islamaumaroc

نحو مستقبل افضل

  محمد بناني

12 العدد

هنا في هذا الوطن الحبيب الذي خرج من معركة الاستقلال السياسي ظافرا، تتردد على أفواه المهتمين بقضاياه ومشاكله أنشودة جميلة حلوة... معناها أننا منهمكون في بناء المغرب الجديد، المغرب المستقبل القوي الذي سينعم بمستقبل قريب فيه كل معاني الخير والجمال، والذي سيتبوأ مكانته الائقة به بين أمم العالم، باعتباره همزة وصل بين الشرق والغرب... ستلقى على مرابعه خلاصة ما في الشرق من روحانية متهمة، وما في الغرب من مادية منتجة، والذي سيقوم بدوره الايجابي في دعم المحبة والإخاء والسلام بين هذه الإنسانية المعذبة في الأرض.
إذن فالمغرب يجتاز الآن فترة بناء، ومعلوم انه لا بناء يقوم على أساس قوي متين، يمتد في الأعماق، متحديا عوادي الدهر وتقلبات الأيام.
والأساس الذي تبنى عليه الأمة هو الفرد... أنت وأنا والآخرون، فالفرد هو الخلية الأولى في بناء المجتمع الذي تقوم عليه الأمة، وكلما كان بناء الفرد قويا، وشخصيته متماسكة، كانت الأمة تمضي على الهدف في إصرار، وكانت اتجاهاتها سليمة وخطواتها ايجابية.
إننا نتسلم اليوم أرض الوطن مزروعة بالألغام الناسفة، وفي كل مجال في السياسة والاقتصاد والتربية والاجتماع والأخلاق، بل في كل مجال من مجالات العقل والشعور والنزوع، يجب إلا نضع طوبة ما في بناء المستقبل إلا بعد أن ننبش هذه الأرض ونعقم تربيتها تعقيما.
لقد تآمر الجهل والخرافة والرجعية وأنواع الكبت وسوء توزيع الثروة مع الاستعمار على حاستنا الاجتماعية فعوقتها تعويقا، واليوم ونحن نطرق أبواب المستقبل الصاعد في حزم وعصامية، فمن أين يجب أن نبدأ الانطلاق ؟
لقد كان سيد المجتمع في القرون الوسطى هو ذلكم الفارس المغوار الذي يعشق الخطوب ويتحدى القدر، والذي لديه من القوة الجسمية ما يمكنه من الظفر بمحبوبته ولو عن طريق الإغارة والخطف، ثم تطور مدلوله بعض الشيء في العصر الكلاسيكي فأصبح إنسان الصالون الأنيق اللبق
أما اليوم في العصر الحديث فان التربية الديمقراطية الصحيحة تهدف إلى إيجاد (الوطن الصالح) أي ذلكم الإنسان الذي لا يبدأ تفكيره في مصلحته الخاصة إلا حيث ينتهي عمله لمصلحة الوطن، والذي تهيئه الدولة بواسطة الأسرة والمدرسة والمجتمع لممارسة ماله من حقوق، وأداء ما عليه من واجبات، طبقا لمبدأ (تكافوء الفرص) هذا المبدأ الذي يفتح أبواب النجاح والتوفيق أمام كل ذي كفاءة، والذي يجعل الناس جميعهم سواء أمام القانون..
إن فكرة المواطن الصالح بهذا المعنى تصميم تعاونت على وضعه دراسات ناضجة في شتى ميادين العلم والتربية والأخلاق، وهي أحسن ما استطاعت أن تقدمه لمجتمع القرن العشرين الصاعد في زيه المثالي النموذجي.
وإذا نحن نظرنا إلى مجتمعنا المغربي وجدناه يرتبط ارتباطا وثيقا بمعتقدات الأمة الإسلامية وتقاليدها وتاريخها وعرفها الخلقي، وما تمتاز به شخصيتها الجمعية ويكتنفها من ظروف في شتى مرافق الحياة، فإذا نحن حاولنا أن نبدأ البناء من الأساس، أي من الفرد، بتكوين المواطن الصالح في مجتمعنا المغربي الإسلامي هذا، تلبية لنداء الديمقراطية المثالية في القرن العشرين، وجب علينا أولا وقبل كل شيء أن نجيب على هذا السؤال : هل عرف الإسلام كدين ونظام فكرة المواطن الصالح أم هي فكرة غريبة عنه، أن نحن اقتحمناها على مجتمعنا قاومها وأجهز عليها كجرثومة ضعيفة تنفذ إلى جسم ذي حصانة ؟ (إذا نحن رجعنا إلى تاريخ الإسلام كي نجيب على هذا السؤال وجدناه يبدأ حملته الموفقة من الفرد، فيهتم الاهتمام الكبير بموازنة قواه المختلفة ليكون بناء الأمة متراصا لا غميزة فيه ولا وهن، وسيلته إلى ذلك تنسيق حياة الناس المادية كأحسن ما تعني بذلك المذاهب الاقتصادية، وتقويم السلوك الاجتماعي كأقوى ما تهتم بذلك الدعوات الأخلاقية، وتطهير النفس كأحسن ما تفعل الأديان السماوية.. انه يربط بين هذه جميعا ويلحم بعضها ببعض، فإذا المسلم قوي في كل ما يعيه هذا اللفظ من دلالة : قوي في جسمه، قوي في خلقه، قوي في روحه.. أليس شعاره قول الرسول (ص) (المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف) كما يرويه مسلم.
ولتكوين المؤمن القوي وجد في الإسلام المسجد والمدرسة والنادي، ومن هنا كانت رسالة كل منها وحدة متماسكة يتمم بعضها بعضا : ففي المسجد تبني روح الفرد، وفي المدرسة يبني عقله، وفي النادي يبني خلقه، ومن هنا أيضا كان وجود هذه الثلاثة معا من ضروريات الحياة الاجتماعية الصحيحة، وكان فقدان المجتمع واحدا منها دليل اختلال، فلن تغني المدرسة عن المسجد، ولن تغني الجمعية عن المدرسة، والذين يظنون أن المسجد ليس شيئا أساسيا في بناء المجتمع، إنما يريدون بناء عقل لا روح فيه، وهم في هذا مخطئون يظنون أن المدرسة ليس لها كبير بناء المجتمع السليم، وأن المسجد أو النادي يغني عنها... فلن تسعد روح بلا عقل، ولن تعمل روح وعقل عملهما من غير خلق يوجههما نحو العمل الاجتماعي المتمر...
لقد كان أول عمل به النبي (ص) يوم قدم المدينة مهاجرا، وأول حجر وضعه في بناء الدولة التي غيرت مجرى التاريخ، هو بناء المسجد النبوي الكريم، هذا المسجد الذي كان مدرسة ومعبدا ومنتدى في آن واحد، والذي كان من تلامذته أبو بر وخالد وعمر وعلى وسعد وابن مسعود وأمثالهم... يجتمع إليهم فيه-ومن قبل في شعاب مكة ودار الأرقم وفناء الكعبة- يقوي أرواحهم ويصقل نفوسهم، ويهذب أخلاقهم، حتى إذا مضى لربه كان لهم في التاريخ شأن وأي شان، وكان لهم في هداية الإنسانية نصيب وأي نصيب.
فما هي الخطة التي انتهجها الإسلام لإعداد هؤلاء الخالدين، والتي جعلت منهم مواطنين صالحين... يحملون الرسالة ويؤدون الأمانة ويخوضون المستقبل في ثقة وحزم وإصرار ؟.
لقد شد الإسلام الرحلة وبدا الانطلاق من حيث يجب أن يبدأ كل إصلاح.. لقد شد رحلته على السلوك، وبدا انطلاقه من الأخلاق، اجل ليها الإخوان من الأخلاق أولا وقبل كل شيء.
كانت الفردية والأنانية وحب الذات هي الدفة التي توجه سلوك العربي قبل الإسلام، والطابع الذي بسم أخلاقه.. كانت الفوضى والجهالة والعبث بالقيم قاسما مشتركا بين أغلبية العرب، كانوا يقولون مع شاعرهم القطامي :

ومن تكون الحضارة أعجبته               فأي رجال بادية ترانا
ومن ربط الجحاش فان فينا                قنا سلبا وأفراسا حسانا
وكن إذا أغرن على جناب                 وأعوزهن نهب حيث كأنا
أغرن من الضباب على حلول            وضبة انه من حان حانا
وأحيانا على بكر أخينا                     إذا ما لم نجد إلا أخانا
كان هذا لسان حال العرب...
فكان على الإسلام-وهو بصدد إنشاء دولة وخلق امة- أن يقتلع هذه الروح من أعماقها، ويحل محلها جديدة شعارها التعاون والتعايش، فإذا صلة قوية بين الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه، أوجدتها العبادة والتربية والتشريع..
تقوم عقيدة المسلم علة أن الله واحدا، وان هذه العوالم كلها مخلوقة لإله واحد، وان الإنسان مرتبط مع هذه العوالم برابطة العبودية والحاجة لله، وان عالم الحيوان بطيوره ودوابه عالم مثل عالم الإنسان (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم).
لم يؤكد الإسلام صلة الإنسان بأخيه الإنسان صلة كرامة وصفا للإنسان (ولقد كرمنا بني آدم) فبثبت هذه الكرامة وصفا للإنسان كانسان، بقطع النظر عن الاعتبارات الأخرى... يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا.. إن أكرمكم عند الله اتقاكم.
وانه لحافز اجتماعي كبير أن يكون مقاس قرب المؤمن من الله أو بعده عنه نفعه للناس : يقول عليه السلام : الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله انفعهم لعياله.. 
وتقوم آداب الإسلام على اعتبار التعاون مع الناس هو الأساس : فروح الشريعة مكارم الأخلاق، (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) رواه البخاري في الأدب والحاكم، ورواه مالك بلفظ (بعثت لأتمم حسن الأخلاق) والقاعدة التي تبني عليها الأخلاق في الإسلام هي قول الله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) والبر والتقوى لبا فقط ما يتوهمه البعض من إنهما العبادة فحسب (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله، واليوم الآخر، والملائكة والكتاب، والنبيئين، وآتي المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن سبيل، والسائلين، وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة... والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، أولئك الذين        صدقوا.. وأولئك هم المتقون).
وتقوم العبادات في الإسلام على فكرة التعاون الاجتماعي بين المؤمن وبين الناس جميعا : فالصلاة مثلا : ما فائدتها ؟ ما حكمتها ؟ أهي حركات آلية لا مفهوم لها ؟ أهي صلة شخصية بين المسلم وربه فقط كلا.. إنها عملية تطهير وإعداد.. تطهير الفرد من الانعزالية والأنانية، وإعداد له كي ينصهر مع المجتمع على تقوى من الله ورضوان... استمع إلى القرآن يشرح فوائد الصلاة، يقول تعالى : (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) هذه هي الناحية السلبية : التطهير، والتعقيم ويقول (إن الإنسان خلق هلوعا : إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا، إلا المصلين ) وهذه هي الناحية الايجابية.. الأعداد لكل خلق عظيم، تلكم هي الصلاة :
عبادة لتقويم الخلق الاجتماعي في نفوس المصلين، فان لم تؤد هذه الغاية كانت عملا باهتا وحركة ضائعة، (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا). تلكم هي فلسفة الصلاة كما أعلن عنها نبي الإسلام.
والصوم... ما فائدته ؟ ما حكمته ؟ ما الغاية منه ؟ اهو جوع وحرمان، كلا، انه أيضا عملية تطهير وإعداد.. تطهير للصائم من القسوة والبخل واللغو والكذب والخصام، وإعداد له ليتحلى بما يحببه إلى الناس.. يقول تعلى عن حكمة الصيام (لعلكم تتقون) تتقون كل ضار خبيث مفسد لحياة الأفراد والجماعات، ويقول عليه السلام (الصوم جنة-أي وقاية أي تطهير- فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفت ولا يصخب، وان سابه احد أو قاتله فليقل إني صائم) هذا هو الصيام.. عمل اجتماعي قبل أن يكون عملا فرديا.. يقول عليه السلام (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ويقول : رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش).
وهذا الحج : لم شرع ؟ وعلى من فرض ؟ اهو غربة وعذاب ؟ أهو طواف حول أحجار وبنيان ؟ كلا ! انه اجتماع وتعارف، تعاون وتآلف، انه تطهير للمسلم من كل آثار الأنانية والانعزالية، وإعداد له على التعاون والاجتماع.. انه في مكة طواف وسعي يدلان على نبات على الخير والتفاف حوله... وفي منى حجار ورمي يرمزان إلى مكافحة الرذيلة والشر.. ذلك هو الحج.. لخصت حكمته ثلاث كلمات من كلم الله المشعات (ليسهدوا منافع لهم).
وهذه الزكاة : معجزة الإسلام في تشريعه الاجتماعي العظيم، وسر بقاء المجتمع الإسلامي مئات السنين كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، والمعول الجبار الذي قوض به الإسلام روح الأنانية والفردية والانعزالية.. محلا محلها روحا غيرية اجتماعية جديدة.
في ذلك العهد الجاهلي السحيق.. حيث كان الإنسان يأكل أخاه الإنسان.. يأكل حقه، ويأكل كرامته، ويأكل منزلته الاجتماعية.. وحيث أدى تكالب بعض الناس على ما تحت أقدامهم من لذات ومتع إلى ظفرهم بكل شيء، وحرمان البقية الباقية كل شيء.. جاء الإسلام يعلن للجميع أن الناس سواسية، وأن الإنسان اخو الإنسان، وان الفقر والضعف ليسا عيبا يلزم صاحبهما إلى الأبد، بل أن لكل فرد في المجتمع الإسلامي أيا كانت طبيعته منزلته الإنسانية الكاملة.. وكانت مقاصد الشريعة الضرورية تهدف إلى المحافظة على حقوق خمسة في الدين والنفس والعقل والنسل والمال واتجهت في المحافظة علها وجهتين.. الأولى : إقامتها بتحقيق أركانها وتثبيت قواعدها، والثانية : ردء الخلل الواقع أو المتوقع منها..مركزة جهودها في سبيلها، معلنة للحفاظ عليها حربها وجهادها..
وليست الزكاة في كل أزيائها إلا ضمانا لهذه الحقوق جميعا.. ورصيدا سائلا يمد المجتمع الإسلامي بالحيوية والحركة والنشاط، ويمنحه الصحة والعافية والسلام.
لقد عرفت الشريعة الإسلامية بحدسها الصادق أن المعدة الخاوية أبدا لن تجد حلاوة التوحيد ولذة الإيمان.. كما لن تجد قدرة على الإنتاج أو قوة على العمل..
لقد عرف الإسلام بحدسه الصادق هذا-ما أثبته العلم اليوم عن طريق شيئا بعيدا عن ذاته وتركيبه وأجهزته.. وان سلوكه البشري كله.. خيره وشره، صالحه وفاسده، يرجع إلى وضعيته الصحية بالإضافة إلى حالته العقلية.
فالشخص المريض الذي هبطت طاقة خلاياه العصبية لأنه لا يجد غذاء كافيا، كالشخص الجاهل الذي لا يجد فرص التربية الكافية.. لا يمكن أن تصدر عن إحداهما تصرفات سليمة فضلا عن أن نعتر في أهابه على فضائل يانعة أو أخلاق مشرقة.. لان الحرمان يفقده سكينة النفس وغبطتها، ويمتص من روحه العزيمة والأمل.. وفي هذا يقول الدكتور ادوارد سيبشر كولز في كتابه(لا تخف) : (أن كل تغير في الخلية العصبية مهما تقل درجته، يتبعه لا محالة تغير في نفسية صاحبها).
ويضرب لنا مثلا.. رجلا سكيرا بلغ في الإدمان درجة حطمت كل معنوياته، وجردته من كل خلق وفضيلة، ولما عجزت المواعظ عن إنقاذ هذا المغلوب على أمره صاح العلم : أن توقفوا : أن العلاج يجب أن يبدأ من الداخل.. حيث الخلايا المجدبة، والأعصاب المنهوكة، والغدد المختلة.
وهناك في غرفة العمليات أجرى له الدكتور كولز عملية بزل للسلسلة الفقرية التي تخفض الضغط على السائل المخي، فتتغير بذلك المخ.. فإذا العافية الصحية والنفسية تعودان للمريض، وتعود معهما الأخلاق الطاهرة، والروحانية الضامرة.
وما من ريب في أن هذا الذي انطبق على الفرد، ينطبق على الجماعات والمجتمعات، فالمجتمع المتمتع بعافية اقتصادية هو الذي تزدهر فيه الفضائل، أما المجتمع الجائع المضني، فلا تكاد تزوره الفضيلة من الباب حتى تغادره من النافذة.. لان الجوع إلى الخبز (كما يقول فرويد) كالجوع إلى الجنس : هما اللذان يوجهان سلوكه.. فالرخاء هو الجهاز، وهو الغدد، وهو الخلايا التي تحيا بها الشعوب، والصاروخ الذي يوجه سلوكها، ويقود أخلاقها.
أليست الفضيلة تعني السلام والإخاء والمحبة ؟ فكيف السبيل غليها في جماعة يؤجج الحرمان فيها نار الحقد والبغضاء والتشاؤم من الحياة وأهلها ؟ أن اباذرالغفاري ليتصدى منذ فجر الإسلام لتأكيد هذا فيقول : إذا ذهب الفقر إلى بلد، قال له الكفر : خذني معك. ثم يأتي توماس بين ليؤكده بآيته الخالدة «أن الفقر ليتحدى كل فضيلة».
أجل.. ومن أجل الفضيلة جاء الإسلام أيضا باشتراكيته المثلى.. بنظام الزكاة. فقد أمر الله سبحانه ورسوله محمدا (ص) فقال (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) وبين له وجوه صرفها بقوله (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغامرين وفي سبيل الله وابن السبيل، فريضة من الله، والله عليم حكيم) وقرنها بالصلاة في أكثر من موضع، اذكر منها قوله تعالى (قد أفلح المؤمنين، الذين هم في صلاتهم خاشعون، وللذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون).
وهنا يقفز إلى الذهن سؤال.. هو من الأهمية بمكان.. ترى.. أيقصد الإسلام باشتراكية الزكاة اشتراكية التسول كما يجري به العمل الآن ؟ كلا أيها السادة، أن كلمة الصدقة في عصر الرسول وفي لغة القرآن لم تكن تعني التسول، بل كانت تعني ضريبة مفروضة بأخذها ولي أمر المسلمين من القادرين لفائدة العاجزين كضرب من التوازن تقيمه الدولة لتقليل الفروق بين طبقتي المجتمع.. مما يقلل أسباب التحاسد والتباغض بينها، ويوفر أسباب العيش لها في الإسلام.. فإذا قال القرآن (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) كان معناه أن الولي ملزم بأخذ حق الفقراء من الأغنياء وصرفه في وجوهه الثمانية المتقدمة دون إبطاء.. لا أن يترك الأمر إلى الأغنياء يفعلون أو لا يفعلون..
ذلك أن كلمة (خذ) في الآية الكريمة فعل أمر، والأمر كالنهي في التشريع الإسلامي صورة من صور اللفظ الخاص، واللفظ الخاص إذا ورد في نص شرعي تناول مدلوله قطعا، وكان الحكم الثابت به قطعيا ما لم يدل على صرفه عنه.. ولهذا كانت آية الزكاة هذه ملزمة ولي أمر المسلمين، لان الخطاب موجه إلى النبي (ص) وإلى خلفائه من بعده، ملزمة له أن يقوم بجمع الزكاة وصرفها في وجوهها المنصوص عليها.. إنما الصدقات للفقراء والمساكين.. الآية، ومن أجل هذا قام أبو بكر رضي  الله عنه بعد وفاة وفاة النبي عليه السلام يطالب المسلمين بأدائها، معتبرا إضرابهم عنها خروجا على نظام الإسلام وارتدادا عنه، فكانت حروب الردة التي ثبت بها أبو بكر رسالة الإسلام وقواعد المجتمع فيه.
أن في هذا لأبلغ رد عل اولئكم الذين يسمون اشتراكية الإسلام بأنها اشتراكية التسول والصدقة في المفهوم الحديث.. وانهال بهذا المعنى الأخير هي كل ما استطاع الإسلام أن يقدمه لمجتمعه من عدالة ومساواته .. أن الإسلام الذي دعا إلى العمل ومجده وحض عليه لم تكن الصدقة بمعناها هذا في حسابه كوسيلة تنهض بها حياة الأفراد فالجماعات.. بل هي شيء يشهه أكل الميتة يباح عند الحاجة الملحة والضرورة القصوى.. ولكنها لا تعالج هبوط المستوى المعيشي للأمم والجماعات..هذه بديهية يعرفها كل من عرفوا محمد (ص) ودرسوا نفسية الإسلام. فلفقد وضع عليه السلام الصدقة في مكانها المواتي لها حين قال :
(أنها أوساخ الناس.. أنها غسالة ذنوب الناس) وحين قال أيضا فيها وفي تمجيد العمل : (لان يأخذ أحدكم حبله فيأتي محزمو من حطب على ظهره فيبيعها فكيف بها وجهه، خير له من لن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه) وقد فسروا حديث (اليد العليا خير من اليد السفلى) بان أعلى الأيدي هي المنفقة ثم المتعففة عن الأخذ، ثم الآخذة بغير سؤال، وأن أسفل الأيدي هي السائلة والمانعة.
لقد جاء رسول الله حفيده الحسن يمد يده نحو تمرة من تمر الصدقة ويدفعها في فمه، فانتزعها منه وهو يقول : كخ، كخ، أنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد.. أنها أوساخ الناس.. فهل كان آل محمد طبقة ارستقراطية خاصة تأبى الضعة والهوان لنفسها في الوقت الذي تتخذه للناس شرعة ومنهاجا ؟ معاذ الله.. إنما هو مثل رائع يضربه محمد بهذا المجتمع الصغير الذي هو أسرته، للمجتمع الكبير الذي هو أمته.
ولذلكم كان الإمام الشافعي رضي الله عنه يفضل الأكل من شبهة على الأكل من صدقة، ويقول عنها : (أنها تدع البطون عليلة، والنفوس ذليلة) فالدين الذي يحقر التسول ويمجد العمل، لا يمكن أن يعالج مشكلة الفروق الطبقية في المجتمع بالصدقات، بل باشتراكية الحقوق والواجبات التي بها يستطيع المجتمع أن يقاوم الإعصار، ويهزم العاصفة، ويبلغ الشاطئ السعيد.
منذ ذلك العهد البعيد، قبل أربعة عشر قرنا أو يزيد، بينما العالم يعيش في نظم كلها أثرة وأنانية وقسوة.. يعيش القوي على حساب الضعيف.. على حساب عرقه ودموعه وأعصابه، وحيث كان القادة والمسئولون يعيشون لأنفسهم لا للجمهور، وحيث كانت القوانين تفرض لا لتقيم عدلا أو ترفع ظلما.. بل لتزيد القوي قوة، والمستبد غطرسة، في الوقت التي تضيف إلى الضعيف ضعفا وإلى الفقر ذلة وعجزا
منذ ذلك العهد البائد-لا رد الله له غربة- طلع الإسلام على الناس بفكره التضامن الاجتماعي ممثلة في اشتراكية الزكاة، فكرة التضامن أو التكافل الاجتماعي التي لم تظهر في أوروبا إلا في أواخر القرن التاسع عشر، حيث بدأت عملها الضيق المحدود في نطاق الهيئات المحلية التي كانت تقوم بإعانة المحتاجين لقاء شروط قاسية، من أهمها تنازل المحتاج عن حقه في الانتخاب للجمعية التي تعينه أو للحكومة التي تمده.
أما الإسلام فقد جاء بفكرة التضامن الاجتماعي أو اشتراكية الزكاة دون شريطة، فأعلن أن الناس متكافلون في الحياة، وان على المجتمع حكومة وشعبا أن يرعى أفراده العاجزين، فهؤلاء حق في أموال الناس وأموال الدولة، وان ضمان حياتهم وكرامتهم من ألزم الواجبات التي يطالب بها الشعب والحكومة على السواء (يقول عليه الصلاة والسلام) : (أن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا وعروا إلا بما يصنع أغنياؤهم، إلا وان الله يحاسبهم حسابا شديدا، ويعذبهم عذابا أليما) (رواه ابن حزم موقوفا على علي، ورواه الطبراني مرفوعا).
فلفائدة تلكم الطوابير المتلاحقة من المتسولين، الذين يموجون في شتى مدن المغرب كالسيل الزاحف، والذين جعلوا عشرة أيام قضيتها بفاس، أشد وطأة على نفسي من عشر سنوات عشتها بعيدا عنها... اولئكم الذين يثيرون اهتمام عديم الاهتمام بملاحقتهم الناس هنا وهناك، يعرضون عليهم-وخاصة على الأجانب منهم- مأساتهم الإنسانية الكاملة التي تعبر في بلاغة مثيرة حقا عما فعله الاستعمار بهذا الوطن الحبيب، وعما نشره في ربوعه من ألوان الوحدة والتناغم والانسجام، متمثلة هذه جميعها في هذه الطبقة من مجتمعنا، هذه الطبقة التي تحالف عليها الفقر مع الجهل والمرض فتبرها تتبيرا.
لفائدة هؤلاء المعذبين، ولصالح ميزانيتنا المغربية التي بلغ عجزها هذا العام سبع مليارات من الفرنك لمصلحة التسيير فقط، أتوجه بطلب إلى (جلالة الملك) أن يصدر قانونا بمشروع ضريبة جديدة تسمى (ضريبة الزكاة) قيمتها اثنان ونصف في المائة تدفع سنويا دفعة واحدة، أو على أقساط، طبقا لنصوص الشريعة الإسلامية باعتبارنا دولة إسلامية، تشمل جميع الأغنياء دون استثناء، ويخصص مدخولها لعلاج مشكلة الفقر والتسول أولا وبالذات (إنما الصدقات للفقراء والمساكين الآية) هذه المشكلة التي يجب أن تدرس دراسة موضوعية إحصائية حصرية، وان توضع لها الحلول الدائمة المنتجة، لان هذه الحلول الارتجالية الوقتية التي تعالجها بها أغلبية جمعياتنا الخيرية، والتي تشبه في رأي الطب علاج مرض السرطان بحبات الأسبرين.
أن الفضيلة ستبقى في إجازة، والأخلاق في كاد، ما دامت كل هذه الفروق في المستويات موجودة بين شطري الأمة تسحق سلوكها وقيمتها سحقا، وما دمنا نعالجها بالحمدلة والحوقلة فقط لا غير، أن الشجاعة هنا هي العلاج وبدون شجاعة لا توجد معرفة، ولن توجد أيضا فضيلة.
أن العدالة الاجتماعية أبجدية زكتها الإسلام منذ أحسن بأنها هي الفضيلة، وهي العلاج، وهي ليست روسية الجنسية شيوعية الدم كما يشاع، كما أنها ليست الابن الشرعي للنظام الجمهوري كما يظن.. فانجلترا ليست شيوعية وليست أيضا جمهورية، وهي التي رفعت الضريبة التصاعدية إلى 94 في المائة، وأممت في سرعة البرق الملكيات الإنتاجية الكبرى لفائدة الأمة عموما والصالح العام.
لقد سجلت اللجنة المالية لمجلس النواب المصري في تقريرها عن مشروع الميزانية العامة لسنة 1950 ما يأتي بنصه : 
«أن تنمية الموارد الدخل القومي وكفالة العدالة الاقتصادية هي السبيل إلى الإصلاح الاجتماعي الذي يبرئ المجتمع المصري من إدارته، وان مصر تعاني من قلة الإنتاج وهبوط مستوى الدخل ما تعاني، وانه يجب العمل على رفع مستوى الغالبية العظمى من الشعب التي افتقرت ولا تزال تفتقر.. إلى مطالب العيش الأساسية لكي تحول دون انتشار النزعات المتطرفة، إذ ليس ثمة شك في أن انحطاط مستوى
المعيشة وقسوة الفقر والمرض والجهل تربة لتفشي هذه النزاعات، وان السبيل على مكافحتها هو رفع مستوى المعيشة لكافة أبناء البلاد. فليست قوانين البلاد كفيلة بعلاج الداء، بل أن العلاج الشافي هو استئصال الداء من منبته بالقضاء على أسبابه.. وقد اتجه التفكير إلى تحديد الملكيات الكبيرة كوسيلة من وسائل تحقيق العدالة الاجتماعية، غير أن تجارب مختلف الأمم في هذا الشأن قد دلت على أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق عن هذا الطريق وحده.. إذ في متناول الدولة تحديد دخل كل طبقة من طبقات الأمة عن طريق فرض الضرائب بأنواعها، وعلى الخصوص الضريبة التصاعدية على الإيراد العام»أ.هـ.
وما اشتراكية الزكاة.. وما نقترحه من إنشاء ضريبة لها إلا تأكيد لهذه المعاني، جاء به الإسلام من مئات الأعوام.
ويدفعني الكلام على اشتراكية الزكاة إلى الكلام على زكاة الفطر بصفة خاصة والحكمة في كونها تجب حتى على الفقير فضلا عن الغني. فقد روى الإمام احمد وأبو داود عن عبد الله بن ثعلبة عن أبيه أن رسول الله (ص) قال (زكاة الفطر صاع من بر أو شعير أو تمر أو أقط أو زبيب، على كل امرئ صغير أو كبير، حر أو عبد ذكر أو أنثى، غني أو فقير.. أما غنيكم فيزكيه الله بها، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى).
يا الله.. ما لهذا الإسلام ؟ يفرض زكاة الفطر حتى على الفقير.. أيريده أن يزيده على فقره فقرا، على ضعفه ضعفا، كما كانت تفعل تلك القوانين الجائرة التي قلنا أن الإسلام نفسه جاء لمحوها.. معاذ الله أن يكون ذلك كذلك.
أن الإسلام قصد من فرض هذه الزكاة الهينة القيمة (صاع من شعير... أو نحوه) حتى على العبد والأنثى والفقير ليعلمنا كيف نكون-ولو مرة كل عام- مثاليين في اشتراكيتنا، ليعلمنا مبدأ أسمى، ليعلمنا «الإيثار» أو ما يسمى في الاصطلاح العام بالفداء..
لقد قصت نساء أثينا شعورهم ليصنع منها الجند المحاربة حبالا في حرب اسبرطة.. فذهب هذا الحدث أنشودة في فم الزمان.. يرددها تمجيدا للفدائية والإيثار.
وقدمت نساء باريز في حرب السبعين بعض حليهن مساهمة منهن في الغرامة التي فرضها الألمان على سكان العاصمة ثمنا لفك الحصار.. فضرب التاريخ بهذا مثلا رائعا في الفدائية والإيثار.
أما المسلمون فقد كان منهم ما هو اجل وأسمى... يروي البخاري ومسلم أن رسول الله (ص) وقف مرة بحث على البذل.. فلم تبق امرأة تتحلى بشيء من الحلي إلا رمته بين يدي الرسول لينفقه في وجوه الخير..
ولما هاجر الرسول من مكة إلى المدينة تطوع علي للمبيت في مكانه.. فداء له.. ولما وصل المدينة سارع الأنصار إلى مؤاخاة المهاجرين، فكان أنصاري أخ مهاجر.. يأتي به إلى بيته فيشاطره كل ما فيه.. يشاطره ماله وثيابه وطعامه ودوابه، وينزله منزلة نفسه، لا يضن عليه بمساعدة، ولا يبخل علية بنصح أو معونة، حتى نسي المهاجرون غربة الوطن وفقد الأهل وفوات الثروة.. مما جعل القرآن الكريم يسجل هذه الظاهرة المثلى من الفدائية والإيثار.. كي تبقى مع الزمن ملهمة الناس الإنسانية الصاعدة حقان فيقول (والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم، يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون»
***
ذلكم الإسلام، وتلكم أركانه الخمسة التي بني عليها، تهدف فيما تهدف إليه، أولا وبالذات، إلى تكوين الخلايا الحية المنتجة الصالحة في المجتمع... وسبيلها الأولى إلى هذا تنمية الحاسة الاجتماعية في الأفراد، موجهة اهتمامهم وعنايتهم دوما إلى أن الإنسان مدني بطبعه كما يقول أفلاطون، وإلى انه بأنانيته وانعزاليته لن يساهم في تأسيس مجتمع أو بناء امة بقدر ما يسهم في تعويقها.
بقي سؤال، لا شك انه يقفز الآن حائرا.. ترى : ما علاقة هذا بالأخلاق ؟ وماذا كانت هذه أخلاق الإسلام.. فهل تريد لنا نحن المغاربة أن نبدأ الانطلاق إلى المستقبل من أخلاق كلاسيكية مضت عليها مآت السنين ؟ وإذا كان ذلك حقا فأين التطور ؟. أين دعاء عمر بن عبد العزيز الخالد :

«يا الهي انفعني بعقلي.. واجعل ما أنا صائر إليه، أحب إلي مما أنا مدبر عنه ؟»
الحقيقة أن إنسان هذا العصر إنسان جديد.. وانه غذ يأبى يكون امتدادا أفقيا لسلفيه، يريد أن يكون امتدادا عموديا صاعدا، وان غايته من الحياة ليست فقط أن يفلسفها، بل أن يحياها.
وأنا زعيم أن هذا هو ما دعا إليه الدين الإسلامي، وجعل ضمانته الكبرى هذه الأخلاق.
فعند ما أراد الإسلام-شأن الأديان جميعا- أن يأخذ بيد الإنسانية نحو مستقبل أفضل، لم يكن يقصد وضع جميع التفاصيل والوسائل، لأنه اعلم من غيره باستحالة هذا وعدم جدواه، بل من اجل ذلك قام بتفجير القيم العليا في شئون الحكم والاجتماع والتشريع والاقتصادي، ودعا إلى احترام هذه القيم وملاحظتها عند استنباط وسائل بلوغها.
ففي الحكم.. رسم الصورة الفاصلة له مؤثرا نظام حكم الجماعة (وأمرهم شورى بينهم) وترك للناس مهمة استنباط التفاصيل وابتكارها، كل امة حسب ظروفها، وكل جيل حسب العصر الذي يعيش فيه.
وفي التشريع نهج نهجا مشابها، فجعله سياجا للحق والعدل والمساواة، ورفض كل قانون ينهض على أنقاضهما، وحتى لا يعوق الإسلام الناس عن التطور أعطاهم استحداث القوانين في حدود قيمه وأهدافه (لا ضرر ولا ضرر) (دع ما يريبك إلى ما لا يربك) وهذا من الدين موقف جليل يهوي بأفئدة الناس إليه، إذ لا يشعرون معه بتأزم أمورهم، ولا توقف نموهم، ولا ضياع مصالحهم.
وشبيه بمسلك الإسلام هذا حيال الحكم والتشريع، مسلكه بالنسبة للأخلاق، فهو يحض على اتخاذها نقطة الانطلاق إلى المستقبل، إلى الفضيلة، إلى السعادة، فيؤكد للناس أن الخير هو وصية الله الخالدة وان الشر طريق الهالكين.. ويلوح لهم بقيم سامية كمثال، فإذا هم مسوقون بإنسانيتهم نحوها، عاملين على بلوغها، بيد انه لا يمنع الناس من مشاركته في اصطناع الوسائل المؤدية إلى هذه القيم، ولا يزجر العلم عن إلقاء كلمته الأخيرة في الأخلاق.
فما هي نظرية العلم في الأخلاق ؟ يقول العلم : لكل سلوك إنساني باعث ودافع، أي رغبة توجهنا نحو غاية.. وان بواعثنا مزدوجة : فهناك الباعث الابتدائي، وهناك الباعث الغائي.
فأنت عندما تسلك سلوكا ما، أو تسير في عمل من الأعمال، تحتاج لقوة تدفعك وغرض يناديك، أن هذه القوة الدافعة الحافزة تمثل الباعث الابتدائي، أما الغرض الذي يناديك وتسعى إليه فيمثل الدافع الغائي.
وأخلاقنا لنما توصف طبقا للدافع الثاني أي الغائي، فإذا كان شريفا فاضلا، كانت هي أيضا كذلك، وإذا كان سيئا رديئان كانت هي الأخرى سيئة رديئة
والمحاولة الأخلاقية المثلى تبدأ بتعلية الباعث ودعم سلطانه، لان الأخلاق في واقعها الحق ليست إلا بلورة الباعث وتجسيمه... ولهذا فالذي يوسف بالحسن أو القبح حقا هو بواعثنا لا أعمالنا.. فقتل الغير مثلا بينما نراه جريمة في حالة، نجده فضيلة في أخرى، تبعا لدوافعه.
فهو جريمة إذا كان الدافع إليه، أو إليه، أو الباعث عليه، الاعتداء.
وهو فضيلة إذا كان الدافع إليه، الباعث عليه، الدفاع عن الوطن.
والباعث الابتدائي الأولى تلقائي، لأنه ينبعث من غرائزنا وقوانا الفطرية. أما الباعث الغائي فكسبي، لأننا نختاره كنوع للغاية وللغرض اللذين ينبهان غرائزنا وقوانا.
ويضرب لنا (هاد فيلد) مثلا.. رجلا سياسيا يخدم وطنه وبلاده، أن الدافع الأولى الذي ينبثق من غرائزه ويمنحه القوة والمغامرة قد يكون أهمية الذات وحب التفوق والظهور، بيد أن أهمية الذات وحب الظهور يمكن أن يعبر عنهما تعبيرا رديئا كالزهو والكبرياء والعدوان.
فإذا عبر عنهما السياسي النظيف بخدمة بلاده ووطنه، كان ذلك الدافع الغائي جليلا، وكان السلوك عظيما.
وإذن فالدافع الغائي هو الذي يعطي سلوكنا صفة الجمال أو القبح، وهو يواتينا بقدر ما نمنحه من رعاية واهتمام وانتباه.
وهنا يلتقي الإسلام بالعلم على صعيد واحد.
وتلتقي فكرة الإسلام عن الأخلاق الصالحة، بفكرة الديمقراطية الحديثة عن المواطن الصالح.
أما قبل :
فإلى أية أخلاق ندعو في فجر انبعاثنا الجديد.. على أخلاق القوة التي كان يفرضها علينا الاستعمار من فوق، والتي عطلت إرادتنا، فتعطلت بالتالي مسؤوليتنا عنها، والتي كانت حجة لنا على الاستعمار، قبل أن تكون حجة علينا، أن أخلاق القوة المطلقة تعتمد على الالتزام الناجز، ومن ثم لا تعين على الفضيلة، لان نصيبنا من الفضيلة مساو لنصيبنا من الشعور بقوة إرادتنا.. يقول العلامة جوبو : غننا حين نقوم بواجب خلقي لا نفعل أكثر من الكشف عن حدود إرادتنا وقوتنا)
إذن فكل تعويق للإدارة إساءة للفضيلة ذاتها، وتتبير لها أي تتبير. وإذن فلم يبق أمامنا إلا المناداة بأخلاق الواجب كباعث وقيمة معا، الواجب الذي يردد مع توماس بين لآيته الخالدة (حين يطرق الرقي باب امة من الأمم يسأل : أهنا فكر حر، فإذا وجده دخل.. والأمضى.. في شعب يقدر تمام التقدير انه إذا أساء فهم الحرية، ومارسها ممارسة طاغية فقد وقع وثيقة عبوديته، وأتاح للفوضى أن تضعه تحت وصايتها من جديد..
وأما بعد.. فإن فجرا جديدا قد اخذ يرن في إذن مجتمعنا رنين الحب، ويجلجل في صدره جلجلة الوحي، ويشيع في وجدانه كنوز الله.
فلنفتح له منافذ إلى العقول والقلوب، لتحقق أملنا في أن يكون فجرا صادقا ، لا ذلك الفجر الكاذب الذي تعقبه الكآبة والظلام. ولتردد مع شاعر الهند الكبير طاغور آيته الخالدة :
حيث العقل لا يخاف، والهام مرفوعة عالية،
حيث المعرفة طليقة، والعالم لم تمزقه جدران التعصب
حيث تخرج الكلمات من أعماق الحقيقة.
حيث لا يفقد العقل مجراه في صحراء التقاليد الميتة.
حيث العقل في تقدم دائم نحو ساحات أفسح من الفكر والعمل.
تحت هذه السماء من الحرية (رباه) دع وطني يصحو.


أهم المصادر :
القرآن الكريم. الحديث الشريف. أصول التشريع الإسلامي للأستاذ علي حسب الله. علم النفس والأخلاق : تأليف هـ. أ. هاد فيلد ترجمة الأستاذ محمد أبو العزم، الديمقراطية والتربية تأليف : جون ديوي ترجمة الدكتور متى عفراوي وزكريا ميخائيل.(من هنا نبدأ. هذا أو الطوفان) للأستاذ خالد محمد خالد. أخلاقنا الاجتماعية للدكتور مصطفى السباعي.

                                                                                

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here