islamaumaroc

فجر الإسلام -2-

  دعوة الحق

77 العدد

واليوم تبدو حاجة الإنسانية إلى الإسلام، وتبدو عالمية الإسلام نفسه، ذلك أن الإسلام اليوم حين بفتح جبهة جديدة في الفكر الإنساني ويغزوه من جديد على هذا النحو، إنما يثبت صلاحيته الحقيقية لحل مشاكل البشرية وليس قادرا أكثر منه على تحقيق هذا الأمل للأمم الحائرة بعد تجاريها الطويلة خارج نطاقه، فقد انصرفت الحضارة الحديثة عن المسيحية عندما عافتها عن التقدم العلمي، وبذلك انصرفت عن الدين كله، وظنت حين واجهت الإسلام انه كالمسيحية سيقف في وجهها ونظرت إليه من نفس الزاوية، وحكمت عليه قبل أن تكشف جوهره، وحملت دعوة التغريب رأي الفكر في الدين الذي كونته عن طريق مفاهيمها في المسيحية، محاولة أن تطبقه على الإسلام غير أن الأمر يختلف كثيرا، وإمامنا هذه الوثائق التي قدمها نفس الإعلام المثقفين الذين قارنوا بين تجربتهم في الإسلام والأديان الأخرى تعطي الحقيقة ولا شك لأن العالم يمر اليوم بأزمة سياسية يضطرب لها كيانه كله، في تهويماته الحائرة بين المذاهب والدعوات والأفكار مما يصوره هارولد لاكسي. حين يقول «منذ قرن مضى كان في مقدور الدين أن يتيح للكثيرين الأمل في تعويض ما نالهم من الحياة وذلك في الحياة الأخرى، أما الآن فقد أطفا العلم أنوار السماء ولا طريق للخلاص إلا في ظل الحاضر العاجل. ومنذ قرن مضى رأى الناس بارقة أمل في الصناعة الجديدة.

والآن وبالرغم من مزاياها الهائلة يتضح أن الطاقة المادية التي تستطيع أن تشكل الطبيعة لخدمة أعراضنا دون أن يساندها مبدأ ما لم يصبح لها أي معنى إلا إذا كان لهذه الطاقة هدف معروف ثم التمست في بعض المذاهب الكاملة شيئا يكون دينا آو كالدين، ولم تستطع القومية أو الديمقراطية أو الفاشية أو الماركسية أن تسد في قرن أو قرنين سد الدين الذي اشبع العقول والقلوب من قرون وقرون.

وعالجت الحضارة الغربية بعض أزماتها في ميدان علم النفس تحاول أن تسد الثغرة الروحية في بناء الحضارة المادية بعلم يسير على مناهج العلوم التجريبية البحثة ونجح علم النفس حيث تواضع واخفق حين جمع ينشد فلسفة نفسية كاملة أو دينا جديدا، وأشار في نجاحه وإخفاقه إلى الضمير الغائب، إلى الدين».
ويعترف (سيمون وايل) في مقاله البحث عن الجذور بان العلم الحديث النظم الاقتصادية والسياسية قد فشلا في الاعتراف بحاجتها إلى الهوي الله مما اوجد هذه المساوئ وهذا التفكك والتشويش والقلق الذي يهين أفكار أهل الجيل وسلوكهم.
وتقول الكتابة الفرنسية مدام «سنت بوانت» اتهم المدنية الغربية بأنها اقتصرت عن القيام بالمهمة التي تزعم أنها ألقيت على عاتقها في الأجيال الأخيرة اعني المهمة التي ترمي إلى نشر تعاليم الإنسانية وتعميمها على وجه الأرض وتؤدي إلى الاتحاد، قد أراد الغرب أن يوحد العالم ولكن تحت سلطانه ولمصلحته والعالم لا يساس بالعدل وبالحب والإخاء ويرد الحقوق إلى أهلها، ولكن الغرب لجا إلى القوة الغاشمة وعبث بالشرائع الدينية وخاف تعاليم المسيح عيسى الذي أمر بمحبة الناس أجمعين».  

ومن هنا يأتي تقدير المنصفين الغربيين للإسلام كوسيلة لحل الأزمة الإنسانية العالمية يبدو هذا في كتابات الكثيرين منهم:
1- فبرناردشو يقول «أنا على يقين من أن دين محمد سيكون دين أوربا في غد، كما انه قد اخذ الأوربيون يقبلونه من اليوم وفي القرن التالي سيكون أهل أوربا أكثر معرفة بفائدة اعتقاد محمد في حل مشكلاتهم.
2- وليون روش في كتابه (30 عاما في الإسلام) يقول:
ولقد وجدت في الإسلام حل المسالتين الاجتماعيتين اللتين تشغلان العالم طرا (الأولى) في قول القرآن (إنما المؤمنون إخوة) فهذا أجمل مبادئ الاشتراكية، (الثانية) فرض الزكاة على كل ذي مال وتخويل الفقراء حق أخذها غضبا إذا امتنع الأغنياء عن دفعها طوعا.
3- ويقول تويمي: أن الإسلام قد قضى على النزعة العنصرية والصراع الطبقي بتقرير مبدأ الإخاء الإسلامي والمناواة المطلقة بين المسلمين، وعلى الغرب أن يأخذ بهذا المبدأ الإسلامي لتنجو المدنية الحالية مما يدب فيها اليوم من عناصر العداء
4- ويقول اللورد هدلي، لو دبت لجنة من الانجليز الأكفاء لفحص الدين الصالح لان يتدين به العالم كله لأجمعوا على اختيار الإسلام.
5- ويقول رينان: وما يدرنا أن يعود العقل الإسلامي الولود والكثير المواهب إلى إبداع مدنية أرقى من زميلتها المندثرة، أن فترات الازدهار والانحطاط مرت على رأس جميع الأمم بما فيها أوربا المتعجرفة.
6- ويقول هورتن الألماني: لا نجد في الإسلام سدا يمنع من نفوذ الثقافة الغربية إليه بل نرى أن له استعدادا بقبول الثقافة لأحد له.
7- ويقول أحد كتاب الغرب المنفيين أن العرب أول من علم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين.
8- وقد صور هذا المعنى الفيلسوف سبنسر في حديثه مع الشيخ محمد عبده حيث قال: محي الحق من عقول أهل أوربا، واستحوذت عليهم الأفكار المادية فذهبت الفضيلة وهذه الأفكار المادية ظهرت في اللاتين أولا، فأفسدت الأخلاق وأضعفت الفضيلة ثم سرت عدواها منهم إلى الانجليز، وقال إنني أتهم المدنية الغربية بأنها قصرت عن القيام بالمهمة التي تزعم أنها ألقيت على عاتقها في الأجيال الأخيرة.(1)
وهكذا يكشف الفكر الإسلامي عن حقيقتين كبيرتين:
أولا:«عالمية الإسلام» وانه ليس دينا فقط بل دين وثقافة وحضارة ومجتمع.
ثانيا: حاجة الحضارة القائمة إليه وحاجة الإنسانية لحل معضلاتها.
بق أن ننظر إلى الإسلام نفسه وموقفنا في العالم الإسلامي منه.
فنحن اشد ما نكون حاجة إلى أن نؤمن به ونشق بحاجتنا نحن أولا إليه باعتباره المصدر الحقيقة لثقافتنا، والأساس الأكبر لمقوماتنا الفكرية والروحية، وعنده تجد القوة لواجهة كل الأعاصير وحل كل مشاكلها، ومقاومة كل التحديات.
وجوستاف لوبون(2) في حديث له مع مصري يدعي «توفيق يزدي» زره سنة 1911 في منزله بشارع افيينو بباريس يكشف هذه الحقيقة ويجاهر بها حيث قال:
إن سبب انحطاط الشرق هو تركه روح الدين، وتنبيه بالعقائد الباطلة، فان قوة الدين قوة أدبية لا يستهان بها.ومن الواجب عليكم أن تأخذوا من دينكم ما يوافق روح العصر وان تحافظوا على تقاليدكم الحسنة وعاداتكم المرضية وعلى الطلاب الين يأتون أوربا إن يجنوا من العلوم والفنون والأفكار ما ينفع اتوطانهم ويوافق أخلاقهم، أن الشعب الذي يريد الرقي يجب إلا يقطع الصلة التي تربطه بماضيه.
ونفس هذا المعنى يردده المستشرق (وامبري) حيث يقول: أن روح نظام المسلمين هم «الدين»، والذي أحياهم هو «الدين»، والذي يكفل سلامتهم في المستقبل هو«الدين» ليس إلا»..
والذي لا شك فيه أن الإسلام استطاع أن يقاوم كل ما وجه إليه من تعديات، وانه قد خطا خطوة واسعة منذ استطاع أن ينفذ بروحه القوية إلى الفكر الإنساني فيكسب أنصارا خارج العالم الإسلامي لا يعرفون العربية ولا يقرؤون القرآن بها وهذه آية عظمته، وقد اعترف له الجميع بأنه لن يسقط أمام الحملات العنيفة التي يشنها الاستعمار والنفوذ الغربي عليه وقد سجل ذلك الدكتور كريستيا سنوك هرجرنج الهولندي عام 1913 عندما كان الإسلام يمر بأقسى فترات التحدي والتعصب والمقاومة حين قال:«لا اعتنق أبدا أن الإسلام يسقط أمام النصرانية أو الغرب وقد تغلغلت الأقطار الأوربية في بلاد المسلمين، ولكن لم يجد منها الشعور الأوربي مركزا، لهذا اتجرا على القول بان المسلمين سيستمرون على دينهم وكلما عشت بين المسلمين ازددت اعتقادا بان الإسلام سيجري في نشوئه على طريقة التي سلكها ولا يمكن أن يقع انحطاط تدريجي في الإسلام لأنه لا توجد بواعث خارجية تمنعه، فالإسلام قوى ولم يضعف»(3)
وبعد: ففي يقيني أن يكتبها المسلمون، وإنما كتبها مثقفون من الغرب والشرق من خارج نطاق العالم الإسلامي أتيح نهم أن يتصلوا بالإسلام قراءة أو زيارة ومن خلال ركام ضخم من حملات التعصب على الإسلام اكتشفوا الحقيقة، واستطاع الإسلام بقوته الذاتية أن يواجه نفوسا متطلعة إلى الحقيقة، فعرفته وآمنت به وآمنت بعالميته، وحاجة الإنسانية إليه.
وهكذا استطاع الإسلام لن يغزو الفكر الإنساني مرة أخرى وان يحقق له تيارا قويا هو مقدمة أكيدة لتقدم خطير في مجال الإيمان به إزاء أزمة البشرية الضخمة التي تواجهها الآن وما أصاب الإنسان في العالم كله من قلق واضطراب وتقلب بين المذاهب والدعوات والنظم.
ولا سبيل له إلى حل مشاكله والوصول إلى العلمانية الفكرية والنفسية الحق إلا عن طريق واحد هو:
                  «الإســــــــــــــلام».

(1) موسوعة الحديقة لمحب الدين الخطيب م 3 ص 152.
(2) مجلة رمسيس السنة الثالثة ص 619.
(3) تاج 3 المنار ص 212.


                                                          

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here