islamaumaroc

صيانة الوثائق وأهميتها في التاريخ -2-

  دعوة الحق

76 العدد

لقد كان بودي أن أتابع البحث الذي نشر جزء منه بالعدد التاسع من مجلة دعوة الحق (الحلقة الثالثة) لإعطاء بيان كاف بقصد تنوير الفكر العام المغربي على ضوء ما شاهدته عن الوثائق وصيانتها والاعتناء بالمحافظة عليها في فرنسا رغم أن المطابع غزتها وجردت منها الشيء الكثير وتركتها كما يترك الخريف الأشجار مجردة من الأوراق، فإنها ما زالت تكتسي صبغتها التاريخية العريقة وتحتفظ بطابعها الأثري، فضلا عما يوليها ذوو الفكر من عناية.

وفي هذا الفصل ارتأيت أن أطوي المراحل التي مر منها التاريخ العام للوثائق تاركا ذلك إلى فرصة أخرى، وأن أتطرق رأسا إلى حديث الوثائق بالمغرب، ولكم يطيب لي أن أنال رضى من يهمهم هذا البحث ويقدرون أهمية الدور التاريخي الذي تؤيده الوثائق، وبحثي هذا ليس إلا مساهمة من جانبي للحرص على هذا الكنز الذي نضمن بواسطته الاحتفاظ على معالم التاريخ المغربي العريق، ومتى حققنا هذه الأمنية واقتدينا بالأمم التي صانت تراثها فإننا سنحتل بذلك مكانا مرموقا بين صفوفها، خصوصا وأن وثائقنا لها أهمية عظمى من الناحية التاريخية، إذ يعلق عليها المؤرخون أملا كبيرا، ومتى استطاعت يد العناية أن تمتد إليها لإنقاذها من هذا الإهمال المزري فإن وجه التاريخ المغربي سيغير رأسا على عقب، وبدون هذه الوثائق لا يمكن لأي باحث بالطبع أن يلم بالحقائق التاريخية مهما كانت درايته، ومهما كان عمق معرفته في التاريخ والرجوع إلى تلك المصادر التي وضعها الأجانب بإيحاء من نزعتهم الاستعمارية قد لا تفيد الباحث في شيء وإنما تسود الصفحة الناصعة البياض للتاريخ المغربي، ومع شديد الأسف فإن تاريخنا في العالم الحاضر لا تشكله إلا هذه المصادر الأجنبية ذات اللون الاستعماري.
وقد يسأل سائل: ما سر الإهمال الذي وصفت به وثائقنا وما سببه؟
الجواب: هو أن الاهتمام بالوثائق يكاد يكون شيئا غير ذي وزن بالنسبة للطبقات المفكرة لدينا بل هو لديها نوع من الأنواع التي لا توليها أدنى شيء من الاهتمام، وهذه الروح ناتجة عن تلك البذور التي غرسها الاستعمار في كل قطر كان يحتله حينما يبذل أقصى الجهود في تحطيم كل الوثائق قصد طمس الملامح، لاعتقاده أنه يقطع الصلة للأمة بتراثها، لأن الوثائق هي المصدر الوحيد الذي تستمد منه الأمم عزتها وكرامتها، وكان الاستعمار يحاول كعادته أن يعلل ذلك بأنه يحرص على أن لا يحشر أنفه في المقدسات الدينية وتراث الأجداد.
والجدير بالقول أننا الآن قد أخذنا نشق الطريق الذي يؤدي بنا إلى التفكير في الاعتناء بالوثائق وجمع شتاتها، وهنا أوجه سؤالي إلى وزارة التربية الوطنية التي هي من اختصاصاتها هذا العمل! فلماذا [لم] تفكر حتى الآن في إنشاء مشروع يحفظ هذا التراث من الضياع ويسعى في تنظيمه من الناحية الإدارية والفنية معا؟ فهل تعتبر نفسها هي المسؤولة أو تنتظر من غيرها أن يقوم بهذه المهمة؟
وإنه لا يليق ببقاء هذه الذخائر تحت يد من لا يقدر لها أهمية (فيصونها ويحجبها عن العيون) بينما هي تعد منبعا من منابع العلم والعرفان، وفي إبرازها تتمخض منها حركة فكرية في جميع الأوساط الثقافية والأدبية، وعلينا بالمبادرة إليها لأن كل كاتب وباحث يتوقف على هذه الوثائق، والطلبة يبحثون عنها بكل لهفة، لكنهم تعوقهم عراقيل للوصول إليها وتذهب مساعيهم أدراج الرياح، حتى أن الاضطرار يفرض عليهم أن يرجعوا إلى المصادر الأجنبية فيجدون الحلقة المفقودة من تاريخ المغرب والتي تتنافى مع الواقع ويستندون عليها ثم يبلغوها من جديد بأقلامهم وتصبح مصدرا موثوقا به عند الغربي ويذيعونه بصورة أبشع على لسان أهل الدار الذين هم أعرف بأحوالها من غيرهم. ويكرر كل باحث عربي سؤاله: إلى متى سيقع الشروع في جمع الوثائق المغربية وتنظيمها كما هو الشأن في جميع أنحاء العالم؟ أيليق بنا أن نتركها نسيا منسيا!! بينما غيرنا قد صانها منذ عصور غابرة وما زال يحتفظ بها إلى حد الآن؟ وفي ضمن هؤلاء الدول العربية الشقيقة، فإنها تحتفظ بدورها الشيء الكثير بالرغم من النكبات التي وقعت لها عند ما غزا هولاكو التتاري الشرق الأوسط... والمغرب أيضا قد حافظ بدوره في الماضي على تراثه بعد انهيار الفردوس المفقود، لكون الحروب المتوالية بعد هذه النكبة التي شنها البرتغال والاسبان وغيرهما على الوطن من العصر الوطاسي حالت بينه وبين هذا النظام، ولولا هذه النكبات لكان تراثنا العربي والإسلامي يفوق كل دولة غربية في العالم.

والتاريخ يدلي ببيان في جميع مراحل العصور بأن الأمم التي تقدمت بحضارة كانت تعتني بالمحافظة على إنتاجها الأدبي والسياسي والاقتصادي، فتتركه لغيرها تستفيد منه، والأجيال المقبلة تستطيع أن تتحكم فيه ثم تقطف منه ثمرات لتخرج من بذوره إنتاجا خالصا من كل فن وعلم.
ونحن أبناء المغرب كلنا نعلم أن لمغربنا تاريخا حافلا بحضارة عريقة ومجد تلونه البطولة والجاه، والمؤرخون في مسيس الحاجة لحدوث حلقة ربط اتصال بين الماضي العتيق والحاضر الزاهر في عصر جلالة الملك الحسن الثاني.

لكن تحقيق مشروع مثل هذا لا ينجزه سوى وزارة التربية الوطنية، وفي قيامها بهذا العمل الذي هو جزء من مسؤوليتها فإنها ولا شك ستحقق ما فعلته الأمم، ومتى كنا لا نفكر في ذلك ولا نعيره أي اهتمام فإن هذه الكنوز ستكون مهددة بالخطر.
وليس بخاف على أي شخص أن بالمغرب خزائن ما زالت في طي الإهمال ووثائق لا تعد ولا تحصى لم يمط عنها القناع إلى حد الآن، ومن يملكها من الخاصة لا يقدر لها قيمة، ويفضل بقاءها عنده ولو كانت على حالة مزرية بدلا من أن يسلمها لمن يعنيه أمرها ومسؤول عن محافظتها.

والأوراق الجامدة تستغيث وتترقب في لهفة يدا شفيقة حنونا تمتد إليها لتنقذها من الأخطار التي تهددها، والرطوبة التي تهشم كيانها وتراكم بعضها على بعض وتخنق أنفاسها إلى الأبد، وتطوح بها إلى الفناء والعدم.
وتاريخ المغرب يئن وليس له منقذ سوى إحياء هذا التراث وبروزه إلى الوجود، لأن الأطوار التي اجتازها الوطن أثناء فترة الحماية قد تجعل منا أن ننتفض ونسخر في حزم قوي إدارة صلبة لطاقتنا العقلية والبدنية فنمحو تلك الوصمة التي لطخنا بها الاستعمار حينما عكس الحقائق الجوهرية وشوه وجه المغرب الناصع بالأناقة والعزة والمجد.
إذا، فعلى كل مواطن من حكومة وشعب أن يواجه هذه الحقيقة المرة التي هي واضحة كل الوضوح ويعتبر أن الواجب ينتظره، ويتطلب بذل الجهود الجبارة ومد يد المساعدة إلى الحكومة والأمة معا ويسلم ما عنده من وثائق إلى الدوائر المسؤولة (وزارة التربية الوطنية)، تلك الوثائق التي ورثها عن أبائه وأجداده، والتي نعتبرها أنها كانت عند أسرته تلك المدة بمثابة وديعة تجب صيانتها، وقد حان الوقت بردها إلى الحكومة لتنظيمها له ولغيره، ويستطيع كل مواطن أن يستفيد منها ويرد على كل من طعن في تاريخ المغرب.
ونود من وزارة التربية الوطنية أن تقوم بدورها، فتبحث عن هذه الكنوز التي تطويها جدران البيوت الكئيبة، فإنها تشكو عبث الأيادي التي تتقاذف بها من مكان إلى آخر وتعلق أملها لتنجو من إهمال الدهر الغادر فتبعث من جديد، وإذا استجابت الوزارة لهذا النداء فإنها ستحقق بذلك أملا عظيما طالما كنا نصبو إليه.
وإنه لا يليق بنا في عهد الاستقلال أن نترك هذا الكنز الدفين تفتك به الأرض فتكا ذريعا وتذهب بمعالمه، أو تلتهمه النيران ويبقى تاريخ المغرب المفترى عليه على ما كان عليه.
لكننا إذا سعينا في إنقاذه، فإنه سينبثق من وراء ذلك حركة مباركة تخول النشاط لكل من أراد الغمار فيه ويبزغ إلى الوجود كل ما كان مجهولا من أدب وتاريخ، تلك هي الوسيلة الوحيدة التي يمكننا أن نبطل بها ذلك التاريخ المصطنع والمزيف، والذي يقصد منه الاستعمار تحطيم معنوية الأمة وتشويه وجه الحضارة كتمهيد وتضليل لإبقاء الأمة تحت سيطرته، وإن جل المصادر التي كانت بين يد كل مروج من كتاب الدعاية المغرضة فإنها قد وضعتها مكاتب الاستعلامات بالسفارة الأجنبية، وكان القصد منها القضاء على الدولة والأمة، ومع شديد الأسف فقد استطاع أباليس السياسة بافترائهم أن يجدوا لتلك الدعاية آذانا صاغية في الوقت الذي كان يلعب فيه عملاء الاستعمار دورا هاما يعزز هذا السلوك الشاذ مقابل وعود أو بعض فضلات يجود عليهم المستعمر بها.

وختاما فإننا نأمل من وزارة التربية الوطنية أن تفكر جديا في هذه القضية وأن لا يغرب عن بالها أن هذا المشروع قد لا يتطلب قسطا كبيرا يعجز كاهل الميزانية، وأن إنجازه لا يكلفها أكثر من اختيار عناصر يتصفون بإرادة قوية ودراية واسعة في التاريخ، وإلمام بنظام الترتيب، وفي استطاعتها تحقيق هذا كله دون أي تكليف أو عناء مادي.
ومتى خامرت فكرت الشروع في التطبيق فلا يسعنا إلا أن نقول بأنه يوجد بالخزانة العامة مستودع ضخم مجهز بطراز عصري كاف لضم جميع ما هو موجود الآن من الوثائق التي هي بين جدران المؤسسات والمصالح الإدارية والبيوت الخاصة.
ومن هنا يمكننا أن نعترف بصراحة القول بأنه لم يبق لنا أي عذر نتذرع به، وليس أمامنا سوى التصدي للعمل وجمع ما تبقى من شتات الوثائق، وبذلك سيتسنى لنا خلق مصادر تنطق بالحقائق ويتلاشى ذلك التزييف الذي شوه به المغرضون صفحة تاريخنا، وفي انتظار تحقيق المنجزات فعلى الأستاذ الحبابي عميد كلية الآداب أن يفكر في حبك منهج ببرامج الكلية لتكوين أطر في هذا الميدان الثقافي والتاريخي عبر العصور التي مر منها تاريخ المغرب، وسندرك ما خفي عنا من تراث ماضينا وتراجم أعلامنا، ويعرف الخاص والعام مدى أهمية الوثيقة ونتيجتها بالنسبة للدولة والشعب، ووزارة التربية الوطنية مفروض عليها قبل كل شيء تكوين إطارات في هذا المضمار لتسيير مصلحة الوثائق في المستقبل.

                                             لـــذة الكتــب
                  ما تطعمت لـذة العيـش حـتــى      صرت للبيـت، والكتاب جليـسـا 
                  ليس شيء أعز عندي من العلـ      ـم، فما أبتغـى سـواه أنيـــــــسـا
                  إنما الذل في مخالـطة النـــــــا      س، فدعهم وعش عزيزا رئيـسا
                                                                     عبد القاهر الجرجاني

                                                           

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here