islamaumaroc

على هامش المعركة؛ رحمة -2-

  دعوة الحق

77 العدد

كل هذه الافكار والاحداث المتتالية كانت تراود ذاكرة سكان القرية الذين كانوا يستعيدونها، فتشغل تفكيرهم وقد تلهيهم عن اشغال ضرورة لهم، غير ان الوقت يمر، والانسان يرجع على نفسه يتحسها ويبحث عن الكمان او المكانة التي ينبغي ان يضعها فيها، وهذه المكانة هي ما يمكن ان نسميه بالطبيعة او السجية التي من شانها ان تعيد الحياة وظروف الحياة على مجاريها الحقيقة العادية.
وهكذا افاقة سكان «تمسيلة» صباح الاثنين رابع اغسطس ليسيروا في مناكب الارض، وليدبروا شؤون معاشهم، ويختطوا نهج حياتهم اليومية من جديد، ولكنهم مع ذلك لا ينسون فلذات اكبادهم التي تمشي على الارض لتصل إلى مكان النزال.
ها هي ذي امراة نصف، قامت تسابق اشعة الشمس البازغة، لتبحث عن غائها اليومي، ولتهييء لابنائها الصغار، تلك الفاكهة الصيفية المعروفة «بالهندية» وها هي ذي جارة لها اصغر منها سنا، تلتقي معها لنفس الغرض، ويتطرف بهما الحديث إلى موضوع الساعة، فتسال الصغيرة الكبيرة.
ص- ارايت يا اختي كيف ان الموقف يوم الجمعة الماضي كان مؤثرا للغاية؟
ك-  يتاثر له حتى من كان قلبه كالحجارة او اشد قسوة.
ص- كيف تجدين فراق ابنك الوحيد؟
ك- ان هذه اول مرة فارقني فيها للجهاد، ومع ذلك احس بالالم والرضى معا: الالم من اجل الفراق الذي نرجو الا يطول، وان يعود بعده سليما معافي، واشعر بالرضى لانه ذهب تلبية لنداء الوطن، ورغبة في تنفيذ ارادة السلطان التي هي من ارادة الله والعب، حقا قد كنا ضقنا ذرعا بمضايقات جنود العدو التي باتت تقلق راحة السكان في كل مكان، فلعل هذه (الحركة)تضع حدا لتكالب العدو علينا واستنالر البغاث في ارضنا-.
ص- يقولون ان العدو جمع الالام المؤلفة من الجنود المنتمية إلى اجناس مختلفة من بلاد النصارى.
ك- الله معنا، والحق في جانبنا والصبر والايمان زادنا، ولن بخذل من كان الله ناصره، والحق رائده، والصبر والايمان زاده (ان ينصركم الله فلا غالب لكم) ولو اجتمعت عليكم شعوب الارض قاطبة.
ص- عسى ان يعود اينك وابناء القرية اجمعون، وهم يرفلون في حلل السلامة والعافية ويتغنون باناشيد النصر ان شاء الله.
ك- ذلك ما نرجوه يا اخي، حقق الله الامال.
ص- انتهت من جني الهندية، وعلي ان اذهب لاعد الفطور لزوجي المرض، ثم بعد ذلك اذهب للحقل، ان اشغالنا يا اخي تكاثرت في هذه الايام، ولكن ينبغي ان نقوم بها عن طيب خاطر وبكل حماس.
ك- كلنا في هذا الامر سواء، فاذا كان ابناؤنا واخواننا وازواجنا في جهادهم الاكبر، فنحن هنا في جهادنا الاصغر.
ص- قلت – حقا، ونطقت صدقا... الله يهنيك.
ك- مع السلامة يا اختاه.
وتمر ساعات هذا الصباح الهويني، وكانها حبالى بما تحمله في احشائها من حوادث الزمن التي ستذكرها الاجيال على الدوام، والتي سيكون لها تاثيرها البالغ في سياسة بعض الامم، وستعمل على تغيير مجرى التاريخ لا محالة.
حقا ان اليوم الاول لمسير الفيلق الصغير الذي كونته قبيلة بني مصور، وودعته قرية تعسيلة اخيرا، قد مر بهدوء،وفي غير انتظار لمزيد من المفاجآت او الاخبار المثيرة، نظرا لان الطبيعة والمنطق يفرضان ان يكون العمل المنوط بالفيلق، انما هو مجرد السير إلى ميدان المعركة الذي هو مجهول لحد الساعة، وكل ما هو معلوم ان التجمع ينبغي ان يكون –حسب اوامر السلطان الشديدة- بمدينة القصر الكبير، ومن يدري؟ فقد تنشب المعركة الفاصلة هناك حرل المدينة، وقد تنشب قريبا منها او بعيدا عنها بقليل، فما على الجيش المغربي ومتطوعي القبائل الذين هرعوا استجابة للغير العام، الا ان ينهمروا كالسيول الجارفة نحو المكان المعلوم، فاذا تجمعت مياهها وتكاثرت انطلقت من جديد، فادا صادفت في طريقها شيئا، اتت عليه وحملته غثاء او تركته كالرميم.
ويمر اليوم الثاني كالاول لا تنتظر فيه اية اخبار مثيرة، وليس من شان الرجال الذين اعلنوها حربا شعواء على الظلم والاستبداد، ومحاولة التسلط الاجنبي، الا ان يسيروا نحو هدفهم المقصود، لا يلوون على شيء، ولا يثنيهم عن عومهم أي ثان، لم يكن يخطر ببال احدهم ان يسال: ماذا سيكون الموقف؟ او ماذا ستكون النتيجة؟ انما كان يهمهم ان يتقدموا ويصبروا ويصابروا ويصدوا لعدوهم، وبعد ذلك لتكن النتيجة المحتمة.
لم يكن يدور بخلد شعب تمسيلة ان يحصل الالتحام في هذا اليوم الثاني، لذا اطمانت النفوس نوعا، وصارت تتطلع إلى اليوم الثالث، اليوم الذي يحتمل ان تكون الجيوش المغربية كلها متجمعة في نقطة الارتكاز التي ستغدو في يوم ما نقطة الانطلاق في تاريخ هذه الامة، ونقطة الانتكاس في تاريخ تلك التي بينت العدوان.
وقبل ان تتطلع إلى انباء اليوم الرابع، يوم العراك المرير، هيا بنا نطرق باب دار القائد شاشون، ليفتح لنا، ونرى ما يدور بداخلها من التعاليق على الأنباء، أو ما سيرد عليها من أخبار، ربما كانت هذه الدار خير موطن لها، وكيف لا، وهي دار قائد القبيلة وزعيمها المحترم؟.
تقع هذه الدار في مكان مشرف ومتفرد، وهي واسعة تكاد تكون مربعة الشكل، وتتوسطها ساحة مكشوفة تحيط بها بيوت، لها ابواب وكوات تظل على الساحة، ولبعضها، ابواب وكرات تطل على الخارج، ويشمل هذا البعض بيت الاضياف وبيوت الخدم والعبيد، والاروى ماوى البهائم.
كانت دار القائد منطلق الحشد إلى موطن المعركة، لذا كانت مقصد الناس، ومحجهم للاستفار عن احوال المجاهدين، ولتنسم أخبارهم، ولمعرفة ما إذا كانوا قد تم لهم اللقاء بعدوهم الذي طالما اقلق راحة سكان الشمال وسكان بني مصور الذين ذاقوا الامرين من جراء تصرفات جنده الغاشية.
لم تعد الدار تموج بمن فيها من الخلق كما كانت، لان جل الرجال قد غادروها للدفاع عن حوزة البلاد، فالقائد واخوه وبعض أفراد العائلة، والخدم ذهبوا في الطليعة، ولكن بقي احد ابناء القائد لتسير شؤون الدار وللقيام بالمهام التي يقوم بها والده في أوقات السلم، اعنى الفصال في كل ما يحدث من مشكلات قد تخل بالامن او تمسه من قريب او بعيد، وبقي ايضا للشراف على الحراسة (الادالة) فقد كانت البلاد في حالة طوارئ، وكانت القبيلة مجاورة لمدينة طنجة الخاضعة للنفوذ البرتغالي.
كانت والدة محمد (ابن القائد) قد توقيت منذ مدة، وكانت شريفة تنتمي إلى البيت النبوي الكريم، وتركت إلى جانب محمد اختاله هي (رحمة)، بيت جميلة اصغر سنا من محمد، اكملت منذ قليل ربيعها الخامس عشر، وهي الآن في سن السادسة عشرة، سن المراهقة والتفتح كما تتفتح وردة جميلة عن شذاها البديع.
للقائد زوجة أخرى لم تترك له بنتا، وانما أولادا ذكورا ومعظمهم صغار، لان والدهم تزوج بامهم بعد وفاة زوجته الاولى، وبما أن القائد لم يكن له من الاناث إلا رحمة، فانه كان يحبها ويعزها، وكانت هي تبادله الحب والاعتزاز، ولولا نداء الواجب ما كان ليفارقها، كما النها لم تكن لنرضى عن فراقه، لولا استهداتف الوطن للخطر، وتعرض سكان القبيلة منذ مدة إلى استفزاز البرتغال وتعسفهم، فكان من اللازم اذن ان يرد كيد هؤلاء في نحرهم، وكان من اللائق او المحتم ان يطمئن الناس بالا، ويرتاحوا إلى شيء من التضحية والصبر الذي يتمثل في تحمل الفراق إلى امد معين، وعسى الا يطول.
كانت دار القائد تضم عبيدا واماء، ذكورا واناثا، ومن هؤلاء امة تسمى «العنبر» وكانت رحمة واخوها يدعوانها (الدادة) فهي لهما بمثابة الوالدة المتوفاة لقد ربتهما صغيرين، وهما ما يزالان يرفلان في حنان والدتهما، وصارت تعنى بشؤونهما اكثر بعد ان صعدت روحها إلى الرفيق الاعلى.
لقد احست رحمة من نفسها الشجاعة ساعة الاستعداد والتهيؤ للقتال، وربما كانت من اكثر الناس حماسا لمنظر الرجال الذين لبسوا «جلاباتهم» المزينهة بانوار من الحرير المزركش وعلت هاماتهم عمامات «شرقاوية» بلونها الاصفر الذهب، وشكلها المستدير الذي يشبه القمر البازغ في ليالي التمام، وقد اخرج الكثير منهم أحلى يديه من الفتحة العليا للجلابة، واتشح ببندقيته من جهة و «بشكارته» من جهة أخرى، وقد صنعت هذه الأخيرة من الجلد المنمق الجميل تزينها بعض الازرار الجلدية التي تهتز كلما تحرك صاحبها، وكانها ترقص فرحا للقاء العدو، او تلهفا ليوم الكريهة.

لكن بعد مرور اليوم الاول على الفراق، وبعد مرور اليوم الثاني، بدا الحنين والشوق يخالج نفس رحمة، وصارت تبدي نوعا من القلق او الخوف على مصير والدها الذي يحبها وتحبه فبدات تبكي للفراق، وكانها صارت تخشى على حياة والدها وعلى مصيرها هي، حيث ستبقى بعد استشهاده يتيمة الابوين.
لقد تصورت هذا، فانهمرت الدموع من عينيها حقا ان لها اخا كبيرا صار والدها يعتمد عليه، ويستخلفه في أموره العائلية الخاصة، وفي الشؤون الإدارية العامة، ولكن الوضع يختلف، فمكانة الأب غير مكانة الأخ، لذا نرى بعض أفراد العائلة يلتفون حول رحمة، ويهونون عليها الامر، ويواسونها وخاصة (الدادة فقد كانت تحاول بمختلف السبل ان تسليها وتدخل على نفسها السرور بما تاتيه من افعال، وما تفوه به من اقوال:
- سيدتي الصغيرة، انصتي إلى امتك الفقيرة «الدادة» الشهيرة ان رحلة سيدي الكبيرة لقصيرة، وربما ياتينا بعد غد في الظهيرة.
= ما هذا يا دادة؟ اراك ترجمين بالغيب، وتنثرين نثر الكهان.
- نعم، انا الكاهنة، اكشف لك الحالة الراهنة.
= بل، اراك تهرفين بما لا تعرفين.
- هاتوا البخور، لتروا كيف اتحرى الصدق في الامور، فلا اكذب ولا اجور.
= ايتوها بما طلبت...
وتقوم باشارات وحركات تمثيلية تحمل روحا من الفكاهة والمرح والحبور، ممال بعث السرور إلة قلب رحمة ورسم ابتسامة عريضة على شفتيها الرقيقتين، كادت تنفجر قهقهة او ضحكة عالية لو استمرت «العنبر» في القيام بما تقوم به في سبيل الترفيه عن سيدتها الصغيرة... ولكن طرق الباب الخارجي للدار، محا الابتسامة، واوقف اللهو قلبه إلى جد بدت اماراته على الملامح، هبت احدى الخادمات لتفتح الباب، فسالها الطارق:
- ابن سيدك؟
= ليس هنا هل من خدمة نؤديها؟
- كنت اود مقابلته ومحادثته في امر هام.
= انتظر قليلا من فضلك..
ودخلت الخادم لتعلن اهل الدار بامر الطارق فتلقتها رحمة متلهفة قائلة:
= هل من جديد؟
- يبحث عن سيدي الصغير، ويقول انه يريد محادثته في أمر هام.
= قولي له ينتظر لنبعث من يبحث عنه، فلعله يجده في الحين.
ولم يطل الانتظار فسرعان ما قدم خليفة القائد، لأنه تلقى نبا قدوم شخص على القرية، تبدو على بزته انه احد التجار الذين اعتدوا الذهاب إلى طنجة للمتاجرة، ومن خلال الوصف الذي قدم لمحمد عن التاجر، عرف ان هذا الاخير لا بد معرج على دار القائد اما للاستراحة والتزود، واما لتبليغ رسالة ما.
وكان الأمر كذلك، فد عرف محمد في شخصية هذا الزائر، انه التاجر علي الذي طالما مر بقرية تميلة وهو في طريقة إلى طنجة أو قادم منها... ولم يكن علي مجرد تاجر بسيط بل كان رجلا حاذقا لبيبا، يتصل بالناس من مختلف الاوساط فيعاشرهم ويتاجر معهم، ويتزود علاوة على ذلك بكثير من الفوائد أو المعلومات.
وسر ابن القائد من لقيا هذا الرجل، خصوصا عندما عرف انه قادم من ناحية القصر الكبير، ومتجه إلى طنجة، لقد كانت حالة التوثر التي سادت منذ نزول الجيش البرتغالي إلى طنجة، ولكن هؤلاء التجار عادة يكونون ادرى بما يفعلون في مثل هذه الظروف، وأنهم لا قدر على التصرف في اوقات السلم والحرب معا.
دعا ابن القائد زائره إلى استراحة بدار الضياف، وبعد برهة بدا معه الحديث هكذا:
= كيف تركت مدينة قصر الكبير؟ يقال أن الجيش المغربي قد عسكر هناك استعدادا للمعركة.
- غادرت المدينة قبل أن يحصل فيها التجمع، لقد حاولت الابتعاد عن طريق الجيوش لئلا اقع في المحذور أو تحصل لي أية عرقلة فلا انجح في مسعاي، ولا ادرك مرامي التجارية، ومع ذلك استطعت بوسائلي الخاصة أن اعلم أن عظمة السلطان قد حل وجنده بمدينة القصر الكبير، وان جنود العدو على راسها سباستيان ومحمد المتوكل قد عسكرت على ماء وادي المخازن، وقيل أن السلطان تحرك لمواجهتها وقد تنشب المعركة اليوم او غدا.
= الم تسمع شيئا عن عدد جنود العدو؟
- مائة الف او يزيدون.
= كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله.
- والذي يقلق البال حقا، هو ما اشبع اخيرا من ان
السلطان قد سمم، وانه يعاني مرضا من اجل ذلك، فقد تمكن ابن اخيه محمد المتوكل ان يدس له من جرعة السم.
= مهما كان نصيب الاشاعة من الصحة فان عملية التسميم اجرام متناه في الفظاعة.
- نرجو للسلطان الشفاء والسلامة من كل داء.
وبعد تناول قرى الضيف، استاذن التاجر من مضيفه فخرج هذا يشيعه إلى مسافة معينة، ثم عاد إلى داره يصرف امورها ويدير شؤونها... ولم تلبث رحمة ان جاءت اخاها تستفسره، وكان غرضها من وراء هذا ان تعرف شيئا جديدا عن «الحركة » وان تتسم بعض الانباء عن والدها، بيد ان اخاها طمان بالها، وابناها ان التاجر لام ير والدها، واطلعها على اهم التفاصيل التي حصل عليها من التاجر ثم اضاف:
- ليس في وسعنا الا ان نطلب من الله ان ينصر المجاهدين وان يعيد والدنا وسائر المجاهدين في القريب العاجل، وسيكون يوم العودة يوما مشهودا وعيدا من اعياد النصر معدودة.
ومر اليوم متثاقل الخطى، بطيء السرعة. يمشي «كما يمشي الرجى الوحل» وتلته لسيلة كانت اكثر تثاقل واشد بطئا فكان نجومها قد شدت بيدبل، فلم تعد تفكر في الحركة ولم تعد تقدر عليها الا بمقدار ولكن مهما طال الليل فلابد ان يصبح.
ولم تصبح بالقرية اية مشكلات او دعاوي يمكن ان تشغل بال الناس في هذه الفترة الحرجة من تاريخ المغرب، لذا لم يكن لدى ابن القائد ما يعمله في مجال فصل الدعاوي، فقرر ان يتفقد احوال القرية، ويواسي اهلها، ويقدم المساعدة إلى مكن يحتاجها منهم، وقد احس اهل القرية بانهم موضع عناية ورعاية، فطابوا نفسا، ولا شك ان القائد شاشون كان يسر عظيم السرور لما قد احدثه تصرف ابنه، وما ابداه من الحكمة في معاملة السكان ومواساتهم وتشجيعهم، ولاشك انه كان متاكدا من كياسة ابنه وحسن سياسته ومن نضجه وذكائه وفطنته، ولذلك تركه ايسوس القرية في غيبته.
وكان واجبا على محمد ان يعرج في تطوافه على دار عمه، هذا الذي ترك اسرته في عهدة ابن اخيه، وراح للميدان قرير العين، مطمئن البال، وصل إلى الدار، وطرق بابها فسمع صوتا يقول:
- من بالباب؟ اجاب:
= قريب لا غريب. وفتحت الخادم الباب، ودخل فقالت له امراة عمه:
- امثلك يقف بالباب ويستاذن في الدخول؟
= لم اجد وسيلة اخرى غير الطرق والاستئذان؟
- معذرة يا سيدي، يظهر أن إحدى بناتي اقفلت الباب. اصبح يخفن حتى من ظلهن، قال (مبتسما):
= لم ذاك؟ ليس في الأمر ما يستدعي الخوف، هل يداخلهن شك في مقدرتي الإدارية؟ وأجابت مبتسمة:
- قل لهن ذلك، إنما انا من جهتي فلا اشك مطلقا في انم هذا الشبل من ذلك الأسد.
= شكرا على هذا الإطراء، وأودوا لو شاركتك بناتك هذا التفكير.
- انه الواقع يا بني، والواقع لا يرتفع.
= كيف امضين الليلة البارحة؟
- بخير ولله الحمد، غير أن بنتي الكبيرة (طامة) باتت قلقة وكان أفكارا مزعجة شغلت بالها، حبذا لو سمحت لأختك رحمة بمعاشرتها وعدم مفارقتها طيلة هذه الأيام حتى يأتي الفرج من عند الله.
= أين هي؟ أريد محادثتها.
- طامة، تعالى سامي على ابن عمك... ودخلت بنت ربعة القامة، صبيحة الوجه مستديرة لونها ابيض مشرب بحمرة في مثل عمر أخته رحمة، وتبدو على ملامحها آثار النعمة.
= كيف اصبحت يا طامة؟
- لله الحمد يا ولد عمي.
= ابتسمي للحياة، ولا تقلقي وما هذه إلا سحابة صيف وان النصر حليفنا وسيعود آباؤنا واخواننا وقد زالت هاماتهم اكاليل الغار، وتيجان الفخار.
- رايت هذه الليلة فيما يرى النائم ان والدي –الله يذكره بخير- قد تحلى بجلباب ابيض وصار يحتضنني ويقبلني وكانه يودعني الوداع الاخير، فلم يسعني الا ان اذرف عليه دمعا ساخنا بينما كان هو باسم الثغر منشرح الصدر، وما ادري لهذا الحلم تفسيرا جعله الله خيرا وسلاما.
= لن يكون الا خيرا وسلاما ان شاء الله.. تعالى إلى دارنا مع الخادم لتعاشري اختي رحمة فلا تساورك الافكار السوداء.
- سافعل باذن الله، اختك رفقة صباي وهي اختي كذلك وارتاح لمعاشرتها.
       = ستكون في انتظارك... اترككن في امان الله يا امراة عمي، وإلى اللقاء في داترنا يا طامة بعد قليل.
وخرج محمد وخلت المراة بابنتها، ولم تستطيع ان تخفي عنها مشاعرها ومتمنياتها ان تصير زوجة لابن عمها، انه شاب جميل، ذكي وله مستقبل ولعل اباها لا يركب راسه فيتزوجها ممن قد يخطبها من الشيوخ ذوي الثراء، واصحاب الكلمة والجاه.
ان المثال الذي اتاه القائد بقبوله تزويج ابنته الجميلة والجوهرة المكنونة رحمة من شيخ طاعن في السن، قد يحتذيه زوجي هو الاخر، ولكني ضد هذه الفكرة، فالمال والجاه والكلمة لا تساوي شيئا امام سعادة ابنتي وهنائتها، وعسى ان يكون هذا الشاب من نصيبها.
علت وجه طامة حمرة الخجل، ولم تستطيع ان تغالب حياءها فتطيل الجلوس، لذلك اسلبت اهذاب عينيها الطويلة فالقت ظلا خفيفا على خذيها الجميلتين، ثم قامت وخرجت مهرولة، وذهبت لغرفتها الخاصة تجهز نفسها للذهاب إلى دار عمها.
استقبلتها رحمة هاشة باشة مرحبة، وعانقتها عناقا حارا، وكانها لم ترها منذ بعيد، بل كانها رات في زيارتها الان معنى كبيرا فضلا جزيلا يستحق اللشكر، قالت طامة:
- لا شكر على واجب، ان اخاك زارنا منذ قليل.فكيف لا اقتدي به وازورك؟
= هل افهم من هذا ان زيارة اخي هي الداعي الوحيد لزيارتنا؟
- لم اقل ذلك وانت يا رحمة تعلمين مدى ما احبك واعوك.
= ذلك ما عرفته ولمسته طوال معاشرتي لك وآمل ان يتم الله علينا نعمته، ويزيد في علاقتنا الاخوية التي لا تنفصم عراها، بان يوفق الله بينكما (وتعلقت الكلمة الاخيرة ببطء وضغط ملحوظ على الحروف.
- ما تعنين؟
= اعني بينك وبين فتى احلامك، وفارس غرامك، ام اراك تسلكين معي اسلوب «تجاهل العارف»؟.
- فهمت ما تعنين، آه لا اخفي عليك يا ابنة عمي ما اعانيه من انفعال وما احسه من رغبة في زيادة ربط اواصرنا بوشيجة من التصاهر زيادة على آصرة الدم التي جمعت بيننا منذ الازل.
= ساعمل جهدي ليتم عقد قران اخي بك، وعسى الا تقعي في مثل ما وقعت فيه انا من تزويجي برجل في مثل سن جدي، أن هذا أمر لا تكاد اطيقه الواحدة منا، أليس لنا نعشر الفتيات رأى في الموضوع الوحيد الذي يهمنا، ويقرر مصيرنا؟
- لقد رأيت القائد عمار زازور في حفلة «الاملاك» فوجدته كبيرا وقد اشتغل رأسه شيبا.
= سميها محنة «الأملاك» لا حفلة.. ملكه والدي ببنته الوحيدة بغية كسب ود هذا القائد وقبيلته، نظرا لما يتمتع به من ثروة وجاه، ولم يستشرني والدي، فكان الأمر لا يعنيني، أو كأنه خاف –أن هو فعل- أن يعيب عليه الناس ذلك، ويعدوه منه ضعفا في الإدراك ولينا في العزيمة لا داعي له...
وتنهدت رحمة وكانها وجدت في خلوتها بابنة عمها فرصة سانحة لتبث جواها، ولتجار بالشكوى التي طالما اعتملت في صدورها.
وهنا اكتمات المشط، كانت طامة حين قدمت وجدتها تمشط شعرها الطويل الفاحم السواد فلم تشا ان تكف عن عملها لان الكلفة مرفوعة بينهما... وطلبت رحمة من طامة ان تظفر لها شعرها ليستمر الحديث بين الاثنين، دون ان تستمع اليه اية من الخادمات او «الدادة».
وامتثلت طامة للرغبة واخذت بين يديها شعرا ناعما كالحرير وشرعت تظفره ظفيرتين ربطت نهايتهما بشريطين حريريين ناصعي البياض، يتلاءم بياضها مع الرداء المنزلي الذي ارتدته رحمة في هذا الصباح.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here