islamaumaroc

الغرفة رقم 13

  دعوة الحق

77 العدد

دق جرس التلفون في مكتبة «السي عمر الفرخاني» فانحنى عليه ليلتقطه من فوق المكتب. كان واقفا في ردائه الحريري الأزرق ينظر إلى النهر يشق طريقه الكسولة وسط السهل المترامي، وقد تعلقت فوقه شملة خفيفة من ضباب الفجر تنعرج بانعراجه.. 
وتساءل وهو يلتقط التلفون يا ترى من يكون هذا الطائر المبكر؟ لقد أعطى أوامر صارمة لمساعدة في إدارة مصنع المياه الغزية إلا يناديه في البيت إلا إذا كان الأمر مهما للغاية..في اعتقاده أن البيت للراحة، لا للعمل.
ورفع السماعة..
- آلو؟
- عمر الفرخاني؟
وصدمه أن يسمع اسمه مجردا حتى من ابسط علامات الاحترام مثل «السي» أو «الأستاذ» كما يناديه اغلب معارفه لثقافته وميوله الأدبية رغم انه مجرد مدير وصاحب مصنع للمياه الغازية..
وأجاب بأدب..
- نعم.. يتكلم..
-  اسمع، أنت لا تعرفني.. ولكن عندي شيئا قد يهمك أن تشتريه. 
- لماذا لم تناد مديري بالنيابة في المصنع وتتفق معه على ما تريد.. أنا لا أزاول أعمالي التجارية في البيت..
- هذا شيء لا اعتقد انك تريد أحدا أن يعرف عنه.. أنه عمل تجاري من طبيعة خاصة.
- ماذا تعني؟
- عندي رسالة بخط يدك حصلت عليها من صندوق قمامتك.. ساقراها عليك حتى لا تشك في صدق ما أقول، اسمع..  
«عزيزتي فريدة،
عندما تصلك هذه الرسالة ستكون متاعبنا قد انتهت، وصاحبنا حمادي قد لقي حتفه، لا تقلقي، سأجعل الجميع يعتقد أن الموت كان من جراء حادث السيارة. وسوف نتحرر منه إلى الأبد، وبعد بضعة أشهر ستلتقي لكيلا نفترق أبدا..
«أرجو إلا تتصلي بي بعد اليوم إلا في الأحوال الخطيرة جدا. اكتبي لي عن طريق خادمتك. سنتعذب قليلا من هذا الفراق الطويل، ولكنه سيكون بداية سعادة اللقاء الدائم.
«ملاحظة-عندما تنتهي من قراءة هذه الرسالة احرقيها كلها وشتتي رمادها حتى لا تقع في يد احد.
                                               محبـــك دائمــا-عـمـــــر
وسمع«عمر الفرخاني» صوت الرسالة وهي تطوى ثم صوت صاحبه.
- هذه هي الرسالة.. إنها تحت يدي الآن بخط يدك وتوقيعك. ليس لي فائدة إطلاقا في تقديمها للبوليس.. فلست من أنصار العدالة.. أنني مثلك ..رجل أعمال.. من نوع نختلف.. ولكن التجارة تجارة.. وأريدك أن تشتري مني بضاعتي التي لا نفع فيها لغيرك.واظهر «السي عمر الفرخاني» الحرج في موقفه.. ثم سال الرجل بصوت متردد:
- من قال لك أنني صاحب الرسالة.. لست وحدي المسمى عمرا..
وأجاب الرجل بحدة:
- هل تريد أن تلعب معي «الضامة»؟.. أنت تعرف جيدا أن الرسالة مكتوبة بخط يدك، لسوء حظك.. وقد تأكدت من ذلك.
- كم تريد ثمنا لها؟
قالها «عمر» بصبر نافذ.. ورد الرجل..
- ثلاثمائة ألف بسيطة..
- هل جننت؟.. سوف تخربني..
- أنا متأكد انك تملك الملايين.. فلا تساوم حتى لا ارفع الثمن..
- طيب.. طيب. لا تتجبر..
- إذن اتفقنا.. المبلغ ينبغي أن أتسلمه اليوم..
- اليوم؟
- اليوم.. لقد سمعت جيدا.. لا تلجا إلى الجيل، فكلها أعرفها.. يجب أن تكون الأوراق من نوع المائة والخمسمائة بسيطة.. ضعها في حقيبة والقني بها على الساعة العشرة من مساء اليوم، في مقهى «الكليبو» على الشاطئ.. سأكون في الغرفة «رقم 13» .. أنا أعرفك.. وسوف تجدني اشرب حتى لا تسلم الحقيبة لأحد غيري إذا حدث إن غبت.. تذكر .. لا حيل..
- لا تضغط علي.. سوف أفعل ما قلت.. لا بد أن تسلمني الرسالة في الحين..
- لا تقلق..
ووضع السماعة..
وبقي «السي عمر الفرخاني» يدخن السيجارة تلو الأخرى، ويدور في غرفة مكتبته دون أن يرى ما حوله.. ثم ذهب إلى التلفون..
وفي ذلك المساء أوقف «السي عمر الفرخاني» سيارته بعيدا عن مقهى«الكليبسو» حتى لا يتعرف عليها احد، وخرج منها متخفيا في معطف وقبعة ونظارة، ثم قصد الملهى.
كانت الفرقة تعزف أنغاما استوائية على آلات قصيديرية صارخة، والأولاد والبنات يتراقصون متزاحمين بالأكتاف والأرداف، وقد عبق الجو برائحة الدخان الذي زاد إلى ظلام المحل ظلاما..
وشق طريقه بين الراقصين وهو يجر حقيبته بينهم حتى وصل إلى الغرفة «رقم 13» فرفع الستار الحسكي، ودخل، فتدلى الستار خلفه..
وقام الرجل الذي كان طويلا ونحيفا فاخرج رأسه من خلف الستارة ونظر يمينا ويسارا ثم عاد يجلس إلى خلف زجاجة..
- هل أحضرت المبلغ؟
- كله..
ووضع الحقيبة على المائدة وفتحها فغفر الرجل النحيف فمه.. ثم امسك بها فأدارها نحوه ولدا يمسك برزم النقود وبعدها..
وتحرك «السي عمر الفرخاني» في مجلسه قلقا..
- هات الرسالة..
- لا تستعجلني.. لا بد أن أعد المبلغ.. هذا طرف من الصفقة..
- انه كله هناك.. لا تثق بي؟
- هل تثق أنت في؟..
- طيب: عد المبلغ، وأسرع...
وجلس الرجل النحيف يعد المبلغ على مهل حتى وصل إلى آخر ورقة، و «السي عمر الفرخاني» يدخن سيجارة وراء أخرى.. وحين انتهى الرجل من العد وقف..
- هات الرسالة..
واخرج الرجل محفظته فاخرج منها الرسالة وفتحها ثم قطعها نصفين متساويين أعطى احدهما «السي عمر الفرخاني» وأبقى الآخر عنده.
وامسك «عمر» بيده..
- ماذا تفعل؟
- اترك يدي.. هذا نصف المبلغ الذي أريد.. بعد يومين سأعود للالتقاط الثلاثمائة ألف بسيطة أخرى.. وسأعطيك النصف الآخر..
- أيها الغادر.. الم نتفق على هذا المبلغ؟..
- لم نتفق على شيء..
- ستندم على هذا..
- جئني بالمبلغ ودعني أندم.. وإذا حاولت أي عملية فسأخبرك للعلم أن جميع أسراري في وصيتي بالبنك.. حين أموت موتا غير عادي، أو اختفى فسيكشف عن اسمك من بين المشبوهين.. فلا تحاول أن تكون ذكيا.
- هذه كلمتك الأخيرة إذن؟
- تماما..
وهنا ارتفع الستار ودخل أربعة رجال بمسدساتهم وحللهم البوليسية..
- ارفع يديك..
وفزع الرجل النحيف فرفع يديه، وامسك به احد رجال البوليس فأداره نحو الحائط واخذ في تفتيش جيوبه ..
ووقف «السي عمر الفرخاني» يحدث رئيسهم الذي كان يلبس ملابس مدنية.. وأقفل رجل الشرط آخر الحقيبة وسلمها لرئيسه..
واستدار الرجل النحيف وبدا يصرخ..
- اسمعوا.. هذا  الرجل قاتل.. ينبغي أن تقبضوا عليه هو الآخر.. عندي عليه حجة.. انظر هذه رسالته التي يعترف فيها بالقتل.. واستلم رئيس البوليس الرسالة ووضع «القطينة» في يده وهو يقول..
- أيها المغفل..
وتقدم «السي عمر الفرخاني» فسلم على الرجل النحيف بالرغم منه وقال له..
- شكرا.. لقد أعطتني فكرة ممتازة لقصتي القادمة..
وتساءل الرجل النحيف..
ماذا؟ هل سوف لن تقبضوا عليه؟
ودفعه رئيس الشرطة أمامه وهو يقول..
- يا مغفل.. «أستاذ الفرخاني» كاتب قصص بوليسية.. والرسالة التي وجدت في قمامته هي طرف من إحدى قصصه، لا علاقة لها مطلقا بحياته.

  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here