islamaumaroc

ملوك ورسائل.-3-

  دعوة الحق

77 العدد

من أهم ما نلاحظه في تاريخ الموحدين وحدة التصميم الذي كانوا يهدفون إلى تطبيقه وتنفيذه تأسيس هذه الدولة وملوكها يعملون على توسيع رفعة البلاد وبسط نفوذهم على كثير من الأرجاء والأنحاء لوحدوا بين أجزاء المغرب العربي من جهة وبين المغرب والمشرق من جهة أخرى وليزيلوا التنافر بين المغرب والأندلس.فهم كانوا يسعون في تحقيق إمبراطورية إسلامية كبرى يحيون بها الخلافة الإسلامية التي كادت تنهار في الشرق.
فالموحدون كانوا يرون في المسلمين في حاجة إلى قائد عظيم يجمع بينهم ويوحد صفوفهم ويعبد لهم مجدهم. وقد لاحظوا أن الخلافة العباسية أصبحت لعبة في يد كثير من الوزراء والحجاب وان الهيبة الإسلامية ضعفت بسبب ضعف الخلافة الكبرى لذلك ارتأوا أن يقوموا بأعباء هذا الأمر الجلل وان يتحملوا في سبيله كل الأخطار دون أن يبالوا بما سيكلفهم ذلك من جهود جبارة ومقاومات عنيفة.
ومما لا ريب فيه هذا الأمر لا يمكن أن يتسم دون أن تراق دونه الدماء وان تحاك ضده الدسائس وان يصاب برد فعل قوي من المحافظين على الأنظمة السابقة الذين كانوا يرون أن الخلافة العباسية يجب أن تظل مسيطرة على العالم الإسلامي ولو سيطرة صورية أو من الذين كانوا يرون أن ضعف الدولة العباسية سيير لهم طريق الحكم والسلطان.
لقد كان تصميم الموحدين حقيقة يثير كثيرا من الأحقاد ويبعث القلق في نفوس كثير من الملوك الذين يحكمون بعض الممالك الإسلامية ويضرم الغيرة في أنصار الخلافة العباسية أنداك.
فالموحدون كما تقدم في المقال الأول كانوا يرون أن عمرة البسيطة جميعا مطالبون بالرضوخ إلى حكمهم وان يأتوا إلى بيعتهم طائعين مهطعين، وقد كان الشعراء يديعون هذه الفكرة توددا إلى الخلافة الموحدية أو إيمانا بها، ويبدو ذلك واضحا في النصوص الأدبية الرائعة التي كانت تصور موقف الموحدين إزاء الأحداث وتبين تصميمهم السياسي العام وتدعو لهم بما كانوا يرجون، فهذا الشاعر الجراوي يخاطب احد ملوك الموحدين فيقول:

 (1)ستملك ارض مصر والعراقا
               وتجري نحوك الأمم استباقا

وإن استعمال السين الدالة على المستقبل القريب زاد المعنى تأكيدا وقوى الإيمان بالنصر وبتحقيق هذه الخلافة الإسلامية التي كان يطمح إليها الموحدون ويودون أن تكون لهم دون غيرهم.
وإزاء هاته الخطة التي كان يود الموحدون تنفيذها والتي كان يذيعها شعراؤهم ويبثها في كل الأصقاع ممثلوهم ودعاتهم وتؤكدها حروبهم وفتوحاتهم قامت معارضة كبرى حمل لواءها بعض المرابطين الذين لم يرضخوا لحكم الموحدين وأعانهم على الثورة صلاح الدين الأيوبي الذي كان يعتبر حامي الإسلام في الشرق وزعيم المسلمين في الحروب الصليبية الشهيرة.

لقد عمل صلاح الدين على إفساد خصلة الموحدين وعلى إحباط أعمالهم فأعان الفتن الداخلية في بلاد المغرب ليشتغل الموحدون بإطفائها ولئلا يجدوا القدرة على الفتح الشرق والاستيلاء عليه.
لقد رأى صلاح الدين أن الخطة السليمة هي إرسال بعض قواده الغزيين لاحتلال ليبيا وبعض أجزاء تونس فأرسل فائدة قراقوش الذي استعان ببعض الثوار في المغرب والأندلس.
فبنو غانية الذين كانوا يحكمون جزر البليار والذين استمروا على بيعة المرابطين رغم القضاء عليهم قد اتفقوا مع بعض بني حماد من سكان الجزائر ومع القائد فراقوش فكونوا جبهة لمقاومة الموحدين.
 
وعمل علي بن إسحاق بن محمد بن غانية على تنفيذ الاتفاقية فأرسل أسطولا إلى بجاية ودخل إليها على غفلة من عاملها الموحدي ولم يلق من سكانها إلا مقاومة ضئيلة ثم أرسل جنوده لاحتلال بعض المدن الأخرى فاستولوا على أجزاء من تونس ونحوا الموحدين عن قابس وقفصه.
ولكن هذه الثورة لقيت من الملك الجديد يعقوب المنصور مقاومة عنيفة لأنه كان يرى في القضاء عليها تركيزا لحكمه وتثبيتا لخلافته.
فإذا كان مقتل أبيه على حدود البرتغال قد شجع هؤلاء على الفتنة وحرضهم على العصيان والتامر فان زمام الحكم الذي أخذه المنصور قد غير الموقف وادخل الرعب في نفوس الذين ظنوا أن الساعة قد أزفت لإضعاف الدولة الجامحة، فقد أرسل المنصور جيشا جرارا أشرك فيه جنود البر والبحر للقضاء على المتمردين والثائرين والمتآمرين واستطاعت جنوده أن تتغلب عليهم وان تعيد البلاد إلى حكم الموحدين من جديد.
ورغم تمكن ابن غانية من الفرار فان جنود الموحدين استمروا في ملاحقته وقرر المنصور قرارا حربيا صارما بمتابعة الحرب إلى النهاية وبر بوعده حيث استمر ما يقرب من أربع سنوات في القضاء على هذه الثورة التي كادت تؤدي بملك الموحدين.
وفي كبح جماح هذه الثورة اظهر المنصور حزما وعزما وأذكى روح المقاومة في جنوده وصور لهم في جل خطبه بأنهم سينالون النصر لأنهم يدافعون عن الحق، والحق لا يقهر ولا يغلب.
وكان يقوم بدعاية حربية كبرى بحيث كان لا يفتر عن نشر البلاغات الحربية التي يضفي جلالا على مواقفه وتظهر انتصاراته المتوالية بل كان دائما يصور أعداءه في صورة الجبناء الذين لا يستطيعون أن يثبتوا في مواقف الحرب والجلاد ويصور جنوده آخذين بزمام المعارك يخشى بطشهم ويخاف من عذابهم الشديد.
وكان يكتب ذلك إلى عماله رسائل يدعوهم إلى نشرها في عمالاتهم وقراءتها على الكافة حتى يطمئنوا إلى النصر المبين
وفي هذه الرسائل كان الكتاب يتعمدون الأطناب ليبعثوا الأمل في نفوس المواطنين وليدخلوا الرعب والهلع في نفوس الأعداء وكانوا ينتقون لأساليبهم الأدبية ما يرفعها عن الابتذال حتى إذا ما سمعها من وجهت إليه أثرت فيه تأثيرا كافيا ولعبت بعواطفه فأصبح مأخوذا ببلاغتها وبيانها.
من هذه الرسائل كتبها عند محاربته للثوار بتونس يقول فيها:(2)«وكان هؤلاء الأشقياء والمتمردون، والكفرة المنخلعون، من ثوب الإسلام المتجردون، والجبناء المجرون بالخلاء وهم منفردون، والأوباش المتضافرون، على الحراية المتعاقدون، قد استنزلهم الشيطان وأغواهم، واستجرهم الطمع المهلك واستهواهم، وصور لهم أن لا قامع يقمعهم فأضلهم وأرداهم. ولما أذن الله تعالى يهلكهم وقضى بقهرهم على أيدي أوليائه المظفرين وعركهم، وإراحة هذه الجهات مما دهاها من زورهم وأفكهم عزم الموحدين-أعزهم الله- على النهوض إليهم إلى محال قرارهم، وغزوهم في عقر ديارهم، واستعانوا بالله تعالى على إبادتهم ومحو آثارهم، فنهضوا من تونس-كلأها الله- ودلائل تحجهم صادقة وإعلامهم بالفتح والتأييد خافقة، والنفوس بنصر الله وعودته واثقة، وتسيراته سبحانه مضايفة للرجاء في فضله وموافقة... وعندما أحس الأشقياء بحركة أهل التوحيد-أعزهم الله- إليهم وإطلال راياتهم المظفرة عليهم، وان أخذة الله الرابية قد أتتهم من ورائهم، ومن بين أيديهم، تحركوا من مواضعهم مخيلين بزورهم، منحرين بحبل وغرورهم، منقادين بريق الصغار إلى مصارع تدميرهم. وقدروا فكان حتفهم بحول الله في تقديرهم وتخيلوا أن كل بيضاء شحمة وكل سوداء تمرة، وتهموا أن تخيلاتهم الكاذبة تنفعهم كل مرة، وانخدعوا بما أملي لهم ليزدادوا إنما من إمهال وتبره، فسقط العشاء بهم على سرحان، وقادهم الحين المتاح لهم بأرسان واشطان وعرضوا مما قدروه من انتهاب مقر الجلاد ومر الطعان، وأعمال ظبي القوا ضب فيهم وعوامل المران، وصارت ضروح أشلائهم الممزقة، وأوصالهم المفرقة، حواصل الطيور وبطون الذؤبان.
ثم استمر في الحديث عن حروب الموحدين إلى أن بلغوا إلى بلاد قابس وهناك طلب المحاربون الأمان وتنازلوا عن المدينة دون حرب أو طعان وقد أشار الكاتب إلى ذلك بقوله:«وكان من صنع الله الذي لم يدر في خلد» ولا يسببه إلا التوكل على الواحد الصمد، إن لم يفقد من الموحدين-أعزهم الله- احد ولا انتقص لهم بفضل الله عدد».
وهكذا نجد أن هاته الرسائل كانت تقوي معنوية الموحدين وترفع نفوسهم فهي بمثابة الصحافة الموالية للحكومة تتحدث باسمها وتذيع انتصاراتها وتطرى مواقفها وتفرط أعمالها وتشوه مواقف أعدائها.
كانت هذه الرسائل تقوي نفوس الإتباع وتدخل الرعب في نفوس الأعداء كانت تذاع على الخاصة والعامة وتلقى على الجمهور من المنابر في خطب الجمعة وتتراجع إلى البربرية لتعم فائدتها جميع المغاربة وتلك خطة الموحدين فهم كانوا لا يقتصرون في نشر بياناتهم السياسية وأخبارهم العامنة وتفسير عقائدهم على اللغة العربية وحدها وإنما كانوا يمزجون بينها وبين البربرية أيضا.
ولم تكن الغاية من ذلك، التضييق على اللغة العربية أو عدم ثقتهم بمفعولها في الشعب ولكنهم كانوا يطمحون إلى نشر نفوذهم في جميع أجزاء المغرب العربي وكان من بين السكان من لا يعرف اللغة العربية ويخشون إذا ما اقتصروا على نشر أخبارهم بها وحدها أن لا تصل عقائدهم وآراؤهم إلى هؤلاء.
بل إننا إذا أردنا أن نحكم على العصر الموحدي في تاريخ الأدب العربي والثقافة العربية لوجدناه من أزهى الاعصر التي يجب أن يفتخر بها المغاربة فهو عصر كثر فيه الحكماء والعلماء والأدباء كتابا وشعراء.
وأننا إذا أردنا أن نحكم على موقف ملوك الموحدين إزاء اللغة العربية لوجدناهم يشجعون الثقافة العربية والأدب العربي بكل ما أوتوا من إمكانيات ولهذا فإن موقفهم إزاء البربرية ومشاركتها اللغة العربية في نشر الأخبار والعقائد إنما كان لغاية هادفة إلى تمكين عقائدهم من جميع البربر ليدفعوا عنها عن إيمان.
ولنعد إلى أعمال المنصور مرة أخرى فان جنوده ظلت في زحفها إلى أن بلغت إلى بلاد قفصه تلك المدينة التي نكصت مرارا مختلفة عن حكم الموحدين وسببت لهم مشاكل عديدة فلما استولى عليها رأي أن حصانتها هي التي تدفع الثائرين إلى التمرد لذلك قرر هدم سورها المنيع حتى يامن من شر النكوص والانقلاب.
وأعلن المنصور بعد فتح قفصه انتصاره المطلق على الثائرين وذكر في إحدى رسائله ذلك فقال:
(3)«وبتملكها تمت هذه الحركة المباركة تماما على الذي أحسن، وظهر عظيم صنع الله فيها لأوليائه المؤيدين وتبين، وتحقق كل مومن لطيف عناية الله بهم وتيقن، ولم يبق في هذه الجهات كلها من الاغزاز من ينفخ للفتنة في ضرم، ولا من يستقل للسعي إليها على قدم».
ولما تم النصر ببلاد إفريقيا للمنصور فكر جديا فيما سيقوم به إزاء نصارى الأندلس.
ورأى من السدد أن يعمل على تشتيت جموعهم وان يسعى في فرقتهم لذلك أقام معاهدة مسالة بينه وبين ملك قشالة كما جدد معاهدة هدنة بينه وبين ملك ليون فلم يبق أمامه إلا ابن الريق ملك البرتغال الذي كان قد قضى على يوسف وقتله.
لقد كان المنصور يريد أن يستغل التنافر الحاصل بين الدويلات التي كانت تحكم اسبانيا وكان عازما على الانتقام من البرتغاليين الذين لم يجدوا بعد تغلبهم على الموحدين من يناوشهم أو يحاول الانتقام منهم، فالمنصور كان يعمل على قمع الفتنة الإفريقية ولم يكن يرى من السداد توزيع قواته خشية أن تنهزم وتقهر لذلك تراه بعد انتهاء الحرب الإفريقية وجه عنايته إلى اسبانيا فأقام معاهدة السلم بينه وبين القشتاليين والليونيين ليجد الفرصة سانحة لحرب البرتغاليين فيتوجه إليهم بجنوده سنة 585هـ واكتسح ارض البرتغال تلك الأرض التي شهدت مقتل أبيه وجال في أنحائها يخرب ويحرق ويشتت الجموع ويؤدب العاصين ويهزم الطغاة ويذل الأعداء، ولكنه رغم ذلك لم يستطيع أن يتغلب على ابن الريق نفسه لأنه كان قد استحصن ببلاد شنترين وصعب على جنود المنصور أن يطيلوا الحصار وخشي المنصور على جنوده من استمرار الحرب دون نتيجة فأعطاهم الأمر بالرجوع إلى اشبيلية ليستريحوا من إرهاق الحرب وهولها وكتب من اشبيلية رسالة إلى عماله بخيرهم فيها بأيامه الخالدة وبانتصاراته الرائعة وبتصرفاته المطلقة في أراضيها وبإدخاله الرعب على جميع السكان الذين خذلهم أميرهم ابن الريق فانعزل عنهم وظل مستترا ببلاد شنترين ومما جاء في إحدى رسائله بعد أن ذكر الهول الذي أصيب به البرتغاليون قوله (4) «وملكهم ابن الريق بشنترين-أعادها الله- ملازما لانجحاره مستكن في جاره مدرع جلابيب خزيه الطويل وعاره، لا يبرز لمقارعة ولا يظهر لمصارعة ولا يبدي من جموعه الذليلة وجنوده القليلة أحدا لمنازلة أو مدافعة قد ألقى للحادثة بيده وطأ من أحشاءه ذلا وصغارا على كمده وجعل الاستتار على قريته المحصنة والالتجاء إلى جدره الممنعة أعظم معتمده في الاتقاء على خشاشته التالفة واكبر مستنده، وقد أقصدته جنود الحق وكتائبه وانتشرت بجهاته المستباحة حجافله ومقانبه وتدكدكت بوطء العساكر المنصورة والجيوش الموفرة إرجاؤه وجوانبه، ولو أصحر الكافر لناله إدراكها وعلقت به حبائل الهلكة وإشراكها وغشيه سبيلها وحطمه عراكها. وأقام الموحدون أياما يدرسون بلاده وينفون وغده ونماده ويحملونه من أوق المضرة وثقل المخزاة والمعرة ما لا يستطيع حمله وأوده والحمد لله رب العالمين»
وعاد المنصور سنة 587 هـ إلى غزو البرتغاليين فنشر الرعب بين ربوعهم ولكنه لم يتيسر له تتميم هذا الغزو فقد اضطر إلى الرجوع إلى بلاد المغرب ليقضي على بعض الثورات الداخلية التي تزعمها بنو غانية من جديد.

وبعد عودته إلى المغرب فكر نصارى الأندلس في أمرهم ورأوا أن تنافسهم على حكم بلاد الأندلس شجع الموحدين على غزوهم والقضاء عليهم لذلك فكروا في أن يكتلوا جهودهم وان يوحدوا صفوفهم لمحاربة الموحدين، وأرسل ملك قشتالة إلى المنصور يستخف به وبسلطانه يعلن انه نكث العهد الذي كان بينهما ويتحداه ويتطاول عليه ويدعوه إلى حرب جديدة يصبح بها ملك قشتالة ملك الملتين أو يصبح بها المنصور ملك الديانتين.
ولا شك أن هذه الرسالة قد أثارت غضب المنصور وجعلته أمام الأمر الواقع فإما حرب يتلوها نصر وإما تغافل عن الرسالة يعلو به شان نصارى الأندلس.
لقد رأى المنصور أن يذيع رسالة ملك قشتالة على الموحدين وان يجعلها سبيلا إلى رفع معنوياتهم وغلى تحريضهم على القتال والجهاد.
وتعالت أصوات الموحدين وأنصارهم في كل مكان بالدعاء للمنصور وأعلنوا جميعا بالفداء للإسلام ونصرته، وظهر التجاوب المطلق بين سكان المغرب وسكان الأندلس وبين البربر والعرب.
فلما رأى المنصور ذلك أعلن التعبئة العامة ونظم جيشا عظيما بقيادة أبي حفص الهنتاني وجعل قيادة الأندلسيين لعبد الله بن صناديد احد قوادهم المجربين فوضع خطة حربية موفقة عادت على المنصور وجنوده بالنصر المبين.
وكان موقع هذه الحرب بمكان يعرف بالارك بين قلعة رباح وقرطبة، وقعت سنة 591 هـ فكانت فتحا جديدا للمنصور قوى هيبته بين معاصريه وثبت أركان دولته وجعلها بحق دولة العز والظفر.
لقد شجعته هذه الواقعة على توالي الإيقاع بأعدائه فغزا بعدها الأندلس مرارا وأذاق أهلها قماءة وصغارا وتعددت فتوحاته وكثرت أيامه الظافرة التي خلدها الشعراء في قصائدهم وتنافوا في تصويرها وفي إذاعتها من ذلك قول شاعرة أبي يحيي بن عبد الجليل بن مجبر(5)

قضى حقوق الله في أعدائه
             ثم انثني والنصر تحت لوائه
بحر طما والبؤس من أمواجه
            صبح بدا والحق من أضوائـه
عمد أقام به المهيمن حقه
           والحق عمدة أرضه وسمائــه
وأباحه مهج العدا فكأنما
           قد نصلت ارماحتــه بقضـائه
أغزى بهم جيشا تضيق الأرض عن
           أفواجه والوهم عن إحصـــائه
لما رأى للشرك رسما ماثلا
           أوهى قواه وجد فــي إقوائــه

واستمر المنصور بالأندلس يقضي على أعدائه إلى سنة 594هـ ثم رجع إلى مراكش فلم تطل إقامته بها حيث مات سنة 595هـ بعد أن ولى العهد لابنه محمد الناصر.
هذه صورة سجلناها لأبي يوسف يعقوب المنصور لا تصور إلا جانبا من أيامه وحروبه.
وأما الجاني الاجتماعي والعمراني فان كتب التاريخ لا تني تذكر عن هذا الملك ما يقصر الوصف عن تحديده.
فهو الذي حرر الفكر من القيود ودفع المواطنين إلى التفكير الجدي في أمور دينهم وفتح لهم باب الاجتهاد وأمرهم بالرجوع إلى الكتاب والسنة وبعدم التقيد بكتب الفروع.
وهو الذي شجع العلم وقدره وقرب إليه كأبيه كثيرا من الأطباء والفلاسفة وأغدق عليهم العطايا. وان ما يذاع عنه من نكبته لابن رشد لا يعود سببها إلا لأمور سياسية محضة فلما زالت تلك الأسباب قربه إليه وشجعه في نشر آرائه وكتبه.
وهو الذي كان يحرص على أن ينال رعاياه حقوقهم الاجتماعية فكان يحصي الفقراء والأيتام ويمكنهم من عطايا تعينهم على احتمال الحياة بل كان يأخذ من الأغنياء ما وجب عليهم من الزكوات ويقدمها إلى مستحقيها، فما جاء في إحدى رسائله التي أرسلها من مراكش إلى الطلبة والموحدين والأشياخ والأعيان والكافة باشبيلية قوله(6)«أدام الله كرامتكم بتقواه-تأمرون العمال هنالك بدفع جميع ما تحصل في هذا العام من زكاة الفطر للشيخ الفقيه القاضي أبي المكارم-أكرمه الله بتقواه- يوزعه على الضعفاء والمساكين رفقا بهم وتوسعة عليهم، فاعتهدوا على ذلك إن شاء الله عز وجل والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

ذا زيادة على ما خلده من البيانات العظيمة ومن الآثار التي ما زالت إلى الآن تدل على عظمته ومجده فرحمة الله عليه وعلى كل بطل عظيم.

 
(1) هذا البيت مطلع قصيدة للجراوي هنا بها أبا يعقوب يوسف بن عبد المومن بابلاله من مرض :«النبوغ المغربي لعبد الله كنون-الجزء الثالث صفحة 854 الطبعة الثالثة».
(2) من الرسالة الثلاثين صفحة 184 وهي من إنشاء الكاتب أبي الفضل بن محشرة.
(3) الرسالة الثانية والثلاثون وهي من إنشاء ابن محشرة أيضا صفحة 208.
(4) الرسالة الرابعة والثلاثون من إنشاء أبي الفضل بن محشرة أيضا صفحة 226.
(5) شرح مقصورة حازم للشريف الغرناطي، الجزء الثاني الصفحة 155.
(6) الرسالة الثامنة والعشرون صفحة 167.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here