islamaumaroc

محاضرة جلالة الملك في جامعة القاهرة

  دعوة الحق

77 العدد

عاشت جامعة القاهرة يوما من اخدايامها حيث ربطت فيه ماضيها بحاضرها، وأثبتت فيه أنها تقدر دائما العاملين المخلصين من أبناء العروبة، وتعترف بفضل المناضلين الأبطال، وقادة الأمة العربية.
فقد استقبلت الجامعة في رحابها جلالة ملك الغرب الحسن الثاني وارث سر القائد العرب العظيم الملك الراحل محمد الخامس، حيث أقامت حفلا تكريميا كبيرا على شرف ضيف الجمهورية العربية المتحدة العظيم جلالة الحسن الثاني ومنحته دبلوم الدكتورة الفخرية تقديرا لجلالته على الجهود التي ما فتئ يبذلها حفظه الله لإشعاع نور الحركة الأدبية، وإحياء التراث العربي، ورعاية الدراسات الإسلامية، وتقديرا لجلالته على السياسة الرشيدة التي يسكنها لتوثيق عرى التضامن العربي.
وكان الطلبة يهتفون بصوت واحد وبشعارات وطنية كانت كلها تفيض ترحابا بالقائد المغربي المظفر، وتفيض كلها حماسا وغيرة على الوحدة العربية والإخاء العربي وقبل إلقاء المحاضرة المألوفة الاعتيادية، والخطاب التاريخي القيم، ارتجل حفظه الله كلمة عامرة على الطلبة، ومما جاء فيها:

«معشر الطلبة، إن لقائنا هذا أيقظ في لواعج من الحنين الشديد وذكريات قوية وعميقة، وإنني واقف بينكم أرجع بذكرياتي إلى ذلك العهد، ذلك العهد الحماسي الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يشرف به جيلي، ذلك العهد الذي كنا فيه في آن واحد نسعى إلى طلب العلم ونجاهد في سبيل بلدنا، وقد أدركنا منذ ذلك اليوم نحن الطلبة في المغرب، مثل ما أدركتم أنتم الطلبة في المشرق، أدركنا أن الحياة جهاد مستمر، وأنه كما قال الحكيم العربي «لا حد للكمال ولا نهاية للفضيلة»، فلا شك أن جيلنا سوف يطبع تاريخه، وسوف يطبع وقته، ولا شك من أنه سوف يربي الجيل القادم على احترام الشدات وعلى رفع المشعل، ذلك المشعل المقدس الذي من أجله في مشارق الأرض ومغاربها دفع الثمن غاليا.
وقبل أن ألقي عليكم المحاضرة المألوفة الاعتيادية أريد أن أمنح نفسي حرية، وهي أن أصبح معكم مثلكم وأنا طالب فأقول: عاش طلاب العرب، عاش طلاب العرب، عاش طلاب العرب.
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين
فخامة رئيس الجمهورية، سيادة مدير الجامعة، حضرات الأساتذة والعلماء، إخواني الطلبة.
إن الذاكرة لترتد بنا خمسة أعوام إلى الوراء، يوم جاء والدنا المرحوم محمد الخامس طيب الله ثراه، يوم جاء إلى الحرم الجامعي، ليتسلم فيه شهادة الدكتوراه الفخرية من هذه الجامعة، التي طار بذكرها الركبان، وعم إشعاعها القاصي والداني في مختلف البلدان، فتكريمكم اليوم لشخص والده، وخلفه في جهاده، سلسلة عرفت في هذا الحرم، ومكرمة أثيرت بين هذه الرحاب الشريفة عن الحفيظ الأكرم، بالإضافة إلى ما يخامرنا في هذه اللحظة من عواطف المسرة والاعتزاز والافتخار، فإننا لنشعر شعورا خاصا بما يعبر عنه هذا التكريم، ويدل عليه هذا التقدير، فإذا كان من تقاليد هذه الجامعة أن تزكي جهود الوافدين على هذا القطر الحبيب، ممن عرفوا بطول الباع وضربوا بنوع من الأنواع بسهم في نشر الثقافة، وتثبيت دعائم العرفان، فإن التزكية التي تحظى بها اليوم جهودنا المتواصلة لا تنحصر في شخصنا، ولا تقف عند حدود ما أسهمنا به باعتبارنا ملكا لقطر شقيق، في ميدان المعرفة ومجالس العلم والتثقيف، بل تشمل المغرب الأقصى بأجمعه، ذلك الجناح من العالم العربي الذي كان وما زال شديد الحرص على عروبته وتوثيق الصلة بشؤون الثقافة أيا ما كانت مصادرها وينابيعها، قوي الرغبة في الأخذ والعطاء الجميل في الاستكشاف والاستجلاء، محمود المسعى في البذل والسخاء. لقد اعتنق المغاربة الإسلام طوعا واختيارا، ورضى واستبشارا، إذ حمل إليهم هذا الدين الحنيف من مكارم الأخلاق، وسليم المبادئ، وصحيح الأحكام، وقويم النظم، ما سعدوا به أفرادا وجماعات، وأقبلوا على العربية لغة القرآن، يتدارسونها، وعلى فنونها يتعلمونها، ويعلمونها، وما لبثوا أن لمسوا في فيها من المرونة والاقتدار على التعبير عن أدق الصور المادية والخلجات النفسية، واستمسكوا بها لسانا قويما مبينا فأحبوها حبا مكينا، ولما وصلت إليهم من المشرق ثقافة الإسلام، وعلوم العربية، ومعارف الأمم المتقدمة، استوعبوها وأتقنوها وتناولوها بتأرلهم وأفهاهم فأكملوا ناقصها، وأوضحوا غامضها، وفصلوا مجملها، وهذبوا حواشيها، وزادوا ببحثهم وجدالهم وتخيلهم وافتراسهم في غناها وثروتها، لم يكتفوا بذلك، بل أضفوا عليها من حلتهم، وطبعوها بطابعهم، حتى صارت لهم مدارس مذكورة، ومذاهب مأثورة في علوم الدين، وفنون اللغة والمنطق والفلسفة والطب الرياضيات والتاريخ والفنون الشعبية، وحتى صارت جامعة فاس ومراكش وسبتة ومعاهد الأندلس التي عاشت طيلة عصورها الإسلامية تحت حكم المغرب أي في كنفه تضاهي جامعات أقطار الشرق العربي ومعاهده، وهل يمكن أن يذكر أعلام فكرنا العربي وتراثنا الإسلامي دون أن يذكر من بينهم أو في طليعتهم الحافظ الجدلي ابن حزم والمؤرخ ابن خلدون، والفيلسوف ابن رشد، والطبيب ابن زهر، والرياضي ابن البناء، والجغرافي الإدريسي، والرحالة ابن بطوطة، والمجازي، والغساني، والمفكر أبو حيان والمحدث ابن رشيد، والفقيه عياض؟، أم هل يمكن ذكر العربية وأدبها دون أن يذكر: ابن مالك وابن آجروم، وابن هانئ وابن زيدون، وابن سبيه وابن المرحل ولسان الدين ابن الخطيب والفتح بن خلكان وابن سعيد وابن بسام والفشتالي والمقري، والغزالي وغيرهم ممن يطول تعدادهم من كل عالم لبيب وشاعر أديب وضارب في مختلف العلوم والفنون بسائر المتن، على أن العلوم الإسلامية والفنون العربية وإن صارت في الجناح الغربي من العالم العربي، تلك المدارس التي تعرف بها والطوابع التي تتسم بها، لم تنقطع صلتها بالعلماء العرب والمسلمين وفنونهم في الجناح الشرقي من العالم العربي بل ظلت جزءا من ترابهم وركنا في صرح ثقافتهم ومدنيتهم، وكانت على بعد الدار وسعة المزار، أداة تأثر وتأثير، فلم تتند صلات قوية بين علماء المشرق وعلماء المغرب إذ كانوا يتكاتبون ويتراسلون ويتحاورون ويتشاورون ويستفتي بعضهم بعضا فيما كان يعن من قضايا، ويعرض من نتائج، ويتهادون الدواوين، ويتبادلون المؤلفات ويرحلون من قطر إلى قطر للسماع والرواية والأخذ والدراية، لا تقف دونهم حدود، ولا تحول بينهم سدود ولا قيود. وبالإضافة إلى ما لهؤلاء العلماء الأجلة الأمجاد والأدباء النوابغ الأفذاذ من فضل في الميادين العلمية وأياد ناصعة بيضاء في المجالات الأدبية فإن فضلهم في الحقل السياسي وفير، وأثرهم في حفظ الكيان العربي كبير، ففي الوقت الذي تمزق فيه أديم الأمة العربية، وبليت جدتها، واستحالت أقطارها الشاسعة وممالكها الواسعة إلى دويلات صغيرة وإمارات ضيقة متصدعة البنيان متداعية الأركان، وفي الوقت الذي أضاع فيه العالم العربي سيادته وفقد حريته، ولم يفلت منه من السيطرة الأجنبية غير المملكة المغربية، أطال هؤلاء العلماء باللسان نفسا، وأبقوا لثقافتهم رمقا، وكانوا دوما في الطليعة يذودون عن الكيان العربي ويحرصون على مقاومة الكائدين له والساعين في تقويضه والقضاء عليه، وإنه لحري بجامعاتنا ومعاهدنا وأساتذتنا وعلمائنا أن يضاعفوا الجهود لدراسة آثار هؤلاء العلماء وبعثها من مرقدها واستكشاف ما فيها من نظريات قيمة وآراء صحيحة راجحة، لإبراز فضل العرب على المدنية الحديثة وإدراك الأسرار التي حفظ بها علماؤها كيان العرب من الانهيار، ولسانهم من الاندثار، والاستعانة بها على توثيق العرى الجامعة بين الشعوب العربية وتوجيهها نحو الوحدة المنشودة، وقد تيسر اليوم من الوسائل العلمية وأسباب النشر والإعلان والاتصال ما هو كفيل بتقريب الأبعاد وتذليل الصعاب وتوحيد مناهل العرفان، وسبل التهذيب والتكوين والتثقيف، وما هو خليق ببعث الأمة العربية من جديد متوازية الخطى متناسقة الجهود في هذا المضمار، لا اختلاف بين مشرقها ومغربها ولا فرق بين قاصيها ودانيها، وهذا ما دأبنا من جهتنا في المغرب على العمل له والسعي فيه منذ استرجاعنا  لحريتنا واستقلالنا، بما ننشئ من مدارس ومعاهد ونشيد من كليات وجامعات ونبث من علم وعرفان في مدننا وقرانا ونربط حاضرنا بماضينا ونعد من شبابنا، بالاضطلاع بنشر ثقافة أمتنا العربية ولمواصلة أداء رسالتها السامية حتى استطعنا أن نحقق في هذا المجال أعمالا جليلة وننجز مشاريع مفيدة، إلا أننا إلى جانب ما نقوم به في هذا السبيل كملك لشعب ورئيس لدولة له مسؤوليات وعليه تكاليف نقوم باعتبارنا مواطنا يعتز بانتسابه للأمة العربية ويشعر بالواجب الذي عليه حيال تراث الآباء والأجداد وإبراز محاسن ثقافتنا وإظهار عبقرية أمتنا وتقريب موارد المعرفة من الراغبين في ورودها والنهل من مناهلها. وقد أنشانا لهذا الغرض مطبعة خاصة تنشر نفائس الكتب، وغرائب المؤلفات، كما شرعنا في ترتيب كتب الخزائن الملكية ووثائقها ونظمها في سلك مكتبة ستكون في نهاية الصيف المقبل بفضل الله في متناول الباحثين والمثقفين، يجدون فيها من التصانيف القيمة والدواوين النادرة المنسوبة إلى أشهر العرب المسلمين وأدبائهم ما يضيف إلى التراث العلمي العربي ثراء طريفا إلى ثرائه التليد ويتحف جوانب لا تزال إلى الآن غامضة عن عبقرية أمتنا ونبوغها.
فخامة رئيس الجمهورية، سيادة مدير الجامعة، حضرات الأساتذة والعلماء، إخواني الطلبة، أشكر جزيل الشكر وأسناه مجلسي إدارة جامعة القاهرة على تفضله لمنحنا الدكتوراه الفخرية في الآداب، كما نشكر السيد مدير الجامعة على كلمات الترحيب وعبارات التنويه المشفوعة بالاعتبارات التي حدت مجلس جامعة القاهرة إلى اتخاذ هذا القرار والبواعث التي حفزت إلى إقامة هذا الحفل التكريمي الذي ستبقى صورته ماثلة في ذهننا عالقة بذكرياتنا وإن طالت الأيام وامتدت الأعوام، وإذا كان خير الآثار أثر ينمي إلى العلم ويرتبط بالعرفان فإن هذه الشهادة التي نتسلمها اليوم منكم بمزيد المسرة والابتهاج ستحل مكانا مرموقا بين ذخائرنا وتكون لنا حافزا على مضاعفة الجهود وموالاة الخطى في الميدان الثقافي والعلمي بالقدر الذي نعتقد أننا أرضينا به طموحنا ونعتزم معه أننا حققنا آمال السادة العلماء المحترمين الذين طوقوا جيدنا بهذه المنة وصدقنا من الوجهة العلمية والثقافية ما حسنوا فينا من ظنون، والله نسأل أن يديم صرح هذه الجامعة سامقا، وحرمها آمنا، ويبقيها مثابة لرواد المعرفة وعشاق الثقافة، كما نسأله جل وعلا أن يحفظ أمتنا العربية من كل مكروه، ويقيها كل محظور، ويجمع كلمتها على الحق، ويأخذ بيدها في ما تنشده من عزة ومناعة وسؤدد وكرامة، إلى أهدى صراط وأقوم سبيل، والسلام عليكم أصدقائي ورحمة الله.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here