islamaumaroc

القانون بين المذهب الفردي والمذهب الجماعي

  دعوة الحق

76 العدد

الناس يسعون إلى تحقيق مصالحهم وهم في سعيهم يتصارعون ويتخاصمون لان كل واحد يريد إن يستأثر بالخيرات دون الآخرين، وعلى هذا الأساس كان من اللازم وجود القانون، إذا، فهو ظاهرة اجتماعية وضرورية لازمة لكل مجتمع بشري يرعى حقوق الناس ويحافظ على حرياتهم ويوازن بين مصالحهم. ولكن ما هو نطاق القانون؟ ما هو المدى الذي يجوز فيه للقانون أن يتدخل؟ أيجب عليه أن يقف الحياد من علاقات الناس فلا يتدخل إلا عند الضرورة أم انه يجوز له أن يتدخل كثيرا في علاقات الناس؟ الواقع أن نطاق القانون أو مدى ما يجوز للدولة أن تتدخل فيه يختلف باختلاف البيئات والأزمان وذلك تبعا لاختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وعليه فلا نستطيع أن نعطي تحليلا واضحا عن مدى سيطرة القانون. إذ هذا يختلف كثيرا باختلاف الشعوب. ولكن يمكن حصر مدى تدخل الدولة، أو مدى تدخل القانون، في مذهبين، أو ازعتين، هما النزعة الفردية والنزعة الجماعية، الأولى لا تبيح أن تدخل الدولة إلا عند الضرورة. والثانية ترى وجوب تدخل الدولة كثيرا، بل تذهب في بعض الظروف إلى حد أن تصبح الدولة هي كل شيء وبالأخص يوجد هذا في البلاد التي تمذهبت بالمذهب الاشتراكي وعلى هذا الأساس فسنتحدث عن الزعتين الفردية والجماعية مبادئ كل منهما، محاسن وعيوب النظريتين، النظرية التوفيقية، النظرية الإسلامية.

المذهب الفردي والمذهب الاجتماعي:
يرى المذهب الفردي أن الجريمة الفردية هي الهدف، وان الفرد هو قلب المجتمع النابض وان هدف كل جماعة بشرية هو حماية حقوق الفرد وان مصلحة الفرد فوق مصلحة المجموع وانه يمكن التضحية بمصلحة الجماعة في سبيل المصلحة الفردية، وان هذه الحقوق الضيقة بالإنسان لا يمكن التنازل عنها ولا سقوطها بالتقادم. وهذه الحقوق وجدت قبل وجود الجماعة، والجماعة لم تقم إلا لرعايتها، وحمايتها، إذ هي سابقة على وجودها. وهذه النظرية عرفت بالنظرية الفردية أو الذاتية، وقد وجدت أولا في انجلترا حيث دافع عنها أولا «جون لوك» وذلك عندما شرح نظريته في «العقد الاجتماعي» وآمن بان الناس كانوا يعيشون منعزلين قبل قيام الجماعة ولم تكن حياتهم فوضى وإنما كانوا يعيشون في امن وسلام، ولكن حياتهم في بعض الظروف، كان يعتو رها الغموض، وينقصها عدم وجود القاضي المنصف، ولذا قرروا الخروج من حياة العزلة إلى الحياة الاجتماعية ولكن الذي أصبح يلي شؤون الجماعة لا بد من أن يرعى حقوق الأفراد لأنها سابقة على وجوده. وقد انتقلت النظرية الفردية من انجلترا إلى فرنسا فبررت عند «مونتكيو» في كتابه «روح القوانين» 1748 و «جان جاك روسو» في كتابه «العقد الاجتماعي» وأثرت هذه النزعة على الوثائق الدستورية التي صدرت في أمريكا الشمالية وذلك بمناسبة استقلال المستعمرات الثلاث عشرة 1776 وقد تضمنت ديباجة، جاء فيها: «أن الناس خلقوا سواسية، متمتعين بحقوق خالدة، لا تنتزع، ولقد نشأت الحكومات لصون هذه الحريات».
والرجال الذين قاموا بالثورة الفرنسية كان لهم الفضل في وضع أفكار فلاسفة المذهب الفردي موضع التطبيق. فالوثيقة التي أقرتها الجمعية الوطنية1789  واعتبرت جزءا من الدستور الصادر 1791 جاء فيها: «أن هدف كل جماعة سياسية هو صيانة حقوق الإنسان الطبيعية الخالدة وان صيانة حقوق الإنسان والموطن تقتضي قيام سلطة عامة ولذا فان هذه السلطة تقوم لصالح الجميع لا لصالح من يعهد إليهم بها»، والحرية هي فعل كل ما لا يضر بالغير وليست هناك قيود تنال حرية الإفراد إلا تلك التي تكفل لباقي الأعضاء في الجماعة التمتع بنفس الحقوق، فالحيرة هي الأساس والتقليد ما هو إلا استثناء، ولذا كان القانون هو علم الحرية، هدفه صيانتها، ولم يبح المذهب للدولة بان تتدخل إلا للتمثيل الخارجي والأمن الداخلي، وصيانة العدالة وقد شبه بعضهم الدولة بشرطي المرور الذي ينظم السير فهو يوقف البعض ليمر البعض الأخر ولكن عليه أن يحافظ على حقوق المارين جميعا.
ولكن النزعة الفردية ليست حديثة عهد بالوجود بل هي قديمة. فهي قديمة، فهي تعود إلى أيام الرومان حيث أن القانون عندهم كان فردي النزعة ولكن الذي يميز القرن الثامن عشر والتاسع عشر هو الإغراق في الفردية حتى أتت وثيقة استقلال المستعمرات الانجليزية ودستور الثروة الفرنسية معبرة عن هذه النزعة وذلك بتسويد الحق على القانون واعتبار الحق سابقا في وجوده على القانون بل أن هدف القانون هو حماية الحقوق ورعايتها.
وعلى كل فان النزعة الفردية تجلت في الميدان السياسي والقانوني والاقتصادي، ففي الميدان السياسي، ساد مبدأ حرية الإنسان وتقديمه والإيمان بان استقلاله هو الهدف، وانه مطلق الحرية في تقرير مصيره بنفسه، وساد الاعتقاد بان القانون هو علم الحيرة، وإنها هي الهدف الذي ينبغي أن يقصده كل نظام قانوني عادل. وفي الميدان القانوني تجلى في ازدهار مبدأ سلطان الإرادة وحريتها، وان رضا المتعاقدين شريعتهما وانه لا يمكن لأي من المتعاقدين إن يقرر بإرادته المنفردة إنهاء العقد مهما كانت الظروف التي تبعث هذا الإنهاء، لأنه يكفي أن تكون إرادته اتجهت إلى أحداث اثر قانوني وهي تامة التنور، وأمام مبدأ سلطان الإرادة تضاءلت إرادة المشرع وأصبحت إرادة الفرد تعلو على إرادة الدولة بل أن النظم القانونية أصبح أساسها عند أنصار ذا المذهب الإرادة، والإرادة الفردية وحدها، فالملكية عندهم هي المظهر المادي لمبدأ سلطان الإرادة والميراث ما هو إلا وصية مفترضة، والمجرم الذي ينفذ فيه حكم الإعدام ارتضى هذا الحكم عن طواعية، لأنه قبل هذا القانون سلفا لان القوانين كلها وليدة إرادة الشعب. وفي الميدان الاقتصادي اعتقدت أن الحرية الشخصية هي الهدف وان المناسبة هي الأساس وان الفرد لا يمكن له أن يعمل إلا بوازع ينبعث من أعماقه وان غريزة حب التملك غريزة أصيلة في الإنسان وانه لا ضرر من المنافسة على الصالح العام إذ أن مجموع المصالح الفردية يكون الصالح العام. هذه هي فلسفة المذهب الفردي حرية سياسية وتسويد للحق على القانون ومنافسة فيس الاقتصاد.

تقديــر النزعــة الفرديــة:
أدى المذهب الفردي إلى الاعتراف للإنسان بكرامته كانسان والإيمان بأنه مستقل عن غيره من الكائنات البشرية وبان له حقوقا يجب صيانتها وكان له اكبر الأثر في تحرير الفرد من استبداد الحكام والاعتراف بمساواة الناس وهذا معناه القضاء على النظام الطبيعي الذي كان يشكل تهديدا خطيرا لحريات الأفراد ولكنه لا يخلو من عيوب سنتولى عرضها:
1) إن المذهب الفردي قام على أساس نظرية العقد الاجتماعي وهي نظرية خيالية إذ الإنسان لم يعش قط منفردا وإنما عاش في الجماعة وبالجماعة ولم يثبت لنا التاريخ أن الإنسان كان يعيش منفردا ثم قرر أن يجتمع بغيره فبكون المجتمع، والنتيجة لهذا فانه لا يمكن تصور أن هناك حقوقا يكسبها الفرد وهي سابقة على وجود الجماعة، والجماعة لم توجد إلا لحمايتها ورعايتها إذ الحقوق كلها اجتماعية ولا يمكن أن تنسب إلا الإنسان يعيش في الجماعة إذ عندما نتصور حقا فلا بد من وجود صاحب للحق وآخر أو آخرين ملتزمين باحترامه. وإذا كانت الحقوق كملها لا توجد إلا في جماعة وانه ليس هناك حق إذا لم تعترف به الجماعة كان معنى هذا أن الحق ليس سابقا في وجوده القانوني بل أن القانون هو السابق في وجوده على الحق بدليل أن كل حق لا بد من أن يحميه القانون
2) إن المذهب الفردي يؤدي إلى سيادة الأنانية ويعلم الإنسان أن يطالب ويتمتع بحقوقه دون أن يتحمل واجبات، وإعلان حقوق الإنسان هو نفسه تحدث عن الحقوق واغفل الواجبات.
3) أدى المذهب إلى تكيس الثروات وتجمعها في أيد قلة قليلة من البشر ونزول الفئة الوسطى من المنتخبين إلى طبقة العمال وقامت الشركات الكبرى التي احتكرت الإنتاج وتدخلت كثيرا في السياسة لحساب الرأسمالية وكثر العمال وتضخم عددهم وتجمعوا في المصانع وساءت حالهم لتفاهة الأجور التي كانوا يتقاضونها والبطالة التي كانت تسيطر عليهم خصوصا في ظروف الأزمات الدورية وازدادت حالتهم سواء نتيجة إهمال المشرع لهم وإيمانه بمبدأ سلطان الإرادة وشعور العمال بالظلم أدى بهم إلى أن يتجمعوا ويكونوا طبقة خاصة بهم هدفها حماية صالح الأمة كلها لا حفنة كما يريد ذلك المذهب الفردي وان المذهب الفردي يجب أن يزول.
4) آمن المذهب بان مجموع المصالح الفردية يكون الصالح العام وهذا خطا إذ الناس يجرون وراء مصالحهم ولا يهمهم صالح الجماعة بل قد يحققون مصالحهم على حساب مصلحة الجماعة والثابت علميا في المذهب الفردي أن مجموع المصالح الفردية لا يكون الصالح العام إذ أن مجموع المصالح الفردية يستحيل في النهاية إلى تحقيق مصالح قليلة من الأفراد والسبب في ذلك هو انه يعتقد أن الإفراد متساوون في المراكز القانونية وبدا يخطئ خطا فادحا إذ ينسى الفوارق الاقتصادية والاجتماعية والطبيعية التي توجد بين الأفراد. والخطأ الذي وقع فيه هذا المذهب في الناحية الاقتصادية هو نفس الخطأ الذي وقع في الناحية القانونية ذلك أن مبدأ سلطان الإرادة وحريتها يقضي بالمساواة المطلقة فيما بين المتعاقدين في حين أن هناك فوارق كثيرة يجب اعتبارها بل الأدهى من ذلك أن المذهب يغالي غلوا مقبول عندما يقول أن الإرث مبني على وصية مفترضة فالصبي لا يستطيع إن يترك وصية صريحة فأحرى وصية مفترضة. أو أن المجرم ارتضى توقيع العقوبة عليه في حين أن رأي مجرد يقول خذوني. وهكذا فان مساوئ المذهب الفردي كانت تحمل بين طياتها قيام مذهب جديد هو المذهب الاجتماعي الذي يعتبر رد فعل عنيف المذهب الفردي.

المذهــب الاجتماعــي:
أن الفرد ليس هو الهدف وان الهدف هو الجماعة وان مصلحة المجموع يجب أن تقدم على مصالح الأفراد وان مراعاة مصلحة المجموعة ليس فيها ضرر على الأفراد إذ أن الصالح العام يوزع على الأفراد. وهذا المذهب أصبح يبصر بالفوارق الكثيرة الموجودة بين الأفراد وان حرية المتعاقدين وسلطان الرادة ليس كفيلا بتحقيق العدالة بين الإفراد، واخذ بمبدأ تدخل الدولة لحماية الظرف الضعيف في العقاد وبالأخص عقود الإذعان وولدت نظرية التعسف في استعمال الحق ونظرية الظروف الطارئة وتدخلت الدولة في عقود العمل وأقامت نظرية الغبن وغالت بعض المذاهب الاجتماعية إلى حد القضاء على الملكية الفردية بصفة مبدئية ونقلها إلى الدولة فتصبح الدولة هي المنتجة الوحيدة وهي رب المصنع وصاحب المتجر تستخدم الأفراد حسب حاجياتهم فهم يعملون في مصانعها بعد أن قضوا طفولتهم في دورها ومدارسها ونالوا التربية والتوجيه الذي تريده وعلى هذا فهم يولدون ويحيون ويموتون ولا يعرفون خلال كل هذه المراحل غير وجود الدولة، وظهر هذا الغلو في ألمانيا الهتليرية وايطاليا في عهد موسوليني وروسيا السوفياتية، ولكن الملاحظ حتى في الدول الأخذة بالمذهب الفردي هي نفسها أصبحت تنظر بعين الاعتبار إلى الفوارق الموجودة فيما بين أفراد الجماعة وانه من اللازم حماية الإنسان من استغلال أخيه لفه. بل حمايته حتى من نفسه والملاحظ أن النزعة الجماعية ليست حديثة عهد بالوجود بل هي قديمة جدا فهناك كثير من القبائل لم تكن تعترف بأي حق لإفرادها وإنما كانت ترى أن الفرد يجب أن يغنى في الجماعة.

النظـريـة المعتـدلـة:
والواقع انه إذا كانت النزعة الفردية قد غالت في الاعتداد بالفرد وتقديسه واعتباره غاية كل جماعة وهدفها الأسمى فان المذهب الاجتماعي قد غال في تقديس الجماعة والاستهانة بالفرد فإذا النزعة الفردية لا تبصر الجماعة ولا تحترمها وإنما تبصر الفرد فتقدسه وهذا غلو فان النزعة الجماعية تدوس كرامة الفرد ولا تعترف له بحريته ولا تحفظ له استغلاله من غيره من الكائنات البشرية ولا ترعى فيه غرائزه الفردية، وعليه فان المذهب الفردي لا يرى في الإنسان إلا انه كائن فردي والمذهب الاجتماعي لا يرى في الإنسان إلا انه كائن اجتماعي.

والحقيقة إننا لا نستطيع أن نأخذ بالنزعة الفردية التي لا ترى في الإنسان إلا انه كائن فردي وتملى البؤس لأكثر الناس ولا تراعي الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية فيما بين الناس ولا النزعة الجماعية التي لا ترى في الإنسان إلا انه كائن اجتماعي والتي تهدر فيه كرامته ولا تحترم فيه شخصيته ولا غرائزه التي تدفعه إلى الابتكار ثم هي نظرية خطيرة إذ أنها تقوم على أساس الصالح العام ولكن لا تبين لنا من سيحدد المصلحة العامة وباسم من سيضحي الأفراد بمصالحهم الخاصة أن لم يكن باسم الحاكمين وما هو المعيار الذي سيتخذ لتحديد نطاق الصالح العام والأغلب أن يكون هذا المعيار سياسيا.
وعلى هذا الأساس فلا بد من ازدواجية النزعتين في الحياة الإنسانية النزعة الفردية والجماعية، فالإنسان كائن فردي وهو في نفس الوقت كائن اجتماعي فمن اللازم أن تحفظ له كرامته، ويعترف له بحقوقه ولكن في الوقت نفسه يجب الاهتمام بصالح الجماعة واعتبار الفوارق الموجودة بين الناس.
ويلاحظ في الأخير أن الإسلام اقرب إلى النزعة الاشتراكية منه إلى الفردية فهو لم يهمل الجانب الفردي في الإنسان ولا الجانب الاجتماعي فيه وان كان إلى هذا الأخير اقرب فالحق لا يمكنه الفرد إلا إذا خولته الجماعة إياه وهو لا يملك التصرف المطلق فيما تخوله الجماعة إياه إذ أن تصرفه مقيد بالصالح العام للجماعة فلا يمكن أن يتصرف تصرفا يضر بالصالح العام ويحمي القانون هذا التصرف.
وسنتولى عرض موقف الإسلام من النزعتين الفردية والجماعية بإسهاب في مقال خاص.

 

قيــل .. وقــالـــوا...
قال الرازي:
لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رايتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، ورأيت اقرب الطرق طريق القرآن. اقرأ في الآيات: «الرحمن على العرش استوي» و «إليه يصعد الكلم الطيب» واقرأ في النفي «ليس كمثله شيء» و «لا يحيطون بعلمه إلا بما شاء»... إلى أن قال: ومن جرب مثل تجربتي عـرف مثـل تجربتــي.

نهــاية أقـــدام العقــول عقـــال
                 وغايــة سعــى العالميــن ضـــلال
ولـم نستفــد مـن بحثنـا طول عمونـا
                 سـوى أن جمعــنا فيـته:قيل وقالــوا!..

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here