islamaumaroc

حديث في الحج

  دعوة الحق

77 العدد

لعل تبادل الأشياء والمنافع من ظواهر التعاون الأولى بين أفراد المجتمع البشري، سواء بتبادل الناس ذوات الأشياء وممتلكاتهم من غير واسطة الدراهم والنقود، كمبادلة المأكولات والملبوسات والأراضي والدور وغير ذلك بما يماثلها أو يخالفها في جنسها أو نوعها، أو تبادلوا المنافع بغيرها من ذوات أو منافع، كجعل صداق البيت مثلا عملا من الأعمال كما حكى الله عن نبيه شعيب حين أراد تزويج بنته من موسى عليهما السلام في قوله:«أني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج»، أو كانت مبادلة الأشياء المذكورة تقع بواسطة النقود الذهبية أو الفضية أو النحاسية أو بالأوراق البنكية المصرفية كما وقع في العصور الأخيرة، حيث صارت كل الأشياء  من الذوات والمنافع تقدر بالمال، وحيث جعل المال قيما لها قال الله تعالى في النهي عن إفساد المال وتبذيره:«ولا تأتوا السفهاء أموالهم التي جعل الله لكم قيما» وإذا انتقلنا إلى المبادلة الصغيرة بين أفراد المجتمع إلى التعاون الاقتصادي بين الأمم نجده قائما على التبادل الضخم في المواد الخامة وكميات المصنوعات ومختلف الإنتاج الحاصل من الثروة الحيوانية والنباتية والمعدنية.
ومن المعلوم أن لكل امة تشريعات خاصة تتعلق بالتجارة المحلية وبالتصدير والإيراد في المبادلات الخارجية من حرية الجلب والبيع أو تقييد ذلك كلا أو بعضا حسب ما يراه ولاة الأمة من مصلحتها، فما هو التوجيه الصالح الذي يكفل مصالح العمال المنتجين وأصحاب المعامل من جهة ومصالح المتاجرين والجالبين من جهة ثانية، ومصالح المستهلكين من جهة ثالثة. لا يخفى أن العدالة بين الجميع لا تتحقق إلا بمراعاة هذه الجهات الثلاث وما روعي جانب واحد دون غيره إلا وقع الضرر بالجانب الذي لم تقع مراعاته في الغالب،ـ حيث أن جل الناس لا يراعون إلا مصالح أنفسهم. وما كان للشرائع السماوية أو القوانين الوضعية إزاء هذه الحاجات الضرورية للمجتمع إلا أن تقر هذه المبادلات المشروعة وتدخلها في إطار العدالة العامة وتترك لولاة الأمور الذين بيدهم صيانة مصالح الجمهور كيفية السير بها في طريق تراعى فيه الظروف والأحوال، كسن التشريعات المتسعة لحفظ مصالح الناس ودرءا للمفاسد عنهم.
والمسلمون يجدون في القرآن العزيز آيات توجههم وجهة صالحة في المعاملات التجارية، منها الآية التي اشرنا إليها في عنوان هذا الحديث والتي ترسم الخطوط الكبرى في أفق العدالة الأعلى للمعاملات العادلة بين المسلمين، قال الله تعالى: (يا أيها الذين امنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة عن تراضي منكم)، فالنهي في الآية تعلق بالأموال لأنها قيم الأشياء والمنافع، ولا يبعد تعريف المتقدمين للمال عن تقدير المتأخرين، فقد رسمه ابن العربي بأنه ما تتعلق به الاطماع، ويعتد به الانتفاع، وقال انه يترتب عليه أن منفعة الرقبة في التجارة مال ومنفعة التعميم في العلم كله مال، أما الباطل ما لم يكن في مقابلة شيء حقيقي يعتد به، فالنهي يتناول في الآية كل ما يعده الإسلام من الباطل المحرم كحلوان الكاهن لحرمة الكهانة، ومهر البغي أي اجر الزانية لحرمة الإسلام لكل هذه الأشياء وما شابهها كالرشوة وهدية الشفاعة عند الحكام.
أما القسم الثاني مما أشارت إليه الآية الكريمة واخرجته من النهي فهو بعد الاستثناء في قوله:«إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم».
وذلك جميع المأكولات والمشروبات الحلال والملبوسات ومنافع السكنى والاجارات.
كما يباح أكل الأموال عن طريق الهدايا والتبرعات والصدقات والوصايا ضمن الحدود التي أقرتها الشريعة الإسلامية، أما ما يقع تناوله عن طريق المعاوضات والتجارات فيجب أن يكون على طريقة عادلة وذلك بمراعات حق المنتجين والمتاجرين والمستهلكين كما أسلفنا.
ومن توجيهات التشريع الإسلامي في هذا الموضوع منع الاحتكار أي حبس السلع عن البيع بعد جمعها من الأسواق حتى ترتفع أثمانها، ومثل الاحتكار في اللغة الحكرة بضم الحاء وسكون الكاف كما في الحديث الذي رواه الحاكم واحمد عن أبي هريرة من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ أي آثم، وروى الأئمة احمد ومسلم وأبو داود عن معمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يحتكر إلا خاطئ، وروى الطبراني في الأوسط والكبير عن معقل بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة، والعظم بوزن فقل أي مكان عظيم من النار.
ومن المعلوم أن هذا النص أن من ادخر لأهله قوت سنتهم وكسوتهم لا يسمى محتكرا، وقد كان النبي نفسه يفعل ذلك ولا مانع منه إلا إذا كانت مجاعة بالناس فقد فنيت مؤونة المجاهدين في إحدى سرايا الجهاد إلا قليلا منها فجمع الصحابة ذلك القليل وصاروا يوزعونه ثمرات على كل شخص بانتظام.
وكذلك الشأن في الملبوس، قال القاضي حسين وهو إحدى أئمة الإسلام:«إذا كان الناس يحتاجون الثياب ونحوها لشدة البرد أو لستر العورة فيكره لمن عنده ذلك إمساكه»، قال السبكي أن أراد كراهة تحريم فظاهر، وان أراد كراهة تنزيه فبعيد، وهذا ظاهر في أن السبكي يرى تحريم إمساك الثياب الفاضلة عن الحاجة وقت حاجة الناس إليها، قال الشوكاني صاحب كتاب «نيل الاوطار» والحاصل أن العلة إذا كانت هي الإضرار بالمسلمين لا يحرم الاحتكار إلا على وجه يضر بهم، ويستوي في ذلك القوت وغيره لأنهم يتضرون من الجميع.
ثم إذا منع ولاة الأمور الاحتكار لأنه يضر بالجمهور فهل تحدد الأسعار في جميع مرافق الحياة لان المصلحة العامة تقتضي ذلك أم يترك الناس أحرارا في بيع أمتعتهم وتحديد أجور أعمالهم وتقدير كراء أمكنتهم.؟؟
ظاهر الحديث الصحيح أن الناس يتركون أحرارا من غير تسعير أو تحديد، ففي البخاري ومسلم وغيرهما عن انس قال:«غلى السعر على عهد رسول الله فقالوا يا رسول الله لو سعرت فقال: أن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر، واني لأرجو أن ألقى الله عز وجل ولا يطلبني احد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال، وإلى هذا ذهب الجمهور وفي وجه للشافعية جواز التسعير في حالة الغلاء، وذهب مالك إلى جواز التسعير، فقد يقال أن الحديث يرد على الشافعيةفي الوجه الذي ذهبوا إليه، كما يرد على مالك في حالتي الرخاء والغلاء كما قاله أئمة الحديث إلا إننا إذا نظرنا إلى ما يعرض الحياة البشرية من أطوار اجتماعية تكثر فيها الرأفة بالناس والرفق بالمعاملات أحيانا، فلا يستغل الأغنياء والمتاجرون فيها اضطرار الناس والضعفاء، وهذا ما نظن الحالة كانت عليه في عهد الرسول لشدة تمسك الناس بتعاليم الدين فيها.
كما تقل الرأفة والرفق في المعاملة أحيانا أخرى فتستغل الرأسمالية الخبيثة حاجة الناس وتتكالب عليهم لترضي مطامعها وأنانيتها، وهذا ما نظن أن الحالة كانت عليه بعد ذلك حتى قال الإمام مالك بجواز التسعير في حالتي الرخاء والغلاء، بحيث لو كان النبي عليه السلام حيا وشاهد الرأسمالية تلعب أدوارا خبيثة في المجتمع البشري لشرع لها تشريعا حكيما يحد ويقص من بعض أطباعها وأنانيتها، ولرأي ما تغالت فيه هذه الرأسمالية من باب أكل أموال الناس بالباطل المنهى عنه في كتاب الله العزيز، ويصح في هذا الموضوع الاستشهاد بالقاعدة الهامة التي تعلق بها ذلك الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز حيث قال: تحدث للناس أقضية أي أحكام بقدر ما أحدثوا من الفجور.
وإذا رأى العمال أنهم مظلومون في عملهم حتى وقع تحديد أجورهم وعملت الحكومة على تحديد كثير من الأسعار في الأمور الحيوية كما عملت في وقت الحرب على عدم الزيادة في اكرية محلات السكنى والتجارة واتى عملها في جميع ذلك بفوائد جمة، أفلا يكون من المناسب والأصلح تحديد الحد الأعلى لاثمنة الأشياء بالنسبة للمنتجين في المأكولات والمشروبات والألبسة وكراء البناءات وتحديد الحد الأعلى للربح بالنسبة للمتاجرين في جميع هذه الأشياء، وتحديد رخص الجلب مع تعيين نوع السلع التي هي امتن وأوفق في الثمن من البلدان الخارجية ويستعان على ذلك بما يشير به الملحقون التجاريون لمختلف السفارات المغربية في الخارج بعد الدراسات الوافية التي يقومون بها لمختلف السلع ومقابلة بعضها ببعض في الأماكن المعينة لذلك.
أن هذه الإجراءات هي ما تقضي بها مصلحة الأمة العليا وترضاها هذه الأمة المغربية المسلمة تحقيقا لقول الله تعالى «إلا أن تكون تجارة عن تراضي منكم» والله ولي توفيق.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here