islamaumaroc

(سوف لا )(وهل لا) -2-[تعقيب: حول ميزان زياد ]

  دعوة الحق

77 العدد

عرفت السيد زياد، سنة 1950، يعمل بجردة «العلم»، فعرفته مرحا نشيطا، حسن الاعتقاد في الناس، ورأيته في تطوان سنوات المحنة التي حلت بالمغرب، أثناء إقصاء العاهل المقدس محمد الخامس، عليه الرحمة والرضوان، ثم غاب مني ولم ألتق به إلا في القاهرة أواخر سنة 1957
وما رأيت السيد زياد بعدها، إلا مرة واحدة ببناية الإذاعة في الرباط، وأخيرا وجدتني، التقي به على صفحات هذه المجلة وهو يزنني ويزن غيري.. وانه للقاء حميد، جعلني أدين للسيد زياد، في اتصالي بكتاب طالما سمعت عنه، ولم اقرأه. ولكنني بوحي من السيد الفاضل، اتصلت بهذا الكتاب، وقرأته وشروحه، واستفدت منه ومنها، وكان الفضل في ذلك كله راجعا إلى صاحبنا السيد، كما قلت...
هذا الكتاب هو «درة الغواص» للحريري، فقد غصت فيه، وما كنت قبله من الغواصين، صرت به من الخواص، وما كنت ادري من قبل أني من هؤلاء الخواص...
ومع هذا كله، فاني ما وجدت فيه صدى لما كتبته، بل ما وجدت فيما كتبت صدى لما فيه، فلعل السيد زياد قرأ الكتاب فنسي ما به، أو لعله قرأ المقال فنسي ما به، وان كنت من المعتقدين انه ما قرأ المقال، وإنما قرأ عنوانه، وكأني به يتلفظ بهذا العنوان من ثناياه، في طراوة وندى، ثم يتناول قلمه، فيخط به تلك الكلمات المعدودات، في طراوة وندى كذلك...
وإلا فكيف يتصور قارئ المقال، ما ادعاه السيد زياد، زاعما انه قرأ المقال؟
وما علينا عن جناح، وما على السيد من مؤاخذة، ولننتقل إلى النقاش المجرد، فنجد أن السيد يجعل تلك الأخطاء، من طفيف ما يتغاضى عنه ويتسامح فيه، لأنه كما يقول: لا يمس جوهر اللغة، فهل بلغ به العلم أن يمكنه من هذا الحكم، وهو أي الحكم بعيد كل البعد عن «الجوازط» ولغاتها، والمتمرسين بها من رجالها؟ لا يا سيدي، انه العلم، والمسالة ليست فوضى، فان كنت تريد خوضه،«فاخلع لعلك انك بالوادي المقدس»... ولا تترام، فمصيبتنا، في يومنا وفي أمسنا القريب، هي هذا الرامي، على كل شيء... على الماديات أولا، ثم على المعنويات...
ما هي المخاوف التي تتخوفها على التعريب، من أن تعرف ما يجب أن تعرفه في هذه اللغة،ـ ولا نقول أن تعلم، لان هذا من البساطة المتناهية، التي لا تكلفك إلا أن تعرف «لن» وتقاطع «سوف » أو «سوف لن»، وتعرف «إلا» في الاستفهام، وتهجر «هلا» فيه، والسلام والأمان التام، ولا ضير على اللغة ولا عليك..
ثم قل لي ربك، اتخذ في لغة من اللغات، وفي لسان أمة من الأمم، من يجحف بقواعدها من قومها، ومن يهضم لها حقها منهم، ويهدم حرمتها، ويبيح حماها، فيدعو إلى أن يتكلم بأدوات استقبالاتها كما أريد، وان يستعمل المتكلم بها والكاتب لها ما يريد في غير هذه الأدوات، فنتقبل منه مثل ذلك في لغتنا، بل نشجعه في ذلك، فرحين مسرورين، صائحين له بهيا وهات...
ما هو التعريب الذي نحرص عليه يا سيدي زياد؟
ليس المراد منه مجرد وضع كلمة محل كلمة أخرى، فهذا ميسور، حتى للغريب عن هذه اللغة، وفي كثير من أمثلة هذا التعريب الذي تفهمه، فالمعاجم بحمد الله كثيرة، والآفاق على اللغات أصبحت جد واسعة، ولكن التعريب الحق، والتعريب الذي خلق الله له رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، هو التعريب القائم، على اللفظ (العربي) المركب (تركيبا عربيا) المفيد (إفادة معقولة) بالوضع (العربي كذلك). فهذا هو الكلام «في التعريب» لا الألفاظ الجوفاء، والمظاهر الخداعة الكاذبة العرجاء.
إننا إن كنا نتناول أغلاط غيرنا بالتنبيه عليها، فلسنا في ذلك نصور عربيتنا «بعبوعا» كما قال السيد زياد، وإنما نريد في تبسيط وتسيير، زيادة فائدة، أن ننظف اللغة التي لوثها الجهل، وتقحمها الجهلاء، نريد ذلك غيورين عليها، حامين لحوزتها، مدافعين عنها، من يريد انتهاك حرمتها، في جهل منه تارة، وعبث منه تارة أخرى. ولا نريد في هذه اللغة من يتبنها، ويحذب عليها، ولكنه ينزع منها رجلها، فيضعها مكان ذراعها، وذراعها فيضعها، حيث أوصت العربية ابنها، للشهرة... وللشهرة فقط... ولو بالتعليق، كما قالت، ونعوذ بالله.. من أن نعلق ما للحمير...
مما أدركنا عليه الناس، أنهم يهزلون أو يتندرون بقولهم:«الجبن سيد الأخلاق»
ولكن المتندرين الهازلين، في بعض المواطن، قد يصبحون حكماء، وهم لا يدرون، وقد تصبح كلماتهم توزن بالذهب، ولا يفي لها الذهب حقا، وللكلام مواطن، فيأتي ما كان هزلا جدا، كما يأتي ما كان جدا هزلا، ومن هذا:«الجبن سيد الأخلاق»...
نعم، انه سيد الأخلاق في العلم، وان فضيلة العالم لهي التثبت والتحري، وعدم التسرع والتهور، في مسائل علمه، فالشجاعة في ميدان العلم، مهلكة وأية مهلكة، وما قضى على شخصيات العلماء، إلا كلمة-قد تكون- واحدة، تشجعوا فيها، أو تهوروا فيها، أو كذبوا-سم ذلك ما شئت- فقال لهم العلم:«اخسأوا فيها ولا تكلمون» وقال لهؤلاء المتنطعين، بقية الكلام، وصدق فيما قال... فإن جبناء العلم «هم الفائزون»...
وبعد هذا كلام الوازن لمقالات العدد الماضي-وكان علينا أن نجعله قبل- ونترك للقارئ حكمه على السيد زياد، زاد الله علم العلماء،«شرفا وكرما ومهابة ورفعة وتعظيما نعما»، قال، لأفض فوه،
«أما الأستاذ محمد بن تاويت، فانه اختار أن يكتب مقاله، في «سوف لا» و «هل لا»، وهو مقال يندرج فيما كتبه الحريري، في «درة الغواص في أوهام الخواص»، على أنني لا ادري، هل ما (كذا) يزال العصر والظروف تسمحان (كذا) يمثل هذه الصرامة، في اللسان العربي أم لا، ولعله من الأحسن أن نتساهل في هذا الباب، ما دام الأمر لا يمس جوهر اللغة العربية، حتى لا يجد خصوم التعريب، مبررا من هذه الصرامة، يشنعون بواسطته على اللسان العربي، ويقولون عنها (كذا) ما يقولون من أنها (كذا) غول»هـ
ومعنى هذا-ونحن غاضون- أن نتنازل للمخطئين، كما يتنازل بعض الزعماء للتابعين، لا أن ننقذهم من ضلالهم، كما يفعل الهداة من المصلحين، حتى ولو كان هؤلاء المخطئون، قد أصابوا اللغة العربية في صميمها، وحطموا ذرة جوهرها، ذلك الجوهر الذي هو كامن-لا كما يدعي السي زياد- في مثل «لن» الاستقبالية، و «لا» الاستفهامية...
فما هكذا يكون «الكلام المركب المفيد»، وإلا فما هو جوهر اللغة؟ زدنا علما يا سيدي زياد، وأجرك على الله، ولا تتركنا في هذه الحيرة من أمرنا وأمرك، وفي أية صفحة من صفحات الدرة، وجدت منا تلك الغرة؟، لا يا سيدي «ما هكذا تورد يا سعد الإبل»، فان كلماتك المضطربة المقتضبة في آن، لا تفيدنا شيئا، بل لا تزيدنا إلا بلبلة وهراء، وفي لسان كل متجرئ، قدرة على لوكها والقذف بها، وصاحبها لا يلقي لها بالا»، ولو حاول أن يحكم بها على كمل كلام، لما صده عن ذلك أي ملام، بل قال له «اصنع ما شئت» وأنت القاهر...
إن المجلة التي فسحت لك-كما فسحت لغيرك- صدرها، لتسجل على صفحاتها ما في مكنونك، ولتجلى فيها عرائس أفكارك، لم تهدف في هذا كله، إلا إلى إفادة القراء وتقديم الكتاب، أو إفادتهم هم كذلك، وما أرى هؤلاء القراء، ولا أولئك الكتاب، قد استفادوا شيئا من أحكامك «ابتدائية»، فلتعد ميزانك إلى جرابه، ولتغمد سيف كتابتك في قرابة، ولا تستله إلا حينما تكون قد سعيت إلى الهيجاء، وأنت مزود بالعدة والعتاد، ولتكن على ذكر من الأية الكريمة «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا»، فأحسن ولا تقسط الميزان، «أحسن الله إليك»، ولا تبغ الفساد في لغتنا العربية، وأنت تريد لها من إصلاح ما كان مشرفا، ومن السيادة ما كان مطلقا، حتى تكون يا سيدي زياد، من خير العباد، وان تكون ممن قال فيهم ربنا:«للذين أحسنوا الحسنى وزيادة»، وما أجدر بالإحسان أن تستعمله في عربيتنا المهضومة، وما أجدرك في عملك المثالي أن يحلك في مصاف العباد، وان يبوئك منزلة الزهاد، فيما يتهافت عليه المتهافتون ولا أريدك أن ترانا فيما تكتب، نقصد به جمهور العوام، وعوام الجمهور، حتى نتملقه، ونستمد رضاه، ونستميل هواه، بل إننا نكتب لنخاطبك ونخاطب الزملاء منا، ونحن بحمد الله في مأمن من سخطهم، وفي بحبوحة من استحسانهم، وفي غنى من شعور الجمهور، الذي لا نعنيه ولا يعنينا، بفضل الله وحسن عونه، ومني عليك أيها الزميل ازكى السلام، ومن لساني أطيب الكلام، وإلى اللقاء في فرصة قريبة أن شاء الله.

                                                              

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here