islamaumaroc

الأنثروبولوجيا-2-

  دعوة الحق

77 العدد

وبازدياد حركة الاستعمار الأوربي توافرت كمية المعلومات عن القبائل البدائية واستفاضت، وقد انبرى عالمان وهما تيلور ومرغان يحاولان سوق تلك المعلومات وتوحيدها في مجرى علمي، وكلاهما كان متأثرا، في محاولته هذه، بنظرية داروين التطورية، ولكن هناك اختلافا بينهما في إخضاع الدراسات الأنثربولوجيا لمبدأ التطور.
فمرغان حاول استخلاص المراحل التي مر بها التطور الاجتماعي، واعتمد في ذلك على كتاب «حق الأم» الذي نشره العالم السويسري باخوفن سنة 1866، كما قام بدراسات خاصة في بعض قبائل أمريكا الشمالية، وانصب اهتمام مرغان على بحث النظم القرابية والسياسية والاجتماعية، وحدا به شغفه بذلك إلى شد الرحال إلى مواطن الهنود الحمر، وإرسال قوائم بأسئلة معينة إلى المبشرين والمغتربين في شتى جهات العالم البدائي، وإلى جانب هذا فقد استوعب مرغان كتاب السير هنري مين «القانون القديم». وتمخضت كل هذه الجهود العلمية عن أبحاث ضخمة نشرها مرغان في كتابين قيمين: الأول سنة 1870 باسم «المجتمع القديم».
واهم ما توصل إليه مرغان من نتائج أن المجتمع الأمي أقدم من المجتمع الأبوي، وان ظهور أول عائلة كان بعد مرحلة من الشيوع الجنسي البدائي، لقد كان نظام الزواج أن تتزوج مجموعة من الإخوة والأخوات، في طبقة العمر، ونظرا لصعوبة تحديد الأب كان لا بد من إتباع النسب الأمي، وما يلحق هذا النسب من تنظيم اجتماعي خاص، ولم يظهر النسب الأبوي إلا بعد تطور الحياة الاقتصادية وخصوصا نشوء الملكية الفردية والإرث، ثم انتهى تطور نظام الأسرة إلى ما هو عليه الحال في أوربا الحديث حيث الأسرة الأبوية التي تتكون من أب واحد وأم واحدة. وكان مرغان يعتقد أن تطورا سياسيا لازم تطور الأسرة والحياة الاجتماعية ويضع مرغان للبشرية ثلاث مراحل حضارية، لكل مرحلة ثلاث درجات:مرحلة الهمجية،فمرحلة التبرير ثم أخيرا مرحلة المدنية.
أما تيلور فقد دخل الميدان من باب آخر، فنزع إلى دراسة وتعليل المظاهر الحضارية بناء على مقياس عقلي، وذلك قصد البرهنة على أن التاريخ الإنساني جزء لا يتجزأ من تاريخ الطبيعة. كان تيلور يعتبر أن تفكير الإنسان ورغباته وفعالياته تتفق وقوانين محددة كتلك التي تتحكم في حركة الأمواج ونمو الحيوان والنبات. ولقد أراد تيلور في كتابه الشهير «الحضارة البدائية» المنشور سنة 1871 أن يبين ويثبت انه من الممكن إقامة علم للحضارة على أساس المقارنة. ولعل أهم ما أسفرت عنه بحوثه هو فكرته عن الحضارة أو الثقافة بأنها «ذلك الكل المركب المعقد الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والعرف وكل المقدرات والعادات التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في مجتمع». وبالرغم من تفاني تيلور العلمي فان نتائج مجهوده العظيم جاءت ملغية للاختلافات الصارخة بين الثقافات بحكم نظريته التطورية البسيطة: يرى تيلور أن التطور يبدأ أولا بمرحلة الاعتقاد في الأرواح وقوة الأرواح ثم يتطور إلى مرحلة الأديان والعقائد المختلفة، وينتهي بالنظرة العلمية. ويعتقد تيلور أن الظروف المتشابهة تخلق عقائد متشابهة، وإن كان في ذات الوقت يؤمن بانتشار الحضارات. ومن جهة أخرى فقد كان هذا العالم يعترف بالتدهور أو الركود الحضاري ولكن هذا الاعتراف لم يكن ليغير من طبيعة نظريته البسيطة القائلة بان التطور التدريجي من أسفل إلى أعلى ومن اللامعقول إلى المعقول، فالتطور الثقافي في نظره تطور ميكانيكي تسود فيه الإضافات الكمية والطرح الكمي دون الكيفي.
كان ادوارد تيلور يمثل الرجل الانجليزي المثالي في عهد بلغت فيه بريطانيا حد الكمال في التنظيم الاجتماعي والتقدم المدني، كما كان معتقدا. أما لويس مرغان فكانت بلاده أمريكا تعيش على عهده في طور بناء أسس دولتها، وتتطور في قفزات هائلة، وتتعامل مع القبائل الهندية، لذا تلاحظ على كتابات تيلور روح متعالية، وان كان يشوبها بعض العطف على بعض القبائل التي تحكمها بريطانيا، في حين تلمس في كتابات مرغان تقديرا عميقا لقيم الحضارة لدى الهنود الحمر.

وقد اقتدى بتيلور أو مرغان عدد من العلماء، والذين اتبعوا تيلور وأشهرهم جيمس فريزر واندلاند انتهى بهم المطاف إلى هتك الحجب عن العلاقات التاريخية بين الحضارات، بينما أولئك الذين تتلمذوا على مرغان وأهمهم درلانت وجورج طومسون انكبوا على دراسة نظام القرابة على اعتبار انه الأساس في التركيب الاجتماعي البدائي. ثم ظهرت ضرورة البحوث الانتربولوجية الميدانية (في عين المكان)، فظهر عدد من الأبحاث الحقليين مثل بواس ونيلقون في أمريكا، وريفرز وهادون وسلغمان في انجلترا، ولكن كل أبحاث هؤلاء العلماء النظريين منهم والعمليين، لم تفلح في صياغة وتوحيد آراء تيلور ومرغان في نظرية مقبولة ومنهج عام محكم.وغدت المادة المتراكمة عن طريق مختلف البحوث تجسم الشعور بان الانثربولوجيا تعاني نقصا منهجيا يجعل إخضاع المعلومات الضافية للتحليل ضربا من المستحيل.
وكرد فعل للاتجاه الانتربولوجي الانجلوساكسوني، قامت المدرسة الاجتماعية الفرنسية بزعامة إميل دوركيم (1858-1917) لتصب جام نقدها العلمي على محاولات العلماء الانجليز الرامية، خطأ، إلى فهم الحضارات البدائية عن طريق مفاهيم ومصطلحات الحضارة البريطانية في العصر الفيكتوري. والواقع أن كتابات دوركيم أثرت بشكل عميق على العلم ووجهته وجهة جديدة بفضل ما ورد فيها من نظريات اجتماعية عامة،طبقت على يد دور كيم نفسه أو على يد فئة من زملائه وتلامذته الموهوبين، في دراسة المجتمعات البدائية بمهارة واستبصار يدعوان إلى الإعجاب والتقدير.
ويمكن تلخيص موقف دور كيم في انه لا يمكن تفسير الحقائق الاجتماعية في حدود علم النفس الفردي، لان تلك الحقائق توجد خارج عقول الأفراد ومستقلة عنها، فاللغة مثلا تكون موجودة قبل أن يولد الفرد في المجتمع الذي يتكلم بها، كما أنها تظل موجودة بعد أن يموت ذلك الفرد، بينما يتعين عليه هو أن يتعلمها كما تعلمتها من قبل كل الأجيال السابقة وكما ستتعلمها كل الأجيال اللاحقة، فهي حقيقة اجتماعية، أو هي شيء قائم بذاته ولا يمكن فهمه إلا في علاقته بالحقائق الأخرى التي من نفس النوع، أي كجزء من نسق اجتماعي وفي حدود وألفاظ وظائفها في المحافظة على ذلك النسق.
ويرى دوركيم أن الحقائق الاجتماعية تمتاز بعموميتها وقدرتها على الانتقال وعلى القهر. فكل أعضاء المجتمع لهم-على العموم- نفس العادات واللغة والأخلاق، كما أنهم جميعا يعيشون في نفس الإطار من النظم السياسية والاقتصادية، وكل هذه الأشياء تؤلف بناء له درجة معينة من الثبات والاستقرار، بمعنى انه يستمر في الوجود فترات طويلة من الزمن يحتفظ خلالها بأهم مقوماته التي تنتقل من جيل إلى جيل أما الفرد فانه يمر فقط خلال ذلك البناء الذي يجد نفسه فيه، فالبناء الاجتماعي لم يولد معه ولن يموت بموته، لأنه ليس نسقا فيزيقيا، وهذا البناء يسوده شعور جمعي يختلف تمام الاختلاف عن الشعور الفردي. وتمتاز الظواهر الاجتماعية التي تؤلف في مجموعها البناء بأنها ظاهرات ملزمة، فالفرد الذي لا يذعن لها يتعرض للعقاب والمآخذ، والفرد في العادة لا يشعر بأية رغبة-بل ولن يجد الفرصة- لان يفعل سوى ما تقضي به تلك الظاهرات، فالطفل الذي يولد في فرنسا من أبوين فرنسيين لن يجد أمامه إلا أن يتعلم الفرنسية، ولن يرغب في غير ذلك، إن مجموعة القيم والعقائد والعرف التي يتعلمها الفرد في المجتمع من المجتمعات ويقبلها ويحيا بها ثم يورثها لغيره هي في نظر دوركيم «تصورات جمعية». وقد قام لوسيان ليفي ابريل (1857-1939) بدراسة رائعة عن المحتوى الفكري أو الذهني لتلك التصورات الجمعية في سلسلة من الكتب بين فيها أن المعتقدات والأساطير وعلى العموم كل الأفكار التي تسود في المجتمعات البدائية تعكس البناء الاجتماعي لتلك المجتمعات، وهذا هو السبب في اختلافها من مجتمع لأخر، وعلى هذا كرس بريا نفسه لتوضيح أن هذه المعتقدات تؤلف نسقا متماسكا يرتكز على مبدأ منطقي يسميه «المشاركة الغيبية». والحقيقة أن دراسته لهذا الموضوع كانت تحليلا بنائيا لا يقل شانا عن أبحاث دور كيم. ولكن بينما يهتم دور كيم بتحليل أنواع النشاط الاجتماعي المختلفة فان ليفي بريل يحلل الأفكار المتعلقة بهذا النشاط.
هكذا أكدت المدرسة الفرنسية أن الحضارات البدائية تقوم على قيم مختلفة عن القيم الأوروبية، أساسها التماسك الاجتماعي وان اكبر مظهر في الحياة النفسية البدائية هو التمثيل الجماعي أي أن الفردية متهافتة، وقد ذهب ليفي بريل إلى ابعد من ذلك فقال: بان البدائيين يعيشون في عالم لا معنى فيه للمنطق. وقد لعبت موسوعة «الحولية الاجتماعية» دورا كبيرا في بلورة ونشر آراء علماء هذه المدرسة وخصوصا بعد وفاة عميدها مرسيل موسى. وينتقد على الأنتربولوجيين الفرنسيين عدم اهتمامهم بالفوارق الكبيرة بين مجتمعات العالم البدائي إلا انه من جهة أخرى يعترف بفضل توجيه الاهتمام إلى الدور الكبير الذي تلعبه الطقوس البدائية في حياة البدائيين وبوضع النظرية الشارحة لكيفية تمخض تلك الطقوس عن رموز هي ما تسميها المدرسة بالتمثيل الجماعي، وهي ذات مدلول هام في الفن والدين لدى البدائيين.

                                                     
 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here