islamaumaroc

الراعي

  دعوة الحق

77 العدد

ابتسم، عندما أشرقت الشمس، فالجو الآن سيدفأ.
اقتعد صخرة صغيرة، واخذ ينفخ في نايه القصبي معزوفة حنونا صب فيها كل أشواقه.
لم يكن الجبل عاليا، وعلى أطرافه حتى بداية الوادي، انتشرت عشرون غنمة سوداء، ترعى من العشب، وكان ثمة كلب اسود، يرقب الغنمات لحظة ثم يشرد بنظراته عبر الأفق ويعوي.
عن بعد، كانت القرية ساكنة كأنها القبر، وكانت بيوتها الطينية البيضاء موزعة بين الأشجار والحقول، أنها تبدو وتحت وهج الشمس التي غمرت الآن الحقول والجبال كأنها أحجار من الفضة ملقاة على بساط اخضر.
وضع (علي) نايه في وسطه، واستلقى فوق الصخرة الناعمة على قناة، واخذ يرقب الشمس ذات القرص الكبير وهي تصعد رويدا رويدا إلى قلب الأفق، ولدا النسيم البارد يدفأ وشعر علي كما لو أن هذا الجبل كله ملكله، وان أحدا لا ينازعه هذه الملكية.
وفي اللحظة التي انصب فيها شعاع الشمس في عينيه فأغمضها أحس كان الجبل مخلوق كبير قد ضمه بحنان إلى صدوره وهمس له:
بصخوري وأتربتي، بعظمتي وديمومتي أنا لك، اعزف لي على نايك كما تشاء.. اعزف.. النهم في القرية يسخرون منك لأنك لا تعزف جيدا، أنهم لا يفهمونك، أنا أفهمك، انك عازف عظيم، أن مقطوعاتك تضمنها أمنياتك في أن تحيا هذا دونما رقيب، تحس أن الرياح والنجوم والغيم والمطر والحشائش الخضراء والأفاعي والكلاب المشردة.. كل هذه الأشياء لك، وانك مثلها تحب الأرض التي لم تدنس، وتشرد معها عبر الأودية والجبال من الصباح إلى المساء.. ثم تعود إلى حيث أنت مرغما أن تعود، لأنك تريد الخبز والشاي والغرفة المسقوفة وبساط الصوف الملون.
اعزف لي يا علي، فأنت ملك، وأنا من رعاياك...
وقام، واقتعد الصخرة من جديد، كان يرتدي ملابس زاهية وعلي رأسه عمامة فيها عقد من لؤلؤ... وفي أصابعه عدد كبير من الخواتم الذهبية والفضية، وفي نطاقه وضع خنجرا مرصعا بالمرجان وحجارة الجان، ونظرا حواليه طويلا، كانت كل المخلوقات التي تجمعت أمامه الآن ساجدة: الجمال والغزلان والأفاعي والطيور والكلاب والقطط والشجر ومخلوقات أخرى لم يعرفها من قبل.
وقد جلست بالقرب منه عشرون غنمة بدت له جميلة كأنها حوريات من الجنة، فقد ارتدت كل واحدة ثوبا يختلف لونه عن ثوب الأخرى، وجلست كلنها وصيفة، وتذكر في تلك اللحظة حكايات أبي محمد في مقهى القرية التي يقرؤها مساء كل يوم على شيوخ القرية ورجالها وهم يدخنون تراجيلهم وقد تعلقت أعينهم بفم أبي محمد الكبير بينما كان ينطق الكلمات كأنه ملك والآخرون رعاياه، وتذكر كم كان يلذ له الاستماع إلى حكاية عن الحب وسيف بن ذي يزن وعنترة لولا أن أباه كان يطلب منه الذهاب إلى البيت قبل أن ينتهي تلك الحكاية ليذهب في الصباح المبكر مع غنماته العشرين وكلبه إلى الجبل فيرعى حتى المساء.

تذكر كل هذا وهو يجيل الطرف بما حوله، وتمنى لو كان أبو محمد هنا الآن لرأي بأم عينه ما كان يعتقده حكاها.. أن (علي) ملك جديد، ومملكته لم يرها ملك من قبل..(لن يعود إلى القرية بعد اليوم).
وبإشارة من يده، جلست الرعية وقد ساد الوادي والجبل صمت كبير، وبعد لحظات تقدمت خمس غنمات تحمل على رأسها صندوقا صغيرا، واقتربت من عرش علي، فتناول الصندوق وفتحه، فإذا في وسطه ناي غريب صنع من الذهب والفضة وقد توسد قطعة من القماش الحريري الأخضر، فمد يده واخذ إلى فمه، وقبل ان يعزف تطلع بعينين حنونين إلى رعيته، فرأى العيون كلها معلقة في فمه، فابتسم ثم اخذ ينفخ في الناي رويدا رويدا، انه نفسه لم يستمع إلى هذه الإلحان العذبة من ذي قبل، ولا سمعها من راعي القرية المجاورة الذي عمله العزف، وظل يعزف، وشعر كان هذا الجمع العجيب قد ذاب، كانت الوجوه المختلفة تحذق فيه لحظة اخذ يعزف قطعة ميجانا حزينة.. ثم طفرت الدموع من كل العيون حتى شكلت سيلا مخيفا.. فتذكر آمه والقرية وخاف أن يغمر السيل بيته.. فبدل اللحن واخذ يعزف رقصة اعتادت القرية أن ترقصها في أعيادها، ورقص كل شيء حوله، وكان الجمع كله يرقص على إيقاع واحد دون خلل أو فوضى، وبدا له الجبل الأخر وهو يرقص كأنه سيطبق على القرية.. وفي لحظة صغيرة، خيل أن أمه في رعب شديد وهي تنظر إلى الجبل يهتز.. فتوقف عن لعزف فجأة.. وصمت كل شيء.
عندما حاول أن يرفع يده مشيرا إلى الراعية أن تذهب إلى أعمالها، أحس بثقل شديد يقع عليها، لقد أصبحت الشمس الآن في كبد السماء وكانت أشعتها حارة لاهبة، تطلع حوله فإذا بالغنمات قد اقتربت منه كثيرا، إما الكلب فقد استلقى على يده ولتفت فجأة نحو القرية فعاد إلى قلبه اطمئنان عجيب، ثم التفت نحو الجبل ونظر إلى قمته بحنو بالغ، وشعر كما لو أن الجبل يبتسم ويومئ له برأسه: إلى الغد.. فشعر علي بغبطة كبيرة تغمر كل شيء حوله، فمد يده (الخرج) وانتزع منه صرة صغيرة وفتحها، إذ كان فيها رغيف كبير وقطعة من الجبن، اقتطع قطعة من الجبن ولقمة من الرغيف ووضعها في فمه واخذ يمضغهما وقد امتلأ صدره سعادة لا توصف.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here