islamaumaroc

العناصر القرآنية في قصيدة قفا نبك -5- ["عودة الرد"] [تعقيب ذ.م.الحلوي]

  دعوة الحق

77 العدد

عندما كتبت آرائي معقبا بها على استنتاجات السيد ابن تاويت في عناصره القرآنية التي لمحتها في ثنايا شعر امرئ القيس والمهلهل والخنساء لم أكن اقصد أثارة حفيظته أو امتحان حمله واحتماله لمناقشة آرائه، فهذا ما لم أكن شاكسا فيه، ولكني قصدت فقط أن أسجل ما عن لي من آراء لا تتفق مع آرائه في نطاق حرية الفكر، وتبادل الرأي، وما كنت أظن أن السيد الفاضل بلغ به ضين العطن، وحراجة الصدر، إلى حد لا يقبل فيه أن يناقش، ولا يحتمل معه ان يعقب عليه ولا يرضى أن يجري معه في الميدان كاتب، ولا أن يتطاول على تصحيح أفكاره متطاول، لقد عقبت على السيد مرتين تجنبت خلالهما ما يند عن القلم في هذه الحالات من فلتات جامحة أو نكث لاذعة قد يوحي بها للناقد تعصبه أو ثقته بوجاهة رأيه، فقد اكتشفت بالتجربة ما طبع عليه أدباؤنا على اختلاف مستوياتهم-إلا قليل- من جماح في الطباع ومهاترة في الحوار حينما يتطاول ناقد على أرائهم فيناقشها فما أن تفتح بين اثنين منهما صفحة نقاش وحوار حتى يتحول إلى ما يشبه مصارعة ثيران وحتى يتعدى نطاق الحوار الهادئ المتزن إلى السخرية اللاذعة والدعوى العريضة والأنانية المريضة.
ومن المؤسف أن لا يكون السيد ابن تاويت من ذلك القليل الذي يأخذ ويعطي ويناقش غيره في حدود من الحكمة والمنطق لقد جعلني اشعر وأنا اقرأ حواره إنني جاوزت حدي وجازفت بنفسي حين ولجت على الأسد عريته، واصلت عليه سيفي الخشبي كما شاء سيادته أن يتظارف فينعتنا.
لقد كان أحرى بالسيد الكاتب وهو الذي لا يقنع في العلم «بالحسنى ودرهم ونصف كما قال أن يعطينا من نفسه مثالا لما يجب أن يكون عليه النقد من تجرد وموضوعية فيتجنب هذه السخرية اللاذعة التي زكمت الأنوف ويمسك من غليان نفسه وثورتها الهادر ويكبح من جماح الغرور وطغيان العلم ولو قليلا..
وكنت انتظر منه وقد عنون جوابه «برد الصدر على العجز» أن يكون هذا الصدر حافلا بالجديد والمفيد في موضوع أثاره بعد أن مله الناس وقتلوه ردا وتعقيبا وصدورا وإعجازا.. ولكنه خيب الظن مرتين عندما جانب الموضوع وتعلق بالأبيات وفضول الكلام وعندما ميع أسلوبه وتنكب به عن أسلوب الحوار الهادف إلى التندر والإسفاف.
ولعل القارئ الكريم لم ينس أن روح النقاش بيننا ينصب على إسراف السيد في تحكيم ذوقه وتصيد كل ما فيه من ملامح من القرآن لإدراجه فيما انحل على الشعراء من شعر وضع لخدمة الدين والقرآن، فحيثما وجدت هذه الملامح ومتى تقاربت الشعور أو المعاني بين المهلهل أو الخنساء إلا وتفسير ذلك عنده هو الوضع والانتحال.. وقد قلت أني لا أنكر هذا الانتحال في الشعر الذي شغل الناس بالحديث عنه في القديم والحديث، ولكني أنكر على الكاتب فقط إسرافه وتمحله في الافتراض الذي يفرغ التاريخ من معناه ويفضي بنا إلى الشكل في كل ما بين أيدينا من تراث نعتز بأنه عربي ويفصح كل ما يربطنا من هذا الأدب بأمة العرب.
تلك هي الفكرة التي ناقشتها ووقفت عندها طويلا أكثر من وقوفي عند النصوص والأبيات التي استمد منها الكاتب عناصره وابتعد عنها في «رد الصدر على العجز» ولم يزد على أن أكد إنكاره للشعر المروي عن امرئ القيس والمهلهل وأحيانا ينكر حتى الوجود التاريخي للمهلهل «إن كان هناك مهلهل»
ومن الغريب أن ينكر «السيد» وجود المهلهل تاريخيا أو أن يشكك فيه ثم يبدو أكثر ثقة وتصديقا بعدي الغساني عندما يصحح نسبة بيت من الشعر نسب خطأ إلى أبي نواس وليت شعري من يكون عديا هذا؟ وأين هو من المهلهل ومن شهرة المهلهل الذي ينكر وجوده؟..
ومازلت أقول واردد مع الآخرين الذين قد يتفق «الأستاذ» معهم يوما ما فيردد أقوالهم كذلك-أن وسائل النفي ليست أقوى من وسائل الإثبات.. وان إنكار المهلهل وامرئ القيس.. يعني إنكار شعراء الجاهلية عامة، وإلغاء هذا التراث الأدبي لفترة ما قبل الإسلام.. ومن التحكم أن نعتمد التاريخ وهو يحدثنا عن عمرو بن كلثوم والنابغة الذبياني، ثم لا نطمئن إليه فيما يرويه عن المهلهل وامرئ القيس..
لقد وضع «السيد»بين أيدي القراء قصيدة المهلهل في رثاء أخيه كليب وأخرى للخنساء في رثاء أخيها صخر واحتكم فيهما إلى أذواق القراء، وهو لا يشك في أن قطعة المهلهل موضوعة لأنها تنظر بمعانيها إلى مرثية الخنساء فبينهما أكثر من شبه ولا يمكن أن يكون اتفاقيا ولا قدريا تركيا كما يقول، فلا بد أن يكون شاعر ماهر نظر إلى مرثية الخنساء ثم وضع القصيدة ونسبها إلى المهلهل ولابد أن تكون قصيدة الخنساء هي الام والأصل المنظور إليه، هذا هو افتراض الأستاذ الذي حكم فيه ذوقه واحتكم فيه إلى القراء يقول به وهو يعلم أن المهلهل متقدم تاريخيا على الخنساء وان كتب التاريخ تناقلت قصة مقتل أخيه كليب وتفجعه مثلما روى قصة مقتل صخر أخي الخنساء وتفجعها عليه، فاطمأن السيد الفاضل إلى هذا الذي روي عن الخنساء من شعر فزكاه واعتبره الأصل الذي يوخذ عنه وشك في المهلهل وفي هذا الشعر الذي رواه التاريخ عنه فاعتبره موضوعا واعتمد التاريخ كمصدر للأدب والنقد عندما تحدث له عن الخنساء وزيفه عندما تحدث له عن المهلهل ووجوده بين الشعراء.
وعندي أن مرثية الخنساء لا تعدو أن تكون احتذاء وترسما لمرثية المهلهل الذي ذاق مرارة الثكل قبلها وبكى أخاه كليبا بأرق ما يبكى به الرجال على الرجال، فنقلته الفاجعة وهو زير النساء من رجل اللهو والحسان إلى فارس الحرب والميدان، فلم لا تتحكك الخنساء وهي امرأة بشاعر رزيء قبلها فمهد لها طريق التفجع والرثاء؟ ولم لا تترسم قوافي الحزن في مراثيه لتكسب فيها دموعها وتجسد بها عواطفها وأشجانها؟ لم لا تكون شاعرتنا هي التي نظرت إلى مرثية المهلهل وأعجبت بها فكانت لها مصدر الإلهام لرائيتها، إن الإعجاب بأي عمل فني كثيرا ما يدفع بالمعجب إلى احتذائه ومعارضته والأستاذ لا يجهل ما للشعراء من معارضات أروع من القصائد التي عارضوها، إن مرثية المهلهل ليست موضوعة ولا منتحلة وان هذه الملامح التي تتراءى في مرثية الخنساء إنما هي ظلال عكسها الاحتذاء أو المعارضة إذا استساغها ذوق «السيد» الفاضل وما أظن انه يزكي ذوقا غير ذوقه أو يغير حكمه القاسي على المهلهل ومرثيته.
على أن هذه القسوة على المهلهل لا تدخل في نطاق عناصر «السيد» ولا افتراضاته ولكنها النظرية التي أثارت ضجة في عالم الأدب وانقسم الناس فيها بين متطرف ومتعصب ومتحفظ، وما دام «السيد» قد حدد موقفه من هذه النظرية المثارة فاختار أن لا يكون من حملة (راية القرآن) ولا ممن يناضلون تحت راية القرآن فهو حر في أن يتمذهب حتى بمذهب الشيطان....
لقد كنت أتمنى أن لا يبعدنا النقاش حول (المدار) (ولا تبعدن) ولا التندر (بيشويني فيك) (ويرزيني فيك) عن جوهر الفكرة التي من اجلها استنجد بالنصوص والمقارنات وكنت أتمنى أن نتعرف جميعا من خلال هذا الحوار المفتوح إلى ما عند «الأستاذ» الرحلة النقلة من جديد وطريف في موضوع ما يزال في حاجة إلى عناية وتمحيص.
أما وقد تنكب عن أسلوب الحوار الجاد إلى السخرية والتندر، أما وقد أبى إلا أن يحرمنا من معينه الثر، وأدبه الفياض، وسل علينا ونحن لا نملك إلا سيفا خشبيا سيفه العنتري.
فليعذر أخاه إذا لم يوافه بالرد وصد عنه صدود الكرام شاكرا له جهوده وفضله...

                                                         

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here