستطيع التخلص تماما مما حفظ، وان نحو العشر يظل عالقا بالذاكرة.
وقبل أن يختم الدكتور كلامه على هذا الرائد«الذي بعث النقد التقليدي، وساعد في حركة البعث الأدبي كله وطرائفه» نراه يقول: أن الشيخ المرصفي اهتدى بفطرته السليمة إلى بعض ما تردى فيه بعض نقاد الرعب القدماء مثل قدامة بن جعفر عند ما عرف الشعر في كتابه «نقد الشعر» بقوله (انه الكلام الموزون المقفى) وجاراه في هذا التعريف جميع من خلفه، على حين نرى الشيخ المرصفي (يعني ابن خلدون) بفطرته السليمة يقول (وقول العروضيين في حد الشعر انه الكلام الموزون المقفى ليس بحد لهذا الشعر (1)باعتبار ما فيه من الإعراب والبلاغة والوزن والقوالب الخاصة، فلا جرم أن حدهم ذلك أيصلح له عندنا، فلا بد من تعريف يعطينا حقيقته من هذه الحيثية فنقول: الشعر هو كلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على أساليب الرعب المخصوصة به) انتهى كلام الدكتور مندور من كتابه النقد والنقاد المعاصرين ص 24 وانتهى معه كلام ابن خلدون الذي وضعناه بين قوسين كبيرين (....) راجع المقدمة ص 504
ثم يعقب الدكتور مندور على هذا الكلام قائلا: «ويكفيه (أي الشيخ المرصفي) فخرا في هذا التعريف انه فطن إلى خاصية أساسية تميز الأدب عامة، والشعر خاصة عن غيره من الكتابات، وهي التصوير البياني بدلا من التقرير الجاف». (النقد والنقاد المعاصرين ص 24).
اجل، يكفي المرصفي فخرا انه أتى بكلام ليس له فاستحق عليه التنويه من الدكتور مندور، وعلى رأي المثل العامي المغربي (سكسو الخادم وشنعة للاها).
أما بعد؛ فهذه كلمة عابرة أردت بها وجه الحق والنقد، وليس لي من غرض غير لفت نظر الدكتور مندور، كي يعمل على تلاقي ذلك في المستقبل، ولكي يسرع فيعيد تحرير الفصل الأول من كتابه «النقد والنقاد والمعاصرين» على أساس الحقيقة الجديدة الباهرة الناصعة.

1) هنا سقط اخل بالمعنى، ولا ادري ما إذا كان يوجد في الوسيلة الأدبية أيضا. وتمامه: الشعر الذي نحن بصدده، ولا رسم له، وصناعتهم إنما تنظر في الشعر باعتبار....الخ.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here