islamaumaroc

سادن الحديث

  دعوة الحق

77 العدد

وما أن مرت لحظات من الزمن حتى لفتت نظره جماعة من الفرنجة ينزلون من السفينة واحدا واحدا، فواصل تلاوته، وأخيرا رأى، ويا هول ما رأى، فتسمر لسانه في حلقه، وانكفأ لونه، واستولت عليه قشعريرة من الاضطراب، وعيناه مشدودتان فيما يرى... أن جماعة الفرنجة دخلوا الزاوية وعاثوا فيها فسادا واستباحوا قداستها، فأزاحوا رخامة الضريح... يا لها من مأساة...

شغف منذ أن كان كالزهرة الجنية، في غضاضة غصنه ومعية شبابه بالحديث النبوي الشريف، فأنت لا تكتد تلقي عليه نظراتك حتى تراه متأبطا «صحيح البخاري» أو «صحيح مسلم وأنت لا تكاد ترمقه أو تكاد تحين منك الثقافة إليه حتى تراه ينتقل من حلقة إلى حلقة في خفة ظبي غزير يلتقط من هنا اللطائف، ويلتقط من هناك النفائس كما تلتقط الحمام حبات الزرع أو كالياسمين تماما عند ما تشرئب أعناقها لتمتص قطرات الندى الصباحية.
كم كان يتمنى من اعاميق نفسه وهو متربع جالس في حلقة الدرس أن يكون مثل أشياخه يجلس على كرسيه هو الأخر وحوله الطلبة صامتين كان على رؤوسهم الطير، يسمعون إليه في انتباه واستعاب... كم كان يجول في ذهنه أن يصبح مثل شيخه «ابن غازي» ذلك الإمام الكبير، ومثل شيخه «أبي الفرج الطنجي» وأبي المهدي الموساوي واضرابهم ممن تتلمذ عليهم من قمم المعرفة ودهاة العلم، انه لتصور له مخيلته انه جالس على كرسي الأستاذية وهو يطلق للسانه العنان يتحدث في كل فن من فنون العلم، وفي كل فرع من فروع الثقافة، فيصول ويجول ما وسعه ذلك... آمال وأمان تصطخب في وليجة نفسه منذ أن خطا أول خطوة إلى عتبة الشباب الفائر فتنقله إلى عالم من الطموح، يبدو له كالحلم، صعب تحقيقه، ولكنه ما يلبث أن يراه داني القطوف جنيا عندما يطمئن إلى الإرادة القوية التي خلقها الله فيه... كل شيء إذن يتسنى... كل شيء هين إدراكه بالنسبة له ما دام يؤمن بنفسه، ويملك السلاح... سلاح القوة الإرادية... فليسر على بركة الله، فلا ينال المجد إلا صاحب العزم الذي يدك رقاب الصعاب.
وما أن يخلد إلى هذه الأفكار حتى يبتسم ابتسامة الظفر والفوز كما لو كان يرى المستقبل الجميل قد جاءه صاغرا فيتمتم:
تريدين لقيان المعالي رخيصة
                 ولا بد دون الشهد من ابر النحل
وبعد ذلك اتخذ شعاره في الحياة الجد والعمل المتواصل آناء الليل وأطراف النهار، يصرف كل مجهوداته للدرس والتحصيل، ولقد اتفق هو وبعض أصدقائه على أن يعقدوا كل يوم بعد صلاة المغرب ندوة علمية في منزله يتذاكرون خلالها أحاديث العلم والمعرفة، ويتجاذبون أطراف الحديث في شتى العلوم.
وفعلا اتفقوا على ذلك فاخذوا يتمعون في منزله كل يوم، وكان هو المبرز فيما يخوضون فيه من أحاديث حتى أن خلافه دخلهم العجب من دهائه وذكائه المفرط وخاصة إذا عرجوا إلى الحديث عن الاثار النبوية الشريفة التي كان يتعمق فيها تعمق الغامض العارف بمكامن اللؤلؤ، ولم يكن الجمع ينقص إلا بعد أن يمر من الليل شطره الكبير، وما أن ينصرف كل واحد منهم حتى يستسلم لسلطان الكرى ليستريح من عناء المناقشات والجدال الذي كان يحمي وطيسه بينهم في بعض الأحاديين ويجري أحاديين أخرى في سكون وهدوء رخيين ناعميين.
وتركض أيام تلو أيام وهو يواصل الدراسة لا يدخل نفسه وهن ولا ضعف إلى أن أصبح عالما يثار إليه بالبنان، ورغم ذلك لم تقف رغبته العلمية عند هذا الحد فقد عزم على أن يرحل عن بلاده إلى الأراضي المقدسة حيث يؤدي فريضة الحج ثم يعرج بعد ذلك على ارض الكنانة يدرس هناك على علمائها.
وصح عزمه فلازم أصحاب ابن حجر كالقلقشندى وغيره فاتسعت دائرة معرفته وحصلت له رواية واسعة لم يحظ بها غيره من معاصريه.
وقد أدهش أهل «كنو» من ارض السودان فبجلوه وعظموه فخف الناس إلى الأخذ عنه، والاقتطاف من سرحته واحدث هناك دويا ما بعده من دوي جعل الناس يلهجون باسمه ويرددونه بين اللحظة واللحظة.

... وفارق السودان... فارقها جريح النفس، صديع القلب إذ ألفه أهله والفهم هو... فارقها قاصدا بلاده التي اشتاق إليها واشتاقت هي إليه رغم أنه سيخلف وراءه ذكريات عزيزة عليه، حلوة جميلة حافلة بكل جميل رائع طيب.
هكذا رجع الشيخ إلى فاس وقلد بها خطة الخطبة بجامع الأندلس والفتوى وظل يزاول عمله في تدريس الحديث.

وإن ينس فلن ينسى إنكاره لقراء الفاتحة للناس، وان قراءتها لهم بدعة لم ترو في حديث، وهو لا يزال يذكر أن رايه قد احدث رجة عنيفة في الأوساط العلمية المختلفة ولكنه، ما يحمله من ذلك وقد أدلى برأيه الذي يعتقد فيه بأنه صحيح لا تحوم حوله أدنى شائبة من الشك، ما يهمه ذلك، وقد قال كلمته ومشى... ليزيد من يزيد، وليرعد من يرعد، ويبرق من يبرق...
آمال رقيقة وأمان عذاب كانت تملا عليه مخيلته وتلح عليه كلما أمسى وتراوده كلما أصبح، وتشغل باله كلما ابيض النهار، وتخالجه كلما اسود الليل.
آمال وأمان تحققت فأصبحت حقيقة ماثلة بين يديه بعد كد وعناء شديدين، فها هو اليوم قد أضحى في مرتبة أشياخه، وها هو يدرس فيحتل مكانه بين العلماء ويزاحمهم فيحرز مصب السباق، ها هو يجلس على كرسي الأستاذية الذي طالما رفت نفسه إليه، وحلم به في كل لحظة من لحظات أيامه، بل في كل ثانية من ثواني حياته، يدرس الموطأ والكتب الستة والتفسير والفقه وألفية ابن سيناء في الطب ويقيد بخطه الفوائد التي تمت إلى الحديث والأدب مع الضبط والشكل ويجمع الكتب، لقد أضحى مرجعا يستضاء به ومصدرا يعول عليه في كل الفنون وخصوصا في علم الرواية والحديث إذ يطلق للسانه العنان يتحدث في حلاوة طرية يبهر العقول ويستمل النفوس العطشى إلى علمه.
ولم يكن الشيخ من زمرة الذين إذا أدركوا مجدا انتفخوا انتفاخ الطواويس وصعروا خدودهم، فقد كان يركب حماره من غير مبالاة ويسير بتواضع جسم من غير اكتراث، فأولئك المتعجرفون كالسنبلة الخاوية أكثرها شموخا وبسوقا، وهو كالسنبلة المليئة حبا أكثرها تواضعا، فالكبرياء والعظمة ليست من صفاته، إنها من صفات وجبلات البلداء والجهلاء...
واعتاد شيخنا زيارة ضريح المولى «بوسلهام» يقرا هناك «دلائل الخيرات» للجزولي في أحضان البحر حيث طبيعة الله العذراء وهيكله المقدس ومحرابه الازلى الخالد.
خرج ذات يوم مع طلائع الفجر الوليد قاصدا مكانه المعهود، وما أن وصله حتى كان النور قد كسا عرصات الأفق، وخلع عنه ثوب الظلام، ثم اقتعد الأرض إزاء قبر المولى «بوسلهام» واخذ كتاب «دلائل الخيرات»... أخذه وفي نفسه انقباض لا يعرف تفسيره... انه يشعر بهذا الانقباض يسري في جسده، لم يعهده من قبل، فتعجب من هذا الذي يشعر به، ولكنه بعد لحظة نظر إلى البحر نظرات عميقة،وعميقةجدا فرآه وقد تغير حاله إذ بدأت العاصفة تثير موجات في عنف كأنه هو الآخر يحس نفس الانقباض ثم حول عينيه إلى الكتاب واخذ يترنم في لوعة جارفة ونبرة صادقة:
«بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم، الحمد لله الذي هدانا للإيمان والإسلام والصلاة على نبيه الذي استنقدنا من عبادة الاوتان والأصنام وعلى آله النجباء البررة الكرام».
وانقطع عن القراءة ثم نظر مرة أخرى إلى البحر، فلمح من بعيد سفينة تتقاذفها الأمواج تتمايل يمينا وشمالا وتطفو تارة وترسب أخرى، وأطال النظر، غير انه ما لبث عاد إلى القراءة.
وما أن مرت لحظات من الزمن حتى لفت نظرة جماعة من الفرنجة ينزلون من السفينة واحدا واحدا، وواصل تلاوته، وأخيرا رأى، ياهول ما رأى، فتسمر لسانه في حلقه وانكفأ لونه واستولت على جوانحه قشعريرة من الاضطراب وعيناه مشدودتان فيما يرى... إن جماعة الفرنجة قد دخلوا الزاوية وعاثوا فيها فسادا واستباحوا قداستها فأزاحوا رخامة الضريح يالها من مأساة... وطفق يتمتم في قرارة نفسه:
بالإنسان المروءة لضريح بوسلهام... يالها من وحشية يحمر منها وجه الأنانية خجلا... يالها من بشاعة...
وحزن اشد الحزن، وتمنى لو ملك قوة العمالقة، لا بل قوة ذلك الشخص الذي حمل عرش بلقيس لسليمان قبل أن يريد إليه طرفه لينتقم من هؤلاء وينقذ الضريح من الكارثة، ولكنه شيخ في أصيل عمره يبلغ الثمانين أو أكثر، لا قدرة له بذلك... كيف يستطيع أن ينتقم وهو شيخ هرم يحمل نفسه حملا ويقتلع قدميه من الأرض اقتلاعا كأنه يمشي مصفدا، وإذا هو في دوامة حزنه يغلي غليان المرجل ويستبشع ما رآه هما إذ يرى تلك الشرذمة الطاغية قد خرجت من الزاوية ثم انقضت عليه انقضاض الصقر، وحاول أن يستغيث ويصرخ ملء صوته وحاول أن يدافع الشر عنه، ولكن الشرذمة لا تعرف معنى للرحمة ولا عرفت الرحمة على نفسها طريقا، فقد لبست أظفار الذئاب ومخالب الأسود، وما كان منه إلا أن يستسلم للقدر المحتوم بعد أن اشبع لكما وركلا... وشرع يجود بأنفاس قصار وهو يردد في نبرة متقاطعة اسم الله الأعظم واسم نبيه، واستشهد بعد برهة، فصعدت روحه على برزخ الطاهرين.

وأسدل الستار على هذه المأساة، وساد السكون المكان... وانتشر الصمت الرهيب... بينما كانت الشمس تسحب لتودع، وتلصق خدها بحواشي الأفق كما لو كانت تتضرع لتتلاشى، وعلى الأثر نشر الظلام أروقته، والبحر في هيجاته تتلوى أمواجه في شدة كما لم تتلو في حياتها الطويلة المديدة منذ الأبد..!
...ومر الليل بطيئا وئيدا... وتشرق شمس الغد من وراء أفق البحر الذي هدأ هيجانه فترسل خيوطها على جثة أبي محمد مقين العاصمي القصري وهو مسجي على الأرض، وقد انتشرت على جلبابه بقع من الدم قانية.
هكذا ختمت حياة عالم فذ بكارثة عام (956هـ) وبموته أنهد الحصن الذي طالما التجأ به، وانطفأ المصباح الذي طالما أضاء ما حوله فامتد إلى المسارب المظلمة، وغاض الينبوع الذي طالما ارقد كل القنوات الجافة المتعطشة إلى الارتواء...

                               -كمــال العقـــل-
قال عمر بن عبد العزيز لمزاحم مولاه:
إن الولاة جعلوا العيون على العوام، وأنا أجعلك
عيني على نفسي، فان سمعت مني كلمة، تربأ بي
عنها أو فعالا لا تحبه، فعظني عنده، وانهني عنه

                                                 

 

 

 


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here