islamaumaroc

معالم التشيع في أدب الدولة السعدية

  دعوة الحق

77 العدد

حينما تعرضنا في تفسير «السبعية» في شعر أبي حفص السلمي، وقلنا بخطورتنا، لما قامت عليه من فكرة هذه «السبعية» عند الشيعة، لم نرد بذلك أن أبا حفص كان يعتمد بها في تفاصيلها، بل لعلها لم يكن قد اطلع على تلك التفاصيل قط، وإلا لكان يربأ بنفسه عما ورد في نهايتها بالذات، وإنما كانت فكرة السبعية، ممثلة في ذهن القوم على الجملة، شأنها في ذلك شأن باقي المبادئ التي نزحت إلى المغرب، فاستفاد منها إلى حد، أو اعتقدها وعمل بها إلى حد كذلك. فالتطرف في الأفكار والاستماتة في جوهر بثها والاعتناق لها كمذهب مجرد يجب أن يدافع عنه، في حد ذاته، هذا ما لم يعرفه المغرب، كما عرفه غيره في المشرق على الخصوص.
نقول بهذا الحكم ولا نخص به عصرا من العصور، فمن قبل اعتنق المغرب المسيحية قبل أن يعتنقها العالم الغربي، ولكنه اعتنقها في ظروف أملت عليه هذا الاعتناق وسرعان ما ودع هذه المسيحية بدون أسف على فراقها-كما قيل- لما رآها غير محققة لآماله ولا مخلصة لرقبته من نير الظلم والعدوان وربقة العبودية والطغيان...
فلو كان اعتناقه هذا عميقا كل العمق ومتجردا كل التجرد، غير ملائم فيه بينه وبين حيثياته الخاصة، لوجدنا المغرب لا يختلف عن الشرق في شيء، لا يختلف عن مصر أو الشام أو العراق مثلا، فالإسلام لم يطارد دينا من الأديان، بل ابقي عليها في الشرق، كما أبقى على المسيحية بالأندلس، أو الموسوية بالمغرب نفسه، في قومها من بني إسرائيل..
وعلى كل حال فان التشيع طرق المغرب في عهد مبكر، ووجد له صدى به، واعتنقه القوم، لما كان يحيط بهم من ظروف اجتماعية ثم تدخلت السياسة واستغلت هاته الظروف وعملت عملها، الذي سجله التاريخ..
أما الأدب فانه لم يسجل لنا إلا صفحات، كانت أولاها تقرأ في القرن الخامس، وبتلك الهاشميات التي خلدها لنا ديوان ابن إدراج وقد نضمها هذا في أمراء بني حمود الدارسة، أصحاب سبتة وطنجة وبلاد الأندلس، وخصوصا منهم على بن حمود وأخاه القاسم وابنه يحي الملقب بالمعتلي.
فهذه هي المرحلة الأدبية الأولى، التي تنفس فيها التشيع المعتدل، تنفسا قصيرا، ولكنها سرعان ما خفت صوته بقيام دولة المرابطين.
وبسقوط هذه الدولة العتيدة وقيام الدولة الموحدية، وجدنا التشجيع بطل علينا، في قوة وتطرف إلى حد ما وأكثر مما كان عليه أيام بني حمود، وفي مبادئ معقدة استغلتها الدولة استغلالا عظيما.
وبسقوط هذه الدولة وقيام دولة بني مرين، لم يعد للتشيع ذكر ولا مناسبة يستغلها، لان ذلك لم يكن في صالح الدولة نفسها.
فلما جاءت دولة الإشراف السعديين، كانت حريصة كل الحرص أولا على بناء دعائمها على هذا الشرف، فانساقت بذلك فكرة المهدي، وهي فكرة عمل بها المهدي ابن تومرت الذي ادعى انه من الأرومة النبوية.
ووقف الأمر عند هذا الحد، أو لم يسجل لنا الأدب شيئا أكثر من هذا، فلما كانت نوبة المنصور، تعقد الأمر، وتدخلت في تعقده عوامل سياسية عنيفة، مواجهة للخطر الطوراني الذي كان يهدد الدولة في كل  حين، فكان لا بد من درء هذا الخطر بكل الوسائل التي كان منها هذا التشيع الذي ظهر متحفظا في شعر الدولة، وفي بعض نثرها، كما ظهر في تشجيعها للتأليف الذي يكتسي صبغة التشجيع..
والواقع أن الأتراك، كانوا متضايقين من الصفويين الشيعة في الشرق، والسعديين العلويين في الغرب، وكان هؤلاء بدورهم يمدون يدهم نحو الشرق، فيتصلون في مصر بآل اليكري ويبثون تجارهم في الشام وحلب على الخصوص للدعاية لهم. أما الصفويون فقد وقعت في يدي لهم وثيقتان سنة 1949 يحاولون بهما ربط علاقتهم بالمغرب، ولعل تشاط «انطوني شرلي» بعيد وفاة المنصور، في هذا، كانت له سوابق فيما مضى...
نعم. وجدنا احمد المنصور، العالم المجدد، يثيب على إحياء التشيع بالتأليف، ويجيز سعيد الماغوسي بالآلاف من أوق الذهب الإبريز، ويجري عليه الجرايات السنية، لأنه شرح كتاب «درر السمط في مناقب السبط» لابن الآبار، الذي نعي عليه فيه انه «كتاب تشتم منه رائحة التشيع» كما قال ابن الأحمر وغيره...
أما النصوص (1) الأدبية فهي طافحة بهذه الكلمات المعروفة عند الشيعة، من مثل السبط والوارث والوصي وابن البتول وما هذه الكلمات التي وجدناها تروج في أشعار رجال الدولة من كتاب وقواد وغيرهم، كما وردت فيها وفي غيرها عبارة تومئ إلى مبادئ الشيعة في بعض الأحيان، وقد تحتج لتلك المبادئ التي تنصل بالخلافة على الخصوص.
فمن ذلك شعر وزير الدولة الكتاب أبي فارس عبد العزيز القشتالي الذي يقول في إحدى مولدياته:

هذا الذي يجبي البلاد بعدله
             ويعيدها نشرا وكن رمامـا
هذا الذي وعد الإله بأنـه
            يطوي البلاد ويفتح الاهراما

ويقول في إحدى مدائحه للمنصور:
يروى عن المنصور فيه محمد
               ما أسندته إلى الوصي مناسب

ويقول في مدحه لولي عهده محمد الشيخ:
فاني بكم آل الوصي لفي حمى
         يعز على الشعري تسنمه رقيا

ويقول أيضا:
يحكي عن المنصور في عزماته
            وعن الوصي أبيه في «صفين»

ومما كتبه هذا الوزير على قبر المهدي قوله: ...« وملا الأرض عدلا وطهرها من أدناس الجور» وهذه لاشك إيماءة على فكرة المهدي عند الشيعة .

ومن هذا ما ورد في شعر الشيخ الجماعة عبد الواحد بن احمد الشريف، من قصيدة له مولدية:
ياتاج رسل الله يا قطب الهدى
             كادت تذوب لبينك الأعضاء
لكن دنو سبطك المنصور قـد
            زال العناء به وزال الداء
كل الملوك سواءه يخشى الوغى
           والحرب وهو تخافه الهيجاء
فلو انه في «كربلاء» شاهد
           ما عم فيها المسلمين بلاء

ومنه ما ورد في شعر الكاتب أبي عبد الله بن علي الهزوالي من إحدى مدائحه للمنصور:

إلى الملك الشهم الذي لقحت بـه
             لقاح الحروب بكرها وعوانها
إلى أن البتول المجتبي من نجارها
             وفرع العلا المعتام من خيراتها

ومنه ما ورد في شعر الكاتب الحسن المسفيوي من إحدى مدائحه للمنصور:

يقر بك المهدي عينا وقبله الـ
             ـوصي بما أعتبت من طيب الذكر
بمن لو رمى «صفين» يوم جلاده
             لحلت بجيش الشام فاقرة الظــهر

ويقول في مرثية لبعض أولاد المنصور:
تناول شلوه رضوان كيما
           يؤديه إلى مهـدي البتـول
ويذكر له هذا البيت، الوارد في قصيدة يمدح بها المنصور:
لابد من انجاز ما في الغيب من
              إبراز موعود به ومدخر

ينسب له هذه القصيدة الفشتالي في مناهله، وينسبها المقرئ للقائد أبي الحسن الشياظمي في روضته. وأبو الحسن هذا قد أفصح تمام الإفصاح عن الفكرة الشيعية في الإمامة أو الخلافة، وذلك إذ يقول
من قصيدة له ميلادية:
إن الخلافة في ذؤابة هاشم
               لا يعدها للغير قول وفاق
 لهم الأحق ومن عداهم معتد
               فلهم وراثتها بالاستحقاق
أصل رسا في المكرمات ونسبة
              علوية في منتهى الإغراق
وهكذا فان أصداء التشيع كانت تتردد في جنبات الدولة برجالها، أما من عداهم من أدباء وغيرهم فلم نسمع لهم في ذلك ركزا...

(1) لاشك أن وصف فاطمة الباتول مما يصلها بمريم ابنة عمران، وقد قال لي أستاذي الدكتور إبراهيم أمين، لكنه لما زار إيران وتردد على مساجدها، كانت تواجهه لوحات فنية مؤثرة تمثل مصرع الحسين، بمثل ما تمثل هذه اللوحات في الكنائس تصليب المسيح، كما يزعمون...

 

  

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here